الدوحة ـ «القدس العربي»:قمة كامب ديفيد التي جمعت الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظرائه قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون الخليجي اختتمت ببيان نهائي حدد خطة طريق للعلاقة التي ستربط الطرفين والشكل الذي ستتخذه مستقبلا، لتزيل عنها الكثير من الغموض الذي لف الروابط بين الحليفين أو الصديقين أو الخصمين وفق التوصيفات التي تطبعها المراحل التي يمران بها.
البيان الذي تلاه أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي تترأس بلاده الدورة الحالية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي، أكد فيه أن «النقاشات كانت مثمرة وجيدة وهناك أمور تم الاتفاق عليها مع أمريكا».
وأشار الشيخ تميم بوضوح إلى القضية المحورية والمفصلية في الاجتماع والمتعلقة بجاراتهم الشمالية ليؤكد، بخصوص الاتفاق النووي الإيراني، أن «كل دول مجلس التعاون ترحب بهذا الاتفاق، وتتمنى أن يكون عامل استقرار. وقد تحدثنا عن ضرورة عدم التدخل في شؤون دول المنطقة».
الرئيس الأمريكي أكد بدوره وفي حضور ضيوفه أن بلاده تعمل على دعم الاستقرار في المنطقة وأنه تباحث مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي القضايا المحورية والرئيسة التي تهم الطرفين وعلى رأسها الملف النووي الإيراني والوضع في اليمن وتنسيق الجهود بخصوص سوريا. وأشار إلى أنه وافق على الطلب الخليجي بعقد قمة تشاورية جديدة لبحث ما تم تحقيقه من مباحثات.
مطالب خليجية موحدة
الإعلان الذي أدلى به الرئيس الامريكي علانية يشير إلى أن دول مجلس التعاون وحدت مطالبها خلال الاجتماعات التي جرت في المنتجع ودخلت بخطة واضحة لتذيب الجليد الذي طبع العلاقات الثنائية لفترة زمنية طويلة. وتعتبر القمة، التي اختتمت في أجواء ودية، المرة الأولى التي تتفق فيه رؤى الدول الست إلى حد كبير حول قضية واحدة وتتجاوز فيه خلافاتها وتفاصيل الموضوع لتركز على جوهر الأمر.
ويأتي توافق قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون الخليجي انطلاقا من إدراكهم بأهمية توحيد مواقفها لمواجهة التحديات التي تعصف بالاستقرار بالمنطقة والتي سوف ترتد عليها موجاتها وتعصف بأمنها في حال لم يتم تطويقها بشكل جيد.
وكان لافتا للنظر أن الإدارة الأمريكية حاولت منذ البداية امتصاص غضب هذه الدول الصديقة منذ تواتر الأنباء عن الاتفاق النووي الذي عقدته واشنطن مع طهران والذي تشكل تأثيراته تهديدا على أمنها واستقرارها.
وشدد الطرف الأمريكي على أن اللقاء الذي جمعه بحلفائه إنما كان لأجل تأكيد وتعميق الشراكة القوية والتعاون مع بلاده. فقد أكد له القادة على التزامهم المتبادل تجاه المصلحة الاستراتيجية التي تجمع بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي لبناء علاقات وثيقة في جميع المجالات. ومن بين هذه التعاون الدفاعي والأمني، وتطوير النهج الجماعي تجاه القضايا الإقليمية من أجل دفع المصلحة المشتركة في إرساء الاستقرار والرخاء قدما إلى الأمام.
وأشارت واشنطن إلى أنها تقتسم مع أصدقائها من دول التعاون الخليجي مصلحة عميقة وحيوية وتهدف لدعم الاستقلال السياسي ووحدة أراضيها لضمان أمنها من أي عدوان خارجي. وأكدت صراحة أنها تتبنى سياسة لا لبس فيها تقضي باستخدام كافة عناصر القوة لتأمين مصالحها الرئيسية في منطقة الخليج وردع أي عدوان خارجي ضد حلفائها وشركائها، كما فعلت في حرب الخليج.
وكشف الرئيس باراك أوباما في اللقاء الخاص والمغلق الذي جمعه بالقادة ورؤساء الوفود عن أبرز تفاصيل الاتفاق الذي توصل إليه مع غريمهم إيران وبنوده وخططه الواسعة في سبيل إدخال الطمأنينة لنفوسهم.
ولكونها تدرك أن الاتفاق حصل ولا يمكن أن يتم التراجع عنه، حاولت دول التعاون أن تحصل بالمقابل على ضمانات بخصوص أمنها ورعاية مصالحها في المنطقة للحد من النفوذ الإيراني والتأكيد على ضرورة تطويق محاولة اختراق مجالها الحيوي.
وسعت دول الخليج العربي إلى التأكيد على أنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أية محاولة جديدة من طهران للتغلغل في حدودها. وأكدت واشنطن أنها تتفهم الأمر وأكدت للدول الست أنها لن تسمح بحدوث أي تجاوز من قبل إيران لأمنها العام. وهو ما عبر عنه صراحة البيان الختامي للقمة الذي قال ان الولايات المتحدة «مستعدة للعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي لردع ومواجهة أي تهديد خارجي ضد سلامة أراضي أي من دولها بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة. وفي حال حدوث أي عدوان أو تهديد بالعدوان، فإن الولايات المتحدة تقف على استعداد للعمل مع شركائها من دول مجلس التعاون الخليجي لتحديد أي إجراء يمكن لاتخاذه على وجه السرعة، باستخدام وسائل التصرف الجماعي، والتي تشمل الاستخدام المحتمل للقوة العسكرية، للدفاع عن دول مجلس التعاون الخليجي».
تبديد المخاوف من طموحات طهران
الحديث عن إيران وبرنامجها وحتى سياساتها في المنطقة وتوسعها خرج محيطها الإقليمي بشكل أقلق عدة أطراف وأخذ الحيز الأكبر من القمة مع محاولة أمريكيا إلى تبديد المخاوف حيال الأمر. وطمأنت واشنطن حلفاءها من دول مجلس التعاون إلى أنها تعارض «الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة وأن الطرفين سيعملان على مواجهتها، مشددين على حاجة إيران للانخراط في المنطقة وفقا لمبادئ حسن الجوار والالتزام الصارم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سلامة الأراضي بما يتفق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ خطوات عملية وملموسة لبناء الثقة وحل خلافاتها مع دول الجوار عبر الوسائل السلمية».
وأشارت دول التعاون إلى أنها تتفق على مبادئ مشتركة تشمل الاعتراف المتبادل بغياب حل عسكري للصراعات الأهلية المسلحة في المنطقة، والتي يمكن حلها فقط من خلال الأدوات السياسية والوسائل السلمية واحترام سيادة جميع الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والحاجة إلى حكم شامل في المجتمعات التي مزقتها الصراعات وحماية جميع الأقليات وحقوق الإنسان… وهي تشير إلى الأوضاع في اليمن التي تُتهم فيها طهران بمحاولة تأليب أطراف الصراع ضد بعضها.
علاقات أخوية وطبيعية
تدعو دول محورية في مجلس التعاون الخليجي على غرار قطر وعمان وبدرجة أقل الإمارات العربية المتحدة إلى علاقات طبيعية يضبطها الاحترام المتبادل وعدم التعدي على الآخرين مع طهران.
وأكدت الدوحة على لسان أكثر من مسؤول رفيع أنها تدعو إيران إلى احترام حقوق الدول المحيطة بها وعدم تجاوزها في سبيل إرساء دعائم تعاون حقيقي بعيدا عن أي صراع من شأنه أن يؤثر على الاستقرار في المنطقة.
وأكدت الدول خلال المباحثات التي جمعتها في كامب ديفيد على هذه الاستراتيجية. وهو ما يجعل أمريكا التي توصلت إلى اتفاق نووي – برفقة الدول الكبرى الأخرى – إلى أن تحترم هذه المعادلة وتعمل على تعزيز الأمن وإزالة جميع أشكال التوتر في منطقة فتيل أزماتها مشتعل باستمرار.
سليمان حاج إبراهيم