نقابة وتأمين: أزمة أجور الأطباء في الأردن تفتح جراح «تفكيك الرعاية»

بسام البدارين
حجم الخط
0

أزمة أجور الأطباء تحولت عمليا إلى بالون اختبار لمشروع قديم يتجدد تحت عنوان توقف خدمات الدولة المعنية برعاية المواطنين.

عمان ـ «القدس العربي»: واحدة من الإشكالات والتداعيات التي يثيرها في وجدان الشارع الأردني الجدل المرتبط بأجور الأطباء هي تلك الروابط المعنية بما كان يسمى في أروقة القرار ومن جهة بعض السياسيين المغامرين والليبراليين تحديدا أحيانا بتفكيك دولة الرعاية.

المعنى هنا أن مراقبة منصات التواصل الاجتماعي الأردنية خلال الأسبوعين الماضيين يظهر قلق الرأي العام عموما من نمو السجالات المعنية بالقطاع الصحي بجناحه المتعلق بالقطاع الخاص.
هنا منعت نقابة الأطباء أعضائها من التعامل مع شركات التأمين ما تسبب بجدل ونقاش اضطر وزارة الصحة لاحقا للتدخل.
ورغم أن وزارة الصحة تمكنت من توفير حلول سريعة علما بأنها ليست الجهة المسؤولة عن الأزمة أساسا إلا أن النقاش على المستوى الشعبي كان قد مضى باتجاهات قلقة تستعيد بعض الشعارات الإدارية الغامضة.
أزمة أجور الأطباء تحولت عمليا إلى بالون اختبار لمشروع قديم يتجدد تحت عنوان توقف خدمات الدولة المعنية برعاية المواطنين.
تحدث المعلقون بكثافة عن التعليم والصحة لا بل أن بعضهم اعتبر علنا مثل الصحافي ياسين القيسي وآخرون بأن صمت الدولة عن هذه التراجعات في الخدمات الأساسية للمواطنين يعني انهيار المنظومات الإدارية المعنية بخدمات القطاع العام المهمة. ما يريده المعلقون والمراقبون الآن التوثق من الأسباب التي دفعت الحكومة لتجاهل الأزمة التي تدحرجت بوضوح منذ أكثر من شهر بعنوان أجور الأطباء، حيث انقسام حاد وتنابز بالألقاب ومعركة بيانات بين الاتحاد الذي يمثل شركات التأمين وبين نقابة الأطباء.
بعيدا عن التفاصيل الإجرائية في هذه المسألة بدا واضحا أن مشاعر الأردنيين عموما دخلت في سياق القلق العام من أن يكون ما حصل خلال أسبوعين من إرباك في منظومة التأمين الصحي المعنية بالقطاع الخاص تحديدا مقدمة أو هزة ارتدادية لتقنيات وسيناريوهات تفكيك الرعاية، بمعنى أن السلطة التنفيذية ستتوقف عن دورها في التنظيم بين الأطراف المعنية بالقطاع الخاص ما يجعل المواطن عرضة لانتكاسات وارتفاع أسعار الخدمات الأساسية التي يفترض أن تقدم له برعاية الحكومة.
أزمة أجور الأطباء عموما فيها الكثير من التفاصيل.
لكن ما يبدو عليه الأمر أنه لا علاقة لوزارة الصحة بالمسألة وأن الإجراء صدر بناء على توجيهات قضت بالاستجابة لمطلب نقابة الأطباء من جهة رئاسة الوزراء في زيادة أجورهم ونشر الأجور الجديدة في الجريدة الرسمية، الأمر الذي اعترضت عليه شركات التأمين بسبب وجود أجور جديدة في منتصف العام ما يلحق ضررا بتعاقداتها التأمينية.
طبعا تبادل قطاع التأمين مع نقابة الأطباء سلسلة من بيانات الاتهام وإن كان جذر الإشكالية برز في ظل سعي مكتب رئيس الحكومة الدكتور جعفر حسان لـ«مجاملة النقابات المهنية» في إطار إظهار الرغبة في الانفتاح عليها.
الأطباء يتحدثون عن ضرورة إنصافهم بعد ارتفاع مستوى التضخم وسعي الرئاسة لتلك المجاملات نتج عنه غفلة إدارية انتهت بأزمة طرح بسببها الشارع تساؤلات أبعد من الملف الصحي ومسألة الأجور، خصوصا وأن الرواتب في القطاعين العام والخاص لم ترتفع ومنذ سنوات فيما تزداد نسبة التضخم.
بكل حال نهج الحكومة التكنوقراطي المتوقع عموما يميل أصلا لسيناريو تخفيف أعباء الدولة في ملف الخدمات والرعاية والحرص على وجود بنية تشجيعية تفاعلية تشرك القطاع الخاص في إدارة الكثير من الملفات.
ما يبدو عليه الأمر أن تخلي الحكومة عن الإشراف المباشر في بعض الملفات مثل الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء، مساحة ينبغي أن تدرس بعناية في ظل مجتمع لا يزال غير جاهز بقطاعيه العام والخاص، خلافا لأن أطماع القطاع التجاري من الأطباء يمكن أن يكون لها دور في الضغط من أجل رفع أجورهم.
بطبيعة الحال قد لا تكون المسألة مرتبطة تماما بما بدأ يشعر به الرأي العام بعنوان تفكيك دولة الرعاية والبداية من قطاع التأمين الصحي الخاص، لكن الوصول إلى مثل هذه الاستنتاجات المتسرعة فيما يبدو سببه المباشر وجذره هو صمت الحكومة وترك إدارة ملف في غاية الأهمية مثل العلاج في القطاعات الخاصة للموظفين في الشركات والمؤسسات التجارية والاقتصادية والسياحية والاستثمارية لعلاقة ما توترت ما بين اتحاد التأمين ونقابة الأطباء فيما الحكومة كانت بالعادة هي المسيطرة وهي المنظم للعلاقات بين مؤسسات من هذا الصنف.
بكل حال يخدش جدل أجور الأطباء وما نتج عنه الكثير من المسائل التي كانت بالعادة مقدسة في ذهن الأردنيين.
والأهم أن المواطن بصفة عامة لا يهتم كثيرا بطبيعة الخلاف أو بشعور الأطباء بالانصاف في أجورهم أو بطموحات وأطماع شركات التأمين، بقدر ما يهتم بان لا تتخذ إجراءات تعود بذكريات حزينة في وقت حرج تماما إلى القرع على طبول تفكيك خدمات الرعاية التي تقوم بها الدولة.
الإشكال الأبرز في التداعي السلبي هنا هو أن الرأي العام يمكنه أن يتبنى الرواية التي تقول بأن الحكومة الجديدة الحالية تميل إلى التفكيك لكن بدون الاستعداد سياسيا وتشريعيا وعمليا له.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية