خان الصابون في شمال لبنان من طرابلس إلى انحاء العالم.. قصة صناعة الصابون المشرقي الأصيل

حجم الخط
2

طرابلس – «القدس العربي»: في قلب مدينة طرابلس اللبنانية وبمحاذاة الأسواق القديمة يقع أحد أهم وأشهر المعالم الأثرية في لبنان هو خان الصابون، والمعروف أيضا بخان العضيمي. هنا بدأت حكاية صناعة الصابون الطرابلسي الأصيل قبل مئات السنين لتعطي للمدينة هويتها الحضارية.
في هذا المكان وقبل عقود طويلة كان هناك عمال لبنانيون ينهمكون بصنع الصابون الطرابلسي الذي يصدر من خان الصابون إلى الخارج وخاصة أوروبا. ومن هنا تنبعث روائح العطور المعتقة، من زوايا الغرف الأثرية لتحكي تاريخ الأمكنة. هنا للماضي نكهة خاصة مجبولة بروائح الغار والصنوبر المأخوذ من أعالي جبال الأرز وبعشق خاص تصنع الأيادي الطرابلسية أفخر أنواع الصابون والعطور.

الصابون المشرقي

تقول بعض المصادر التاريخية ان صناعة الصابون قديمة قدم شجرة الزيتون المنتشرة على طول الساحل الفينيقي. وهي من الحرف التي كادت تنقرض لولا همة بعض أبناء الشمال اللبناني لإعادة الزخم لهذه الصناعة.
يروي الدكتور خالد عمر تدمري وهو رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس لـ»القدس العربي» قصة صناعة الصابون، فيوضح ان هذه الصناعة تطورت وانتشرت في أنحاء العالم عبر ثلاث مدن أساسية تقع جميعها في بلاد الشام فتأتي في المرتبة الأولى نابلس في فلسطين تليها في المرتبة الثانية حلب في سوريا وفي الثالثة طرابلس في شمال لبنان. وقال ان صناعة الصابون ترتكز في الدرجة الأولى على مادة زيت الزيتون المتوفرة في محيط المدن الثلاث حيث كان الزيتون يملأ مدينة طرابلس. وتنتشر حتى الآن بساتين الزيتون الموجودة في منطقة ابي سمراء المعروفة عقاريا باسم زيتون ابي سمراء.
ويقول تدمري ان زراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون بأفخر أنواعه لا تزال منتشرة في منطقة الكورة المحاذية لمدينة طرابلس جنوبا. ويتابع قائلا: «وبالطبع مع وجود المواد الأولية تطورت الصناعة التي لم تكن فقط عبارة عن حرفة يدوية، بل كانت عصبا أساسيا لاقتصاد المدينة في العصور الوسطى وأخذت مجدها عبر مرفأ مدينة الميناء الذي كان يعد مرفأ بلاد الشام الأساسي والذي بات يصدر الصابون إلى أنحاء العالم عبر حوض البحر المتوسط وصولا وبخاصة إلى المدن الاوروبية. من هنا يجزم بعض المؤرخين ان تسمية الصابون أخذت من الكلمة العربية وانتشرت في أنحاء العالم بالتسمية نفسها فباتت تسمى بالانكليزية «SOAP» و SAVON في الفرنسية.
ويعود هذا، بحسب تدمري، وفي الدرجة الأولى إلى دور مرفأ طرابلس الذي كان المرفأ الأساسي لتصدير كميات هائلة من الصابون منذ القرون الوسطى. أما عن صناعة أول قطعة صابون فأجاب محدثنا:»حسب ما يذكر المؤرخون فإن صناعة الصابون عرفت أوجها في طرابلس في العهد الفاطمي. وفي العهد الصليبي الذي دام حوالي 180 سنة حيث تطورت هذه الصناعة بشكل ملفت. وطبعا في العصر المملوكي طور المماليك أيضا هذه الصناعة واعتمدوا عليها في الاقتصاد وأصبحت واحدة من أبرز الصناعات واستمرت في الفترة العثمانية وخاصة الأنواع التي عرفت بالصابون العرايسي وكان على شكل كرات دائرية واتخذ هذه التسمية بسبب غناه بالألوان والروائح المعطرة ويوضع هذا النوع في جهاز العروس.

حكاية خان الصابون

أما عن تاريخ خان الصابون فيوضح تدمري قائلا:»خان الصابون هو واحد من خانات المدينة وكما نعلم فإن الخان هو مكان لإقامة الزائرين وموجود منذ أيام المماليك وتمت توسعته في العهد العثماني». ويضيف «ان أبرز من قام بتوسعة الخان وتنشيط هذه الصناعة هي السلطانة المعروفة باسم هيام زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني، فقد كانت تعمد إلى شراء العقارات لتأجيرها وتوسيعها وتخصيص ريعها للأوقاف الإسلامية خدمة للفقراء. كما أمرت بتوسيع الخان ورصدت عائداته لصالح الحرم القدسي الشريف».
وقديما لم يكن يعرف بخان الصابون بل سمي في نهاية القرن التاسع عشر ولا يزال مركزا لصنع الصابون الحرفي. ولا يزال هناك معملان في منطقة الزهرية في طرابلس وهما مخصصان لصناعة الصابون التقليدي وهما يعتبران مبان أثرية مسجلة على لائحة التراث ولا تزال حتى يومنا هذا عائلتا آل عدرة وآل عويضة معروفة بهذه الصناعة. كما توجد عائلة شركس وهي تقطن خان المصريين الأثري وتعمل على صنع أقدم أنواع الصابون الطرابلسي الأصيل.
من جانبه يذكر مؤرخ طرابلس عمر تدمري في احدى مؤلفاته ان خان الصابون عرف في بداية القرن الرابع عشر ميلادي كأول مركز تجاري في المنطقة في صناعة الصابون. ومنه كانت الأنطلاقة الأولى إلى عالم التجارة العالمية فكان خان الصابون ملتقى التجار من كل أنحاء العالم فضلا عن التجار المحليين ليلتقوا بالأجانب والصناعيين، وبذلك أصبح خان الصابون مركزا «مرموقا» في عالم التجارة الدولية من لبنان إلى حلب وتركيا وفرنسا وايطاليا والدول العربية. وينقل المؤرخ عن مصار تاريخية قولها ان التجار من أهل طرابلس اقاموا معامل الصابون في ما يسمى في ذلك الحين ولاية حلب التابعة في حينها إداريا للدولة التركية وذلك لقرب حلب من تركيا التي كانت تشكل الممر لأوروبا ليتمكنوا من تقديم الاكتفاء للسوق الاوربي والتركي.

أقدم صناعة في الساحل اللبناني

ويروي مؤرخ طرابلس تاريخ هذه الحرفة فيؤكد بان الأوروبيين عرفوا الصابون اللبناني منذ أكثر من ألف سنة وذالك خلال الاحتلال الأوروبي (ما تسمى الفترة الصليبية ) لطرابلس لبنان. وينقل عن مصادر تاريخية ان البلاد العربية شكلت سوقا طبيعية للإنتاج اللبناني من مواد التجميل والصابون وغيره من مواد العناية بالصحة الخارجية. حيث تذكر المصادر ان جنود وضباط الجيوش الأوروبية كانوا يأخذون الصابون الطرابلسي هدايا لعائلاتهم وهذا الأمر جعل الصابون اللبناني أحد أهم المواد التي تصدر لأوروبا. وتطورت هذه الصناعة من مجرد مواد تجميلية إلى مواد علاجية للأمراض الجلدية. ويذكر المؤرخ تدمري ان طرابلس أصبحت صاحبة الريادة في صناعة الصابون المعطر والعلاجي. ولفت إلى ان سوق العطارين في طرابلس كان عبارة عن عيادات يديرها حكماء وعشابون وصيدلانيون كان لهم الفضل في إنتاج المركبات التي عولجت بها الكثير من الأمراض الجلدية والنفسية والتي لم تزل حتى يومنا هذا تستعمل وبثقة كبيرة.

بين عبق الماضي والحاضر

حاول بدر حسون وأولاده تطوير هذه الصناعة ومعهم عرفت نقلة نوعية إذ أخذ سر المهنة عن القدماء والأجداد وحاول أن يطورها ويواكب العصر. من بساتين طرابلس التي كانت ملقبة بالفيحاء ومن أقصى الجبال يجمع آل حسون الأعشاب النـــادرة والخلطات العشبية ليقدموا لزائر المدينة تذكارا يطهر النفس والجسد معا.
عن صناعة الصابون يقول احمد حسون في حديثه لـ «القدس العربي» ان منتوجاتهم تتميز بحفاظها على أصالة الخلطات القديمة منذ أكثر من 1400 سنة. وان جده الأكبر أعطى للوالد الوصفات السحرية قبل موته. وقال انهم اشتغلوا على تطوير الصناعة بحرفية أكثر. وأشار إلى انه كان هناك في الماضي نوع واحد من الزيتون في حين أن عائلته طورت اليوم أكثر من 1400 نوع. وكل يوم لديهم منتوج جديد من ابتكارهم ويعمل مختبرهم الخاص لتحديث الصناعة لتواكب العصر ضمن إطار العائلة.
أما عن تاريخ هذه الصناعة، فقال أن خان الصابون كان يستخدم في البدء كمركز لتصدير المواد الأولية إلى الخارج مثل العسل والزيتون وزيت الزيتون وكان الصابون من أهم هذه المنتجات المعدة للتصدير إلى فرنسا منذ سنة 1480. وأضاف «ان صابون دو مارساي (صابون مرسيليا) الشهير في فرنسا هو الصابون الطرابلسي المستورد من مئات السنين من بلاد الشام». أما عن أهم الخلطات التي يستعملونها في صناعتهم، يتابع احمد حسون المدير العام لقرية حسون البيئية قائلا «انها الخلطة الملكية والطرابلسية». وأضاف أن عائلته طورت أيضا هذه الصناعة وقامت ببناء قرية بيئية في جبال الكورة شمال لبنان حيث تتم زراعة الأعشاب الخاصة بصناعة الصابون مثل أكليل الجبل وعشبة مريم وغيرها. وطرابلس كانت مشهورة أيضا بسوق العطارين أو سوق الحكماء الذي كان يضم دكاكين خاصة لعرض منتوجات خان الصابون على اختلاف أنواعها وكان الصابون حينها يستخدم في علاج عديد من الأمراض الجلدية.
وأضاف ان عائلته قامت أيضا بتطوير هذه الصناعات الدوائية الطبيعية دون إضافة أي مواد كيميائية وهذا ما جعلها تنال شهادة «إيزو» التي تثبت ان منتوجاتنا بيولوجية. ويوضح حسون ان القرية البيئية تضم عددًا كبيرًا من المحترفين في هذا المجال من إداريين وصناعيين ومسوقين، وهم يعملون على ابتكار وتصنيع منتوجات جديدة.
وأضاف ان والده لعب دورا هاما في إحياء خان الصابون منذ سنة 1990 وعادت هذه الصناعة تزدهر رويدا وريدا. وقال ان الدقة في التصنيع هي أكثر ما يميز منتوجاتهم ما جعلها تحظى باعجاب الكثيرين من زوار الخان وخاصة من المستهلكين الأجانب والعرب.
وأضاف ان عائلته تمكنت من ابتكار خلطات جديدة شكلت نقطة تحول في هذه الصناعة وان والده أعطاها كل وقته وجهده فاعطته أيضا. وباتت منتوجاتهم منتشرة في كل أنحاء العالم ووصلت حتى الصين ومثل ذلك شهادة على دقة هذا المنتوج وجماليته.

حرفة الأجداد والقدماء

يؤكد المؤرخون ان صناعة الصابون بدأت منزلية منذ قرابة الـ 300 سنة. وكان يوجد في طرابلس حوالي 400 مصبنة، لكن في بداية القرن الماضي اندثر عدد كبير من هذه المصابن وصارت حرفة من الحرف التراثية التي حافظت بعض العائلات الطرابلسية عليها ومنها عائلتا آل شركس وعبد الواحد حسون.
في الطابق الأرضي من خان المصريين الكائن في قلب طرابلس القديمة توجد مصبنة عائلة عبد الواحد حسون. تحدث كفاح طبولة أحد العاملين في مصبنة عبد الواحد حسون أو معمل صابون طرابلس لـ «القدس العربي» عن أبرز المنتجات التي يصنعونها ومنها الصابون الطبيعي بزيت الزيتون والعلاجي والمعطر للشعر وللبشرة الحساسة وأبرز انواع الصابون هي «الآس، خلاصة ورق الجوز، صابون السدر، صابون الشبة، صابون نخالة القمح وصابون الكبريت وبزر الرمان» ولكل منها وظائفه العلاجية الخاصة لتخفيف الأوجاع وتعطير البشرة وتهدئة الأعصاب. وقال ان لديهم أيضا صابونا خاصا من الزهور المعروفة في طرابلس ومنها الغاردينيا والورد الجوري.
وفي الطابق العلوي من الخان الاثري توجد عائلة شركس التي تفتخر بانها توارثت الحرفة عن سبعة أجداد ومنذ القرن التاسع عشر. يقول احمد شركس انه فتح عينيه على هذه الصناعة منذ كان في السابعة من عمره، وأخذ سر الصنعة عن والده. أما عن تركيبة الصابون فهي بحسب شركس خليط من الماء وزيت الزيتون إضافة إلى مادة الكوستيك. ويشعر محدثنا باعتباره من الأحفاد لصناع الصابون القدامى بمسؤولية كبيرة في الحفاظ على هذه الحرفة المتوارثة عن الأجداد.
يمكن لزائر المدينة ان يتنشق عطر الصابون الذي يفوح من أسواقها العتيقة ومن سوق العطارين. فللصابون بعطوره وزيوته أسرار لا يعرفها إلا أهل هذه المدينة الذين استطاعوا الحفاظ على هذه الحرفة التقليدية بكل حب وشغف، ليصبح الصابون في هذه المدينة أكثر من مجرد مادة تستخدم لتنظيف الجسد، انها عطر الروح وعبق ألف سنة وسنة يحكي تاريخ مدينة عريقة.
وبالرغم من كل الأحداث والمعارك الأليمة التي شهدتها أحياء المدينة، بقي عطر الصابون أقوى من صوت الرصاص وأقوى من الحقد والكراهية والثأر..لانه مجبول باحساس عال مستوحى من قدس أقداس الطبيعة..ومن الأزهار والأعشاب العطرية الرائعة المعروفة بها جبال لبنان الشامخة. وتتواصل المسيرة مع الأحفاد ومع كل محب للعطور والحياة وللأصالة بكل رونقها.

حكاية الصابون

عن تاريخ صناعة الصابون البلدي تقول الحكاية: «أخبرنا أجدادنا، إن الوحي ظهر لأحد الأنبياء بعدما بدأ الإنسان يتكاثر على الأرض ويأكل ويشرب وبالتالي يتسخ، فطلب منه أن يعصر ثمر الزيتون، ومن ثم يتوجه إلى شاطئ البحر ليصنع حفرة يضع فيها القليل من ماء البحر المالح، وبعد أيام جف الماء وبقي الملح، فطلب منه الوحي أن يضع زيت الزيتون في وعاء على النار ويضيف إليه الملح الذي خلفته مياه البحر، فكان الصابون».
وشجرة الزيتون مباركة لدى الديانات السماوية جميعها، وهي شجرة تعمر أكثر من خمسة آلاف سنة وفوائدها جمة، يستخرج منها ذهب سائل يستعمل إضافة إلى الطعام، في الأدوية والعلاجات وصناعة الصابون.
وتؤكد المراجع التاريخية والعلمية ان حكماء «الأطباء القدماء» مدينة طرابلس كانوا أول من صنع الصابون. وان أهل العلم في طرابلس من كيميائيين وغيرهم كانوا السباقين في صناعة الصابون للحفاظ على النظافة والعناية بالصحة الخارجية والجمال، ما أدى إلى قيام سوق جديدة عرفت بسوق الحكماء الذي ما زال قائما حتى أيامنا هذه وهو يعرف الآن بسوق العطارين.
وتقول المراجع ان صناعة الصابون كانت متواجدة منذ أيام أدونيس وعشتروت،
وتفيد ان صناعة الصابون قديمة جدا، عمرها من عمر سليمان الحكيم واشتهرت في مدينتي نابلس في فلسطين وطرابلس في لبنان.
تعتمد هذه الصناعة على زيت الزيتون الطبيعي والمواد النباتية التي تستخرج منها الروائح العطرة، وكانت في بادىء الأمر عملا منزليا ثانويا تقوم به الزوجة والأولاد. وطريقة صناعة الصابون البلدي تتم بمزج زيت الزيتون بمادة الكوستيك (مادة خام يصنع منها الصابون) ليصب بعدها في قوالب حديدية ليبرد، وفي اليوم التالي يتم تقطيعه وفركه، وتركه لمدة شهرين أو أكثر حتى يجف.
يمتاز الصابون البلدي بشكله المربع ولونه الأبيض، ولكن، ومع مرور السنوات، اتخذ إلى جانب الشكل التقليدي أشكالا أخرى وتلوّن بألوان الفاكهة المختلفة.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية