الرياض – «القدس العربي»: لا شك في ان الموضوع الايراني – بمختلف جوانبه ابتداء من الاطماع والتدخلات الايرانية في الخليج والعالم العربي، وانتهاء بالقلق الخليجي من تداعيات الاتفاق الايراني الغربي بشأن نشاط طهران النووي – كان هو الموضوع الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، الذي ركزت عليه اجنماعات القمة الخليجية – الاميركية في منتجع كامب ديفيد الاسبوع الماضي .
وقبل هذه القمة وبعدها أثار الكثيرون ممن يعتبرون أنفسهم خبراء في الشأن الخليجي الشكوك حول نتائج هذه القمة وحول العلاقات الخليجبة – الاميركية اساسا، واستندوا في ذلك الى غياب العاهل السعودي الملك سلمان وثلاثة قادة خليجيين عن المشاركة في القمة التي دعا اليها الرئيس الاميركي باراك اوباما. واستندوا ايضا – بإثارة شكوكهم – الى ان الادارة الاميركية «ليست على اتفاق تام» مع مواقف دول مجلس التعاون الخليجي من بعض القضايا المعروفة مثل الموقف من المعارضة السورية وغيرها .
لكن الحقيقة تقول ان قمة كامب ديفيد حققت تفاهما «استراتيجيا» شاملا وكبيرا بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية .وهذا التفاهم عبر عنه الرئيس الاميركي نفسه بتصريحاته عقب القمة والتي اكد فيها ان الخليج ودوله الست تحت الحماية الاميركية باللاعلان مرارا ان الولايات المتحدة «تضمن امن دول المنطقة الخليجية من اي تهديدات او مخاطر خارجية» (في اشارة لايران)، مشيرا الى الوجود العسكري الاميركي الكبير في الخليج وبحر العرب، ومذكرا بالاسطول الخامس الذي مركز قيادته في البحرين . واشار ايضا الى مشاركة السفن الاميركية بمراقبة فرض الحظر البحري الذي يفرضه تحالف عاصفة الحزم على المياه الاقليمية اليمنية .
تصريحات الرئيس الاميركي عقب القمة أرادت ان تؤكد للعالم ولإيران بشكل واضح التزام واشنطن بحماية دول الخليج العربية، سواء عبر التدخل المباشر او عبر تزويد هذه الدول بأنظمة دفاع استراتيجي وإنذار مبكر متطورة. وارادت تصريحات اوباما ان تؤكد ايضا ان دول التحالف الخليجي هي أهم حليف استراتيجي لبلاده .
وهذه التصريحات برأي البعض «كلام علاقات عامة» للرئيس الاميركي عند دول وشعوب المنطقة اراد من خلاله تسويق الاتفاق النووي المزمع توقيعه مع طهران. ويلاحظ بعض هؤلاء ان هذه التصريحات المطمئنة لم تترجم بوثيقة مكتوبة وملزمة (معاهدة دفــاع عــســكري مشترك) كما يريد بعض الخليجيين
ولكن في الرياض يبدو ان هناك ارتياحا سعوديا من هذه التصريحات الاميركية. بل هناك ارتياح من النتائج التي تحققت في القمة. ومايؤكد ذلك تصريحات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير يوم امس السبت والتي قال فيها «إن هناك توافقا تاما في الرؤية تجاه قضايا المنطقة بين السعودية والولايات المتحدة».
ووصف الجبير القمة المشتركة بـ»التاريخية وغير المسبوقة». وقال: «لقد كانت قمة تاريخية وغير مسبوقة، وتم بحث كيفية تكثيف وتعزيز العلاقات الأمنية والعسكرية الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة. وقد بحثنا ثلاثة إطارات أساسية: الأول تعزيز التعاون العسكري، والثاني مواجهة الإرهاب، والثالث التعامل مع التحديات وعلى رأسها تدخلات إيران في شؤون المنطقة».
وأوضح وزير الخارجية السعودي في تصريحاته أن محادثات صريحة ومباشرة بين الجانبين السعودي والأميركي جرت حول كيفية مواجهة تهديدات إيران إلى جانب بحث مواجهة خطر الجماعات الإرهابية والدولة الاسلامية «داعش».
وكان وقف تدفق المقاتلين الأجانب وانضمامهم لتنظيم «داعش» المتطرف على طاولة المباحثات، كما قال الجبير، في ما يتعلق بتكثيف التعاون الاستخباراتي .
والاشارة الجديرة بالاهتمام في تصريحات وزير الخارجية السعودي هي ان دول الخليج تريد علاقات وتحالف مع الولايات المتحدة شبيه بعلاقتها مع حلف شمال الاطلسي (الناتو ). فقال: «لقد كانت (كامب ديفيد) قمة للتشاور في الأساس حول مستقبل العلاقات الخليجية الأميركية، في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية والعسكرية. وبدا واضحا خلال القمة أن هناك رغبة من الجانبين لتطوير العلاقات، وبحث كيفية إحداث نقلة نوعية في تلك العلاقات الاستراتيجية إلى مستوى مشابه لعلاقات الولايات المتحدة الاستراتيجية بحلف شمال الأطلسي على سبيل المثال».
وهذا يؤكد السعي السعودي لاقامة حلف عسكري خليجي على غرار الناتو تشارك فيه الاردن ومصر والمغرب ويكون له علاقات «استراتيجية «مع الولايات المتحدة ومع دول كبرى أخرى مثل فرنسا .
ويلاحظ مراقبون ان ولي العهد وزير الدفاع السعودي الامير محمد بن سلمان بقي في واشنطن عقب القمة وبعد ان غادر ولي العهد وزير الداخلية الامير محمد بن نايف عائدا للرياض. وهذا يشير الى ان وزير الدفاع السعودي بقي من اجل متابعة بعض قضايا التسليح الذي تحتاجه السعودية والتعاون الدفاعي .
ويبدو انه لم تتطابق وجهتا نظر الرياض – ومعها شقيقاتها الخليجيات – مع ادارة الرئيس اوباما بشأن رغبتها بتدخل اميركي اكبر في الموضوع السوري وتقديم دعم تسليحي وتدريبي اكبر للمعارضة السورية لاسقاط نظام الرئيس الاسد، وذلك ضمن الحرب التي تخوضها السعودية ضد الاطماع والتدخلات الايرانية في المنطقة .
فالسعودية ترى انه بعد الجربة ثبت ان الحسم العسكري هو الطريق المؤدي للحل السياسي في سوريا وان نظام الرئيس الاسد لن يزول بحل سياسي، في حين كما ورد في تصريحات الرئيس الاميركي لازالت واشنطن ترى انه لا حل للأزمة السورية الا الحل السياسي، وكيف سيأتي هذا الحل. ولازال الموقف الاميركي غامض بهذا الشأن.
لكن العاصمة السعودية ترى ان الاختلاف حول بعض التفاصيل يجب ألا يمنع الاتفاق على تفاصيل اخرى وعلى المبادئ او الاهداف العامة. فهناك اتفاق مع واشنطن بانه لا دور للرئيس الاسد ونظامه في مستقبل سوريا السياسي. وهذا شيء جيد والرياض ستتصرف مع حلفائها (قطر وتركيا وحتى فرنسا ) بهذا الشأن. والمهم ألا يكون هناك خلاف يعرقل السعي السعودي لدعم المعارضة السورية لاسقاط النظام في دمشق .
بعيدا عن كل التفسيرات والتحليلات وحتى عن بعض «عدم الاتفاق» على تفاصيل مواضيع معينة، إلا ان الرياض مرتاحة لنتائج قمة الكامب، ومن اهمها ان دول الخليج ذهبت الى هذه القمة موحدة ككتلة سياسية وحتى عسكرية واحدة. وما تريده الرياض في العهد الملكي الجديد هو ان يتعامل العالم مع دول المنطقة كحلف واحد وكدول متحدة المواقف والأهداف .
سليمان نمر