بغداد ـ «القدس العربي»: دعا الرئيس العراقي، عبد اللطيف جمال رشيد، أمس الجمعة، إلى ميثاق سلام عالمي في الشرق الأوسط، يتضمن الاعتراف بالحقوق التاريخية للشعوب وحق تقرير المصير، وفيما حمّل المجتمع الدولي مسؤولية إنهاء الحرب وإحلال السلام في فلسطين ولبنان، أكد استعداد العراق للقيام بدوره في إحلال السلام في المنطقة، معتبراً أن أمن واستقرار العراق مرتبط بأمن واستقرار الشرق الأوسط.
وذكر في كلمته في مؤتمر «السلام والأمن في الشرق الأوسط» المنعقد في الجامعة الأمريكية في محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق، إن «العراق والمنطقة يمران بوضع يتطلب من جميع الأطراف مراقبة الوضع بدقة وإيجاد الحلول المناسبة للقضايا والمشكلات وإحلال السلام والأمن الدائمين».
وأضاف: «لقد علمتنا تجربة المنطقة أنه من دون الأمن والاستقرار لا يمكن تحقيق التقدم والازدهار. وقد قدم العراقيون الكثير من التضحيات لفترة طويلة في ظل النظام الدكتاتوري، والصراعات الداخلية، والحرب على الإرهاب، وقد استخدمت الأنظمة السابقة العنف والقمع وجعلوهما نهجها الرئيسي في السياسة الداخلية والخارجية».
وأشار إلى أن «بسبب الهجمات الإرهابية التي شنها داعش، وسيطرت بها على مساحة كبيرة من بلادنا استشهد وتشرد وتهجر الكثير من المواطنين. لكن، بفضل شجاعة الشعب العراقي وقدرة الجيش والحشد الشعبي وقوات البيشمركة تجاوزنا هذه المرحلة الصعبة، فمن خلال تضحيات الشهداء وأرواحهم الطاهرة، تم تطهير وتحرير كافة المناطق من أيدي الإرهابيين، وتوفير الأمن والاستقرار للمواطنين».
ووفق الرئيس العراقي، فإن بلاده تعاني من «مشاكل في المجالات الاقتصادية والخدمات والعدالة الاجتماعية والأمن والعلاقات الدولية، ولكن تم اتخاذ خطوات جيدة لحل هذه القضايا» معتبراً في الوقت ذاته إن «منطقتنا مهد لأقدم الحضارات الإنسانية في العالم ومنبع للاختراعات ولتقدم البشرية».
وأضاف: «لقد وصلت الحضارة الإنسانية إلى مستوى متقدم في مجال التكنولوجيا، ونأمل أن يُستثمر هذا التقدم لخدمة الإنسانية وحماية البيئة وليس في خدمة الحرب والدمار» مديناً «الحرب والعنف ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومن واجب المجتمع الدولي إنهاء هذه الحرب وإحلال السلام والأمن حتى تتمكن جميع شعوب المنطقة من العيش معاً بسلام».
وأعرب عن أسفه من أن «المناطق في (فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وليبيا والسودان) تعاني من الحرب والفوضى» آملاً في أن «تستمع دول العالم، وخاصة الدول الكبرى ودول المنطقة بذل جهود جادة لحل هذه القضايا وإنهاء الحروب، وعلى جميع الدول والحكومات والشعوب واجب أخلاقي للعمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، وسيقوم العراق بدوره في هذا الصدد».
حمّل المجتمع الدولي مسؤولية إنهاء الحرب في فلسطين ولبنان
واعتبر أن «خطورة هذه الحرب لا تقتصر على شعوب المنطقة فحسب، بل تشكل تهديداً للحركة التجارية والنقل واستقلال الدول الأخرى». وعلى المستوى العالمي، رأى وجود حاجة إلى «ميثاق عالمي لإحياء السلام في الشرق الأوسط والاعتراف بالحقوق التاريخية للشعوب وحق تقرير مصير هذه المنطقة التي كانت منبعاً للتقدم الإنساني والحضاري والابتكار، ولا يمكن أن تصبح مكاناً للقتل والدمار».
وأشار إلى أن «لا ينبغي أن يستمر هذا الوضع، ويعلم الجميع أن جذور المشاكل عالمية ومرتبطة بالسياسة الدولية، ومن واجب جميع الدول العمل من أجل السلام، والعراق يلعب دوره لأنه يتمتع بعلاقات جيدة وواسعة في المنطقة، لأن أمن واستقرار العراق مرتبط بأمن واستقرار الشرق الأوسط».
في مقابل ذلك، اعتبر رئيس البرلمان محمود المشهداني، ما يجري من أحداث في المنطقة أنه يمهّد الطريق أمام «النكبة الثانية».
وذكر في كلمته في المنتدى، أن، «التحديات التي واجهت الشرق الأوسط، وبضمنه العراق عموما وإقليم كردستان خصوصا، قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 (في إشارة إلى طوفان الأقصى) مختلفة اختلافا مغايرا عنها بعد هذا اليوم».
وزاد: «تغيرت خرائط الأزمات القديمة في الشرق الأوسط، وتحركت براكين الصراعات الخامدة بقواعدها القديمة غير المكتوبة بين المتصارعين، وتناثرت عقود السلام الهش القديم والسلام الجديد برؤى ترامب في ولايته الأولى وبايدن في ولايته وبانتظار ولاية ترامب الثانية، مما شكل ما يمكن أن أسميه باجتهادي السياسي (المجال الحيوي للنكبة الثانية)».
واعتبر أن «التحديات التي تناقشونها يمكن وفق قواعد التحليل السياسي المنهجي الاكاديمي إيجازها في محددات فشل النظام الدولي العالمي الذي تناقشونه، ولا أجاملكم فهو نظام هلامي، لا هو نظام قطبٍ أمريكي، ولا هو نظام أقطاب متعددة متصالحة أو متصارعة، بل هو نظام مأزوم مليء بالصراعات التي لا تحلها القطبية الواحدة ولا الأقطاب المتعددة ولا الأمم المتحدة، بل إن نموذج الشرق الأوسط في تحدياته، وآخرها حربا غزة ولبنان، هو نموذج جعل من كيان صغير محتل قطبا دوليا فاعلا سياسيا، وإن كان مرفوضا مجتمعيا لمحارقه المتكررة منذ 1948 والى 2023 وما بعدها». وأضاف: «النظام الدولي العام الذي تتحاورون وستتحاورون في حدوده ومحدداته أثبت حاجته للإصلاح إصلاحا جذريا يعيد تركيبه بما يتناسب مع عصر يبحث عن السلم فيجد الحرب أمامه؛ لا حرب السلاح فحسب، بل وكما في نماذج تحديات الشرق الأوسط حروبا موازية كعدم التكامل الاقتصادي وغياب التنوع السياسي والاجتماعي وضعف التمكين الاقتصادي والتعليمي والسياسي للشباب في الشرق الأوسط، وعدم وجود آليات لمواجهة التصحر والحرارة والتغيير المناخي في الشرق الأوسط، وأزمات الصراعات المدفونة المؤجلة أو المسكوت عنها، كسد النهضة الذي هو أحد كبريات تحديات الشرق الأوسط القادمة غدا أو بعد غد».
وأشار إلى أن «هذه التحديات أجدها في بعض صورها السقيمة الرديئة متمثلة في إدارة أزمة سيئة من القطب الأمريكي وشريكه الإسرائيلي، وقيادة محاولات سلام للصراعات، من بقية الأقطاب اللاعبة، غير الراغبة باللعب في الشرق الأوسط، وهو ما ينتج عنه استمرارية ديمومة هذه التحديات التي تصيب الناس وديارهم وسط فوضى القتال الذي تحول من صد هجوم إلى انتقام مخطط له بعناية صمت العالم عليه بكل أقطابه». وزاد: «أنا متشائم من إدارة أزمات التحديات التي تواجه الشرق الأوسط من حربي غزة ولبنان، إلى حروب سوريا المتعددة، إلى صراع أمريكا وإسرائيل مع إيران إلى البطالة والمناخ وتذبذب أسعار النفط، وصولا لمنظومة السياسة الشرق أوسطية التي صارت كما يقول هينري كيسنجر في بعض رؤاه حول مثل هذه التحديات: أن الحاضر لا يكرر الماضي تماما، ولكنه ينبغي أن يشبهه حتما، وبالتالي يجب أن يكون المستقبل كذلك».