واشنطن – «القدس العربي»: برزت مؤشرات في السابق تدل على انهيار السياسة الخارجية للرئيس الامريكي باراك اوباما. لكن غياب الملك سليمان بن عبد العزيزعن القمة الامريكية – الخليجية في كامب ديفيد واشكالاتها كانت بلا شك نموذجا واضحا لهذا السقوط. فقد اشارت السعودية الى انها ليست على متن الطائرة نفسها في رحلة التفاوض الامريكية مع ايران كما فشل اوباما في اقناع الدول الخليجية بأن الاتفاق مع طهران هو لمصلحتها رغم موافقتها على مضض في بيان مشترك على القول ان الاتفاق يخدم مصالحها الامنية .
هناك ما يبرر الخوف الخليجي حول الاتفاق النووي الوشيك بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى وايران. فالاتفاق وفقا للرؤية الخليجية سيعزز دعم ايران للوكالاء الاقليمين في المنطقة مثل جماعة الحوثي في اليمن. وهناك قناعة بأن الاتفاق سيشجع طهران على التصرف بعدوانية مما يجعلها قوة مزعزعة للاستقرار في الشرق الاوسط. واضافة لذلك سيقدم الاتفاق موارد أضافية بمليارات الدولارات لمواصلة تنفيذ حلم انشاء الامبراطورية الفارسية. اما الرئيس الامريكي فهو على خلاف جوهري مع هذا الرأي لأنه يؤمن حقا بأن ايران يمكن ان تكون قوة استقرار في المنطقة.
وهكذا يمكن فهم اشكالات وتبعات القمة. فالرئيس الامريكي يقامر وهو على حافة الحصول على أهم مبادرة سياسية في سياسته الخارجية. فهو لا يملك اي نفوذ حقيقي على قادة ايران يجعلهم يهتمون بان هذا الاتفاق هو ارث اوباما الكبير. وفي الوقت نفسه فقد اوباما ثقة معظم زعماء الدول الخليجية لأنهم يعتقدون انه لا يتصرف لمصلحتهم.
تعارض المواقف بين دول مجلس التعاون الخليجي وادارة اوباما لم يمنع في النهاية من التوصل لاتفاقيات جديدة في كامب ديفيد. وقد وصلت الرسالة بوضوح لدول الخليج وهي ان الولايات المتحدة لن تقدم لهم معاهدة امنية رسمية متكاملة.
وادرك اوباما ان قادة الخليج لا يملكون مشاعر تشابه حماسته المفرطة للتوصل الى اتفاق مع ايران. ولهذا توصل الجميع الى تفاهمات حيث حصل الخليج على التزام أمريكي بشراكة في الدفاعات الجوية والصاروخية وامن الحدود وحماية النقل البحري وامن الانترنت، اضافة الى تعهد شفوى سينتهى مع نهاية ولاية الرئيس الامريكي بأن أمريكا تدرس استخدام القوة العسكرية عند الحاجة للدفاع عن دول الخليج في حين امتص اوباما القليل من الغضب والاحتجاج العربي الخليجي على الاتفاق الايراني لدرجة الاقرار بأن الاتفاق يخدم المصلحة الامنية لدول الخليج والولايات المتحدة.
الكثير من النفاق ساد قمة كامب ديفيد اذ اصر اوباما على القول ان القمة ليست فرصة لالتقاط الصور التذكارية ولكنها في الواقع كانت اقرب الى قمة علاقات عامة وفرصة لكي يلتقط اوباما انفاسه وهو يهرول الى الموعد النهائي المقرر للتوصل الى صفقة نووية مع ايران.
اما ابتسامات قادة الخليج في الاجتماعات فكانت تخفى بما لا يدعو للشك مشاعر من عدم الرضى عن الحليف الامريكي وعدم استعداده للتوقيع على معاهدة جادة تبعث الطمانينة لدول المنطقة. ولم تحرزالمحادثات تقدما في تضييق الخلافات مع واشنطن بشأن قضايا مثل ايران وسوريا.
وبحث قادة دول الخليج وادارة اوباما كما هو متوقع عدة بنود مهمة في القمة الخليجية الامريكية من اهمها مبيعات الاسلحة والدعوة لنظام دفاع صاروخي منسق والمزيد من التدريبات العسكرية المشتركة وتحسين التعاون في امن الانترنت وكذلك الامن البحري والحدود.
وسعت دول الخليج بشكل واضح لتوقيع اتفاقيات مكتوبة مع الولايات المتحدة حول الامن بعد ان اعربت عن مشاعر من القلق من ان اتفاقيات التفاهم لم تعد تكفى لضمان الامن نظرا لسلوك ايران في المنطقة ، اذ يسود شعور بالتهديد من تزايد النفوذ الايراني.
وهنالك قلق من ان الاتفاق النووي الايراني الامريكي قد يشجع طهران على التدخل بقوة اكبر في بلدان المنطقة ناهيك عن شعور المنطقة بأنها تحت الحصار جراء تهديدات الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق واليمن.
والفكرة الرئيسية التى حاول قادة الخليج تسويقها بحماسة كبيرة للمضيف الامريكي كانت بلا شك دعم تشغيل نظام للدفاع الاقليمي ومحاولة التغلب على الصعوبات الناتجة عن وجود معدات مختلفة وبسرعات مغايرة عند كل دولة وكيفية الحصول على رادارات ملائمة.
وتصر الولايات المتحدة وخمس دول اخرى على إكمال صفقة تهدف لوقف مساعي ايران بالحصول على السلاح النووي مقابل تخفيف العقوبات التى تخنق الاقتصاد الايراني.
وقال البيت الابيض مرارا ان دول الخليج ستكون افضل حالا مع الاتفاق ولكن الحلفاء العرب يشعرون بالتهديد ويخشون ان صفقة الاتفاق النووي ستودي الى ضخ المليارات من الدولارات لايران وبالتالي استخدامها في مواصلة التدخل في الدول العربية او دعم وكلاء الحروب.
وقال السيناتور جون ماكين من لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ انه يتعين على اوباما العمل بجد لاقناع الحلفاء العرب بأنه لا داعى للخوف من تدعيات أى صفقة نووية. واضاف ان العرب لا يشعرون في الوقت الراهن بأي دعم من ادارة اوباما مما يعرض الجميع الى منحدر زلق.
واستجابت ادارة اوباما لبعض المخاوف والمطالب الخليجية في القمة اذ تم الاتفاق على تفاهم أمنى جديد ومجموعة من المبادرات الامنية. كما تعهد وزير الخارجية الامريكي جون كيري قبل القمة بأن الولايات المتحدة تريد تعزيز علاقاتها الامنية العسكرية مع الحلفاء في الخليج ومعالجة مجموعة متنوعة من المشاكل والتى من اهمها التدخل الايراني في شؤون دول المنطقة.
وحذر السناتور ليندسي غراهام رئيس لجنة المساعدات الخارجية في مجلس الشيوخ الولايات المتحدة من تقديم مجموعة هائلة من الاسلحة مقابل الحصول على دعم دول الخليج للصفقة النووية. وقال انه لا يعارض رفع مستوى القدرات العسكرية للحلفاء العرب ولكنه اذا شك في ان ذلك سيكون متصلا بصفقة ايران فسيبذل ما في وسعه لعدم حصولهم على طائرة او رصاصة واحدة.
وتساءل جون الترمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن عما اذا كان هناك أى شئ يمكن ان تفعله الولايات المتحدة لطمأنة دول الخليج عندما يتعلق الامر بالتوسع الايراني. واضاف انهم يريدون الحصول على طمأنينة ازاء ان الولايات المتحدة مستعدة لتوفير ذلك لهم. ولكن تخمينه ان الجميع سيغادرون القمة بمشاعر من عدم الرضى.
وكان من الواضح، رغم التطمينات الامريكية، ان الدول العربية ليست على متن الطائرة نفسها مع ادارة اوباما بشأن ايران وان السعودية يمكن ان تتصرف من تلقاء نفسها لاحباط طهران كما فعلت عندما قادت تحالفا عسكريا ضد جماعة الحوثي في اليمن.
وفي الخلفيه يبتسم الروس وهم يشاهدون براعة اوباما في تقييد يديه بنفسه. كما اصبحت للرئيس الروسي فلادميير بوتين فرصة ذهبية لتأكيد مصالحه في الشرق الاوسط. اما قادة الصين فهم في حيرة من امرهم ولديهم شبهات في ان اوباما لديه خطة سرية، وهذا لأنهم لا يفهمون سر تخبط سلوكياته. واذا صحت تفسيرات الصين وثبت ان هنالك على الاقل خطة او ايديولوجية معينة تحرك قرارات الرئيس الامريكي فمن الصعب رؤية ايجابيات من المداولات الحالية.
من السذاجة الاعتقاد ان هناك امكانية لالغاء الصفقة بناء على افتراض سطحى بأنه سيتم عرضها في نهاية المطاف على الكونغرس. كما ان الوزن المعنوى لمجموعة واحد زائد خمسة التى تمثل الدول الرئيسية لمجلس الامن سيعطى شرعية للاتفاق. ولكن فقدان ثقة زعماء الشرق بالولايات المتحدة وصل لمرحلة جسيمة لا يمكن التخلص منها مهما قال اوباما في كامب ديفيد. وستبقى العلاقات قائمة على الخوف والشك.
رائد صالحة