مشهد توضيحي لحياة السجناء في سجن الملعب البلدي في الرقة “النقطة 11” (متحف سجون داعش)
أخيراً، جرى تدشين «متحف سجون داعش» ، وهو متحف افتراضي، على الإنترنت، ويسهل على الناس الوصول إليه. سوف يصغون فيه إلى الأهوال التي وقعت في الزنازين، ويصغون إلى حكايات الناجين. كما يتضمن المشروع توثيق وتدوين شهادات بعض الناجين من تلك السجون. إن مواجهة سجين هي لحظة مفعمة بالقلق والخوف. نستمع إليه ونرى الفزع في عينيه وليس في كلامه، نرى بقايا الصدمة في حركات يديه وفي ارتجاف شفتيه. هل تفلح اللغة في توثيق الآلام التي عاشوها؟ هذا هو السؤال الذي يطرأ على البال، عندما نصغي إلى شباب وكهول، إلى نساء ورجال، إلى يافعات كذلك، من سوريين وعراقيين، من مسلمين ومسيحيين، من أيزيديين وغيرهم. فآلة الموت كانت واحدة، والجميع صاروا ضحايا لها. بعض الناجين كانوا يطيلون في الصمت، والصمت أكثر بلاغة من الكلام. وتلك المواجهة مع الناجين ذكرتني في العشرية السوداء في الجزائر. في تلك السنين، لم يكن الناس يسمون الأشياء بمسمياتها، حذر أن تكون للحيطان آذان. كانوا يسمون الرصاص «بلوطاً»، أما الجماعات الإرهابية فيطلق عليها اسم «الآخرون»، هكذا ببساطة، ينزع الناس عنهم اسمهم، لا صفة لهم، إنهم «الآخرون»، لأن من يسمي شيئاً فهو يتيح له شرعية. والجماعات الإرهابية، في التسعينيات، كانت لها أسماء، لكن الناس جردوها منها، وأطلقوا عليهم كلهم كلمة: الآخرون.

كذلك الحال مع الناجين من داعش، لم يكونوا يسمون الأشياء بمسمياتها، وعندما ننزع من شيء اسمه، فإننا ننزع منه قيمته. كان الناجون يقاومون باللغة مثلما قاوموا بأجسادهم دفاعاً عن بلداتهم وقراهم، من هجمات داعش. ونتعلم من الناجين كذلك أن التطرف واحد، بغض النظر عن مكانه، وحدهم الضحايا يختلفون. كما نصغي في «متحف سجون داعش» إلى حكايات تجعل أيدينا ترتجف، وأخرى قد تحرم عنا النوم. حكايات أعادت إلى بالي أشباح الماضي. إذا كنت أنا لم أتحمل مجرد الإصغاء، فكيف حال من تحملوا القسوة؟ كيف حال أولئك اليافعين والبالغين، الذين ذاقوا أصناف الفظائع في تلك السجون! وهذه القسوة صارت تروى من أجل ألا تتكرر المأساة، وهو المقصد من إنشاء «متحف سجون داعش»، الذي جرى تدشين موقعه، في مبنى اليونيسكو في باريس، مطلع الشهر الجاري، وقد أسهم في هذا المشروع أكثر من 100 من الصحافيين الاستقصائيين، والفنانين، وصانعي الأفلام، والمهندسين المعماريين، وخبراء التصميم ثلاثي البعد، والقانونيين، والعاملين في الأرشيف، والمترجمين، والمحللين. وبات بوسع الناس الاطلاع على ما جرى، منذ سنين قليلة مضت، كي يقاوموا النسيان، ولا تعيد الفظاعة الكرة في مكان آخر.
من سراييفو إلى الموصل
عندما وصلت إلى سراييفو، لأول مرة عام 2012، بقيت أطوف ساعات في متحف صغير، يقع في زقاق غير مرئي، وكان أناس كثيرون يقصدون ذلك المكان، كل يوم. وهو متحف مخصص لذكرى الحرب التي عرفتها البوسنة والهرسك، مطلع التسعينيات من القرن الماضي. فذلك المتحف، وهو في الأصل شقة من خمس حجرات، كل حجرة منها تحولت إلى قاعة عرض، يمكن أن نصادف فيه صوراً من تلك الحرب، فيديوهات، رسومات أطفال ورسائل كتبوها يحكون فيها أمنياتهم بعيشٍ أمان، قد نعثر في ذلك المتحف على أرشيف جرائد، كانت تصدر في الخفاء، وكذلك قوائم بأسماء الضحايا، وكرونولوجيا الأحداث، كما يعرض كذلك بقايا الأسلحة التي كانت مستخدمة في تلك الأيام، وثياب وأغراض من ماتوا أو من نجوا.
المتاحف في سراييفو تستحق أن يزورها من يهتم بالذاكرة وبشاعة الحرب التي جرت فيها، بينما «متحف سجون داعش» اختار سياقاً آخر، أن يذهب بنفسه إلى الراغبين في حفظ الذاكرة، فهو متاح على الإنترنت، ويقدم خدمة ثلاثية الأبعاد، يجول الأمكنة التي طافت فيها داعش، والأمكنة التي عذبت فيها وقتلت فيها الأبرياء من غير رحمة.
كان متحفاً عن الحرب والحرب لا تخضع إلى منطق، بالتالي فإن ذلك المتحف لا يخضع إلى المنطق كذلك، والشيء الثابت فيه أن كل المعروضات تتعلق بالحرب في البوسنة، والحصار الذي تعرضت له سراييفو في التسعينيات. شغفت بذلك المكان لأنني أنا كذلك قضيت سنواتي الأولى من الحياة بين جدران الموت في الجزائر. في سنوات التسعينيات، حيث كانت التفجيرات من الروتين، وأخبار المجازر تأتينا كل يوم، ونحن صغار كنا نفرق بين أنواع السلاح، لكن كبرنا وكبر الآخرون، وبدأت الذاكرة تذبل، ولم يفكر أحد في حفظ ما جرى كي لا تتكرر الأهوال، عكس الحال في سراييفو، التي بقيت أتردد عليها، سواء في شؤون العمل أو استجابة إلى دعوات ثقافية، ولحظت أن متاحف الحرب قد زاد عددها. كان متحفاً واحداً وقد تفرع إلى متاحف، لأن الناس في تلك البلاد مشغولون بحفظ الذاكرة، من أجل الأجيال القادمة، بينما في أمكنة أخرى يجري طمر الذاكرة، بمجرد أن تضع حرب أوزارها. لذلك فإن مشروع «متحف سجون داعش» يبدو مشروعاً أساسياً، في تقريب الصور إلى أذهان من عاش بعيداً عن الأحداث، وكي نفهم أن الضحايا لهم حقوق، والموصل من حقها أن تروي حكايتها للأجيال القادمة، مثلما فعلت سراييفو، وكذلك من اللازم أن نسمع الحكايات المقبلة من الرقة أو حلب، أو أمكنة أخرى شاع فيها الموت تحت بطش داعش.

رسم تعبيري لمعتقلين في سجون داعش (متحف سجون داعش)
الذاكرة بالصورة
المتاحف في سراييفو تستحق أن يزورها من يهتم بالذاكرة وبشاعة الحرب التي جرت فيها، بينما «متحف سجون داعش» اختار سياقاً آخر، أن يذهب بنفسه إلى الراغبين في حفظ الذاكرة، فهو متاح على الإنترنت، ويقدم خدمة ثلاثية الأبعاد، يجول الأمكنة التي طافت فيها داعش، والأمكنة التي عذبت فيها وقتلت فيها الأبرياء من غير رحمة، كما أنه ينوي كذلك أن يتنقل في معارض، في أمكنة كثيرة، بعدما دشن زيارته الأولى من مبنى اليونيسكو في باريس. هذا المشروع الذي يراد منه إحياء ذكرى الضحايا ورفع أصوات الناجيات والناجين، كما أن القائمين على المتحف ينوون تطوير المحتوى، شيئاً فشيئاً، كلما توفرت لهم مواد جنائية جديدة عن المآسي التي اقترفتها داعش. من المحتمل أن داعش قد انتهت، لكن لا شيء يضمن ألا تتكرر نسخة أخرى منها، وألا تتكرر وقائع مثل التي حصلت، وألا يعود التطرف من النافذة، بعدما أوصد الباب في وجهه، لهذا السبب يصير من المهم التجول في هذا المتحف، الذي يقص أفظع القصص كي لا تتكرر، وكي لا تجرف العقول محنة النسيان.

رسم تعبيري لمعتقلين في سجن الأحداث في الموصل (متحف سجون داعش)
الموقع الإلكتروني لمتحف سجوان داعش:
https://www.isisprisons.museum/ar
كاتب جزائري