تعكس أحداث ومشاهد الفيلم النمساوي «حمّام الشيطان»، الذي عُرض لأوّل مرة في مهرجان (برلين) 2024، ثنائية ظلّت تتكرّر في الأعمال الإبداعيّة سواء الأدبيّة أو الأدائيّة وحتى البصرية منها، وهي ثنائية الجهل والخرافة. الفيلم إنتاج ألماني نمساوي مشترك، ومن إخراج النمساويين فيرونيكا فرانتز وسفرن فيالا، وبطولة آنيا بلاغ (أغنيس)، ودافيد شايد (وولف). تدور أحداث الفيلم في قرية في النمسا في القرن الثامن عشر، حيث طبيعة المكان الجبليّة، بالإضافة للغابات والبحيرات العذبة موطن سمك السلّور، الذي يعتبر مصدرا مهما من مصادر الغذاء، ومحركا أساسيا للعمالة والحياة بشكل عام، وهذا جانب مهم يكشف لنا بيئة مختلفة بارتباطاتها المتشعّبة والمنبثقة عنها.

البحث عن موضوع
لا شك أنّ البحث عن موضوع للشروع في مغامرة تصوير فيلم بتكلفة إنتاج عالية، عملية دقيقة بحاجة للتروي، وحسابات منطقيّة للموازنة بين الإبداع والجانب الترفيهي الذي تشتمل عليه السينما. ولا شك أيضا أنّ خصوصية الثقافات المحليّة في أزمان بعيدة، تعتبر منجما للأفكار والظواهر والأحداث، التي يمكن أن يستثمرها كتّاب السيناريو والمخرجون، تماما كما هي الحال في فيلم «حمام الشيطان» المعتمد في بنائه على واقعة مرصودة ومتكرّرة في النمسا وأوروبا بشكل عام في القرنين السابع عشر والثامن عشر، في عهد الظلامية والجهل والخرافة التي سيطرت على أفكار الناس البسطاء وسلوكيّاتهم.
تصاب أغنيس المتزوجة حديثا بحالة اكتئاب حادة، تحاول الخروج منها باللجوء إلى الصلاة تارة، وتارة أخرى بمحاولة الانخراط في حياتها الزوجية الجديدة، التي ظلّت ناقصة لعدم قدرة زوجها وولف على مشاركتها فراش الزوجية، ما يعني الحرمان من الأطفال وتكوين عائلة لطالما حلمت بها أغنيس. هل كانت هذه الملابسات سببا في الاكتئاب الذي انجرفت إليه؟ أم أنّ شخصيتها في الأساس تنطوي على ميول اكتئابية وانتحارية؟ ربما كان الأمر مزيجا من هذا وذاك. تصل أغنيس إلى حالة متقدمة من السوداويّة والألم المرافق لها ولا تجد أمامها سوى إنهاء حياتها خلاصا من هذا الواقع القاسي، لكن الكنيسة تحرّم الانتحار، وتجعل الجحيم عقابا للمنتحرين ومستقرا لهم، فما العمل؟ كيف الخلاص من هذه الحالة الميؤوس منها؟
تفاصيل الحياة والمشهدية البصريّة
اهتم صنّاع الفيلم بالجانب البصري وأولوه عناية خاصة، حيث توزّعت اللقطات بين القريبة والبعيدة لتجعلنا نشعر ونرى هذه المشهدية من زوايا مختلفة، مشاهد مشبعة بتفاصيل الحياة اليوميّة في المنزل، وحظيرة الحيوانات، وتجهيز الطعام، وغسل الملابس على الضفاف الصخريّة لمصدر المياه، وفي صيد السمك السلور في البحيرة أو في السبخات الطينيّة، والصلاة في الكنيسة، وتقاليد الزواج والاحتفال وغيرها من الحيثيات التي نقلتنا إلى ذلك العصر بيسر وسلاسة، على أنّه لم تكن وتيرة الفعل الحدثي أو الدرامي على سوية الفعل البصري، بل كانت متأخرة عنه، وفي بعض مراحل الفيلم كان إيقاع الحدث بطيئا وثقيلا. على أنّ الاحتفاء البصري ظلّ ساطعا ومبهرا طوال الوقت، الأمر الذي برّر فوز الفيلم بجائزة الدبّ الفضي لأفضل مساهمة فنية، ونالها مارتن غيشْلاغْت، مدير التصوير.
الخرافة
انطلق الفيلم في عرض رؤيته من خلال تقديم رؤية القرية- التي تمثل أوروبا- لكثير من الأمور التي تمس حياة الأهالي، خاصة ما يتعلق بالدين الذي سيطر عليه الفكر المنحرف والخرافة الساذجة في مجتمعات صغيرة شبه منعزلة في تضاريس جبلية باردة وكئيبة. لم يكن أمام أغنيس وغيرها من النساء اللواتي مررن بالتجربة نفسها، سوى الإقدام على القتل ثم الاعتراف أمام الكاهن لتنال المغفرة، ثم يُقطع رأسها. كان ضحايا هؤلاء النساء من الأطفال، لأن قتلهم أسهل من قتل الآخرين من جهة، ومن جهة أخرى اعتقدن أنهم سيذهبون إلى الجنة؛ فما زالوا ملائكة بلا خطايا. أخذ وولف زوجته إلى الحلاق، وهو بمثابة طبيب القرية، الذي اعتمد بدوره في علاج أغنيس من الاكتئاب على الخرافة، حيث غرز في أسفل عنقها من الخلف شعرة جعل طرفيها بارزين لتمسك بهما وتحرك الشعرة يمينا وشمالا حتى يتقيح الجرح بعد أيام وتخرج السوداوية والسم من جسمها. ربما كان القصد من هذا الأمر في تقديري هو إبعاد أغنيس عن أفكارها السوداء والتفكير بالألم الذي يسببه الجرح المتقيّح.
الرمزية
اعتمد الفيلم في بنائه على مشاهد أو لقطات رمزيّة قابلة للتأويل، مثل الفراشة التي ظهرت في غير مشهد على وجه أغنيس وشفتيها وهي دلالة على الحياة الجديدة التي تصارع أغنيس للحصول عليها عن طريق الخروج من اكتئابها الحاد والمؤلم؛ فالفراشة تخرج من الشرنقة المظلمة بألوان زاهية وفرح وانطلاق. وفي المقابل نصل إلى مشهد الجرح المتقيّح والدود في الماعز، وهذا دليل على الدخول في دوامة يصعب الخروج منها. كما جاءت لقطة الماعز المصلوب بالعكس إشارة إلى الفهم الخاطئ للدين وتعلّق الناس بالخرافات والخزعبلات.
مقاربة العنوان
لم يكن العنوان «حمّام الشيطان» سوى كناية معروفة في ذلك الوقت عن حالة الاكتئاب الشديدة والسوداويّة التي أصيبت بها أغنيس. ربما كان هذا الأمر معروفا وشائعا عند الأهالي واعتبروه عملا شيطانيا لأنّه يأخذ الإنسان في مسالك بعيدة عن العائلة والناس والكنيسة ويدفعه للتفكير بالانتحار، الأمر الذي يُخرجه من رحمة الله ومغفرته كما كان المعتقد. المنتحر لا يُصلّى عليه، ولا ينال دفنا لائقا، بل يُلقى في العراء لتنال منه الحيوانات والحشرات، كما حدث مع لينز الذي شنق نفسه. ولعل مقاربة المصطلح تأتي لتقابل معمودية الماء، التي يدخل الإنسان على إثرها في نعمة الله بينما حمام الشيطان يدفعه بعيدا عن حضن الكنيسة.
المشهد الختامي
كان المشهد الختامي من القسوة بحيث اختلط عليّ الأمر ولم أعرف: هل كان جزءا من رمزية الفيلم أم من واقعيته؟ يُقطع رأس أغنيس كعقاب لها على قتل الطفل أمام أهل القرية، لكن ما جرى لاحقا من تهافت الجميع على الشرب من دمائها في أجواء احتفالية جعل الأمر مربكا ومقزّزا في الوقت عينه. هل بالفعل كانت طقوسا متّبعة في هكذا حالات؟ وما هو التفسير لهذا الفرح الذي شاع بينهم؟ لا شك أن بُعد المسافة المكانيّة والزمانيّة عن ثقافة ذلك البلد تربكنا أحيانا، لكن هذا لا ينفي جودة العمل وسعيه للخروج عن دائرة السائد والمألوف.
كاتب أردني
