الدكتور عدنان البرش كان مدير قسم الجراحة في مستشفى الشفاء. وهو شخص كريزماتي، وسيم، أكثر من ظهوره في الشبكات الاجتماعية، تم توثيق عمله في ظروف صعبة جداً، بدون كهرباء أو دواء أو مواد تخدير، وأحياناً بدون أسرة. ذات مرة، تم توثيقه وهو يحفر بالمجرفة قبراً جماعياً للموتى في ساحة المستشفى، بعد أن امتلأت الثلاجات لتكدس الجثث. كان بطلاً محلياً في حياته، وبطلاً دولياً في موته. منذ بداية الحرب، قالت زوجته ياسمين، تقريباً، لم يأت إلى البيت. في الأشهر التي مرت، اضطر للهرب مع طاقمه من ثلاث مستشفيات قام الجيش بتدميرها في إطار حرصه المعروف على تطبيق القانون الدولي.
في كانون الأول، تم اعتقال البرش على يد الجيش في مستشفى “العودة” في جباليا. وطلب منه الخروج إلى الساحة حيث تم اختطافه. في الأشهر التي أعقبت ذلك، مر كما هو معروف بتعذيب صعب في منشآت التحقيق التابعة لـ “الشاباك”، ولاحقاً في “سديه تيمان” ثم سجن عوفر، وهناك توفي في 19 نيسان. “بصعوبة تعرفنا عليه”، قال أحد الأطباء الذين شاهدوه في منشأة الاعتقال. “كان من الواضح أنه مر بجهنم بسبب التعذيب. لم يكن الشخص الذي عرفناه، بل ظله”. البرش الذي حافظ على لياقته البدنية وكان يكثر السباحة، أصبح ميتاً – حياً. كان متخصصاً في جراحة العظام، تعلم في الأردن وفي بريطانيا، كان يمكن أن تبتسم له الحياة في مكان آخر.
موت البرش في السجن مر باستخفاف متميز في إسرائيل (كتب عنه تامر نفار رثاء جميلاً في “هآرتس”، وكتبت عنه أنا أيضاً)، حيث تم تنصل السلطات من المسؤولية عن موته. مصلحة السجون التابعة لبن غفير قالت بأنها “لا تتعامل مع المقاتلين غير القانونيين” – فجأة مقاتلون. فجأة لا تتعامل. وقال الجيش الإسرائيلي إنه لم يكن تحت مسؤولية الجيش وقت موته. العشرات من المعتقلين ماتوا في السنة الأخيرة في السجون الإسرائيلية، ومثلما في أسوأ السجون في العالم، فهذا ليس موضوعاً في النضال على الديمقراطية في إسرائيل. مئات الأطباء والممرضين قتلوا في غزة، وهذا لا يهم حتى نقابة الأطباء، يا للعار!
لكن البرش أصبح طبيب أشباح؛ شخصيته وحياته وموته لا تتوقف. في الأسبوع الماضي، طفت شخصيته وظهرت في مقال تحقيق لجون سباركس في “سكاي نيوز”، في الوقت الذي كانت فيه أيلانا ديان تهمس في أذن كرستيان أمنفور في الـ “سي.ان.ان”: “نحن لا نغطي معاناة الناس في غزة بما فيه الكفاية”. وتنتقل لنشر تقرير بطولي آخر عن المزيد من أبطال الجيش الإسرائيلي، في التلفزيون الذي تمثله لن تشاهدوا شيئاً يخص غزة. “المشاهدون لا يهتمون بالمشاهدة”، شرح أحد رؤساء القناة الثانية للراديو والتلفزيون هذا الأسبوع في مؤتمر، وهو يعرض تعريفاً جديداً للصحافة، “برنامج شعبي حسب الطلب”.
لكن في عالم توجد فيه وسائل اتصال أخرى، لم ينسوا البرش. تقرير “سكاي نيوز” كشف أنه تم رميه في ساحة سجن عوفر وهو مصاب في كل جسده وعار في الجزء السفلي. فرنشيسكا البانزا، المقررة الخاصة بلسان الأمم المتحدة في موضوع حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية المحتلة، طرحت احتمالية أنه مر بتحرشات جنسية قبل موته، على خلفية التقرير الذي جاء فيه بأن جثته وجدت نصف عارية.
من الذي قتل البرش وكيف؟ لن نعرف ذلك إلى الأبد. في المقابل، عرفنا إلى أي درجة غير أخلاقية هو قلق إسرائيل الانتقائي على حياة الإنسان. المجتمع، الذي جزء منه على الأقل مصاباً بالصدمة على مصير المخطوفين، ويخاف على مصيرهم دائماً، ويقيم الدنيا ويعلق اللافتات، هو نفسه المجتمع الذي لا يهمه مصير الآخرين، الذين تقرر مصيرهم الوحشي على يد أبناء شعبهم. هذا النفاق لا يمكن تبريره. لا طريقة للجسر بين صدمة إسرائيل العميقة من موت المخطوفين في أسر حماس، وبين اللامبالاة إزاء موت البرش، الذي اختطفته إسرائيل. لا طريقة للتوفيق بين هذه التناقضات إلا بطريقة واحدة: ضمير إسرائيلي مشوه، بحيث لا يمكن إصلاحه.
جدعون ليفي
هآرتس 21/11/2024