رام الله ـ «القدس العربي»: حملت أخبار نهاية الأسبوع أنباء سارة للفلسطينيين ولكل المؤمنين بقيم العدالة ومحاكمة المجرمين، وهي نقيض الأخبار التي طغت على المزاج العام للفلسطينيين في الأسبوع الذي سبقه، حيث كانت أخبار ضم الغربية وانتشاء المشروع التهويدي للضفة الغربية مع توالي التعينات في الإدارة الأمريكية المقبلة، وكلها عكست مجموعة من التحديات الكبيرة والتي لا حصر لها التي من المتوقع أن تواجهها القضية الفلسطينية.
زهو قانوني كبير سيطر على المزاج العام والبيئة الحقوقية، رحبت دولة فلسطين بقرار المحكمة الجنائية الدولية في إصدار أوامر اعتقال بحق كل من رئيس وزراء سلطة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وشددت على أن قرار المحكمة الجنائية الدولية، يعيد الأمل والثقة في القانون الدولي ومؤسساته، وفي أهمية العدالة والمساءلة وملاحقة مجرمي الحرب.
البعض وصف المسألة بزلزال عالمي بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد نتنياهو وغالانت بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وكانت المحكمة قد اتهمهما باستخدام التجويع كوسيلة حرب وارتكاب جرائم قتل واضطهاد وأفعال لا إنسانية.
يخبرنا ملخص للخطوات المهمة وصولا إلى قرار المحكمة أن هناك مسارا طويلا حتى وصلنا إلى هذا الزلزال العالمي، يمكن هنا إيجاز هذا المسار:
في1 كانون الثاني/يناير 2015: قدمت دولة فلسطين إعلانًا بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 13 حزيران/يونيو 2014، وفي 2 كانون الثاني/يناير 2015: انضمت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي بإيداع صك الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة. وفي 1 نيسان/بريل 2015: دخل نظام روما الأساسي حيز التنفيذ بالنسبة لدولة فلسطين وبتاريخ 16 كانون الثاني/يناير 2015: أعلن المدعي العام فتح فحص أولي للوضع في فلسطين لتحديد ما إذا كانت معايير فتح تحقيق مستوفاة.
وبتاريخ 22 ايار/مايو 2018: أحالت دولة فلسطين الوضع منذ 13 حزيران/يونيو 2014 إلى المدعي العام وفقًا للمادتين 13(أ) و14 من نظام روما الأساسي، وبعد نحو عام وتحديدا 20 كانون الأول/ديسمبر 2019: أعلن المدعي العام استيفاء جميع معايير فتح تحقيق، وطلب من الدائرة التمهيدية الأولى توضيح النطاق الإقليمي لاختصاص المحكمة.
28بتاريخ كانون الثاني/يناير 2020: أصدرت الدائرة التمهيدية الأولى أمرًا بجدولة الإجراءات المتعلقة بتوضيح اختصاص المحكمة، وبعدها بعام أي في3 اذار/مارس 2021: أعلن المدعي العام فتح تحقيق بعد قرار الدائرة التمهيدية الأولى بأن اختصاص المحكمة يشمل غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
بعد أكثر من عامين أي بتاريخ 17 تشرين الثاني نوفمبر 2023: تلقت المحكمة إحالة إضافية من دول مثل جنوب أفريقيا وبنغلاديش وغيرها، تغطي التصعيد الأخير منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 وفي18 كانون الثاني/يناير 2024: قدمت تشيلي والمكسيك إحالة إضافية بشأن الوضع في فلسطين. وبتاريخ ايار/ 20 مايو 2024: قدم المدعي العام طلبات إصدار مذكرات توقيف وبعد فترة قصيرة أي بتاريخ21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024: أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق محمد ضيف قائد كتائب القسام لجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، -ـ ـوبتاريخ21 تشرين الثاني/نوفمبر 2024: أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال تصعيد أكتوبر 2023.
يعلق المحامي الدكتور عصام عابدين على قرار المحكمة بإنه جاء بعد مرور ستة أشهر كاملة على إعلان المدعي العام للمحكمة كريم خان، ويرى أن الواضح من تتبع أوامر الاعتقال الصادرة عن الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة أن استجابتها للتهم الجنائية التي وردت في طلبات المدعي العام خان في الدعوى الجنائية ضد نتنياهو وغالانت قد (تقلَّصت) إلى جرائم «التجويع» و «استهداف المدنيين» كجرائم حرب إلى جانب جرائم القتل والاضطهاد وأفعال لا إنسانية ذات طابع مماثل كصور من الجرائم ضد الإنسانية. وفي المقابل، فقد حافظت التُهم الموجهة لمحمد الضيف على زخمها والتي تتمثل في الإبادة كجريمة ضد الإنسانية وهي تختلف عن جريمة الإبادة الجماعية والقتل كجريمة ضد الإنسانية، وجريمة الإغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي كجرائم ضد الإنسانية، أي بمعنى أنها قد ارتُكبت على نحو واسع النطاق أو ممنهج، علاوة على جرائم الحرب المتمثلة في جرائم القتل والتعذيب وسوء المعاملة واحتجاز الرهائن والاعتداء على الكرامة الشخصية والاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي.
مع الأخذ بالاعتبار؛ أن المدعي العام للمحكمة كان قد تقدَّم أساساً بطلبات للدائرة التمهيدية الأولى في 2024/5/20 لإصدار أوامر قبض ضد قادة فلسطينيين «بثمانية جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب» بناءً على أدلة اتهام لديه منذ السابع من أكتوبر 2023 في مقابل «سبع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية» ضد مسؤولين إسرائيليين تقلَّصت مع قرار الدائرة التمهيدية الأولى.
وشدد أنه «لا يبدو أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، مُقتنع حتى الآن بوجود أدلة كافية لإثبات تورط قادة ومسؤولي الاحتلال الإسرائيلي السياسيين والعسكريين، بما يشمل نتنياهو وغالانت، في ارتكاب جرائم إبادة جماعية (Genocide) بعد أكثر من عام على الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، خصوصاً في شمال القطاع، والتي تتجسد في صورها الأربع الواردة في المادة (6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وأركانها المحددة في وثيقة أركان الجرائم (ICC-ASP/1/3) لدى المحكمة. ولا يبدو أنه مقتنع بوجود أدلة على وقوع جرائم التهجير القسري «المتكررة» التي طالت نحو «2 مليون إنسان» في قطاع غزة وتقع في صدارة الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت بشكل واسع النطاق وممنهج منذ بداية العدوان. ولا يبدو أن خان مقتنع بوجود أدلة على ارتكاب جرائم التعذيب والاحتجاز التعسفي الذي طال أكثر من «15 ألف» أسير ومعتقل فلسطيني في سجون ومعسكرات الاحتلال علاوة على جرائم الاختفاء القسري التي تُصنّف كجرائم ضد الإنسانية. وبالمثل، لا يبدو أن كريم خان مقتنع بارتكاب جرائم «الاضطهاد» و«الأبارتهايد» رغم تجذرها العميق وأشكالها واسعة النطاق (الهائلة) في الأرض الفلسطينية المحتلة.
ويرى أنه وفي المقابل، فإنَّ المدعي العام كريم خان ومعه الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة مقتنعون بوجود أدلة كافية على ارتكاب قيادات فلسطينية جرائم «اغتصاب» بل وتكييفها على أنها «جرائم ضد الإنسانية» أي أنها ارتُكبت على نحو واسع النطاق وممنهج.
ويقر عابدين بإنه «لا يختلف أحد على حجم الضغوطات التي مُورست على كريم خان، والضغوطات التي تعرض لها قضاة الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة، ليس فقط من إسرائيل والولايات المتحدة عبر النفوذ السياسي والدبلوماسي الواسع، وإنما أيضاً من دول أوروبية تُعد من أكبر المساهمين الماليين الداعمين للمحكمة الجنائية الدولية وميزانيتها السنوية؛ وأبرزها ألمانيا وبريطانيا وهولندا وفرنسا والسويد.
ورغم كل ذلك لا يقلل المحامي والأكاديمي عابدين من الأهمية الرمزية لأوامر القبض ضد كل من بنيامين نتنياهو وغالانت من الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت في قطاع غزة (غيتو غزة) في خِضم أزمة العدالة الدولية بعد ما يزيد على عام كامل من الإبادة الجماعية المستمرة داخل غيتو غزة. وإنْ كانت الإدانة تحتاج سنوات طويلة من اعتماد للتهم وإجراءات محاكمة وطعونات وصولاً للإدانة.
ويختم عابدين أن السؤال هو: هل أوامر القبض الدولية جاءت في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية المستمرة أم مواجهة شخص نتنياهو؟
مسارات للعمل والتحرك
ويؤطر إحسان عادل – رئيس منظمة القانون من أجل فلسطين (مقرها المملكة المتحدة) مذكرات الاعتقال التي صدرت ضمن 3 محددات، الأول أنها «بلا شك، تعكس لحظة انتصار، اجتهدت إسرائيل وحلفاؤها من أجل عدم الوصول لها كثيرا، من التهديدات وفرض العقوبات على المحكمة، وقبلها على السلطة، وقيام الدول الداعمة لإسرائيل داخل المحكمة، كألمانيا وكندا وغيرها، بكل جهد ممكن عبر إثارة إشكاليات قانونية أمام المحكمة لمنعها من إصدار المذكرات. واليوم، أخيرا صدرت».
أما المحدد الثاني بحسب عادل، »لقد استغرق الأمر عقودًا من الدماء والدمار والدموع الفلسطينية للوصول إلى هنا، ومن المؤسف أن الأمر سيستغرق وقتًا أطول بكثير حتى نتمكن من الوصول إلى التحرير، لكننا نتقدم. هذا يوم للعدالة نفرح به كفلسطينيين، لأننا أخذناه بالدم والتضحيات وبالجرائم المهولة التي عانينا ونعاني منها. دور منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والمناصرين لفلسطين من كل أنحاء العالم يجب أن يثني عليه من خلال العمل الدؤوب في أروقة المحكمة لتقديم الحجج والأدلة ودحض الحجج الإسرائيلية لإعاقة عمل المحكمة».
أما المحدد الثالث فهو مرتبط بأهم ما يعنيه هذا القرار أن نتنياهو وغالانت الآن، رسميا، مطلوبان للعدالة الدولية، ويجب أن يتم اعتقالهما فورا بمجرد وصولهم لأي دولة من الدول الـ124 الأعضاء في المحكمة، وهذا يشمل كثيرا من الدول الحليفة لإسرائيل، كألمانيا وكندا وبريطانيا وأستراليا وغيرها.
وحول كيف يفترض أن يتم التحرك (فلسطينيا وعربيا) لضمان ألا يمكن التهرب من طلب الاعتقال يرى عادل في حديث لـ«القدس العربي» أن هناك 3 مسارات ينبغي العمل عليها بالتوازي، الأول، إن الطريقة الوحيدة قانونيا بالنسبة لإسرائيل لمجابهة مذكرات الاعتقال في الوقت الحالي هو فقط استنادا إلى مبدأ التكامل، والذي يعني أن على إسرائيل أن تقوم بفتح تحقيق مع كل من نتنياهو وغالانت وبنفس التهم التي وجهتها لهما المحكمة أو قريبا منها (ويشمل ذلك تجويع سكان غزة والقتل والاضطهاد وتعمد توجيه هجمات للمدنيين). إذا فعلت إسرائيل ذلك، عندها يمكن لها التوجه للمحكمة وأن تطلب منها إلغاء مذكرات الاعتقال لأنها هي «تقوم بالواجب». هذا هو الطريق القانوني الوحيد لإلغاء مذكرات الاعتقال الآن. وبالطبع، كما تعرف، من غير المتصور أن إسرائيل سوف تفعل ذلك وتقوم بالتحقيق. لكن لو فرضنا حصل ذلك، فكما نعلم، سوف يكون الأمر شكليا فقط. والمطلوب هنا من المستوى الرسمي والحقوقي الفلسطيني تقديم ما يلزم من بينات أمام المحكمة لإثبات أن الأمر لا يعدو كونه شكليا وأن المنظومة القضائية الإسرائيلية أساسا متواطئة في حالة الاحتلال وهي إحدى أدواته.
أما المسار الثاني، فيرتبط بالضغوط المرافقة، فيرى عادل أن المذكرات غالبا ما ستجلب معها ضغطا وعقوبات وإجراءات ضد السلطة، والمنظمات الحقوقية، وضد الدول الداعمة لمسار فلسطين في المحكمة، وغالبا أيضا ضد المحكمة نفسها، لا سيما مع قدوم إدارة ترامب التي فعلت ذلك سابقا وبمجرد أن فتحت المحكمة تحقيقا في الجرائم في فلسطين. المطلوب فلسطينيا على المستوى الشعبي ومن الدول العربية على المستوى الرسمي هو تشكيل موقف موحد وداعم وقوي وصادق لمجابهة ذلك وتخفيف آثاره. والمطلوب من السلطة هو العمل مع كل الدول الصديقة في العالم لتشكيل تحالف عالمي داعم للمحكمة ولمسار العدالة فيها، لمجابهة الضغوط التي لن تكون سهلة بالمرة.
أما المسار الثالث، فهو يرتبط بالمطلوب منا فعله، وهو وفق الخبير القانوني عادل: «عدم الوقوف هنا والتقدم إلى الأمام خطوات. بمعنى، مذكرات الاعتقال المذكورة، من حيث الشخوص، تشمل فقط نتنياهو وغالانت، ومن حيث الجرائم، لا تشمل كثيرا من الجرائم الأخرى بحق الشعب الفلسطيني، كالتهجير القسري، والتعذيب، والفصل العنصري، والاعتداءات الجنسية، والاستيطان، وغيرها. وبالتالي المطلوب الاستمرار في هذا الطريق وتعزيز تقديم الملفات أمام المحكمة من أجل توسيع مذكرات الاعتقال، سواء من حيث الأشخاص في المستوى الرسمي الإسرائيلي الذين اقترفوا الجرائم، أو من حيث نطاق وموضوع هذه الجرائم».
ويشدد القانوني عادل أنه لا شك أن الأمر زلزال حقوقي دولي. «دعنا نتذكر، أنه ومنذ أن بدأ هذا الاحتلال، ومنذ النكبة عام 1948 أي منذ 76 عاما، لم يحدث على الإطلاق أن تم محاسبة مسؤول إسرائيلي واحد أو توجيه تهمة واحدة من أي محكمة محلية أو عالمية لأي مسؤول إسرائيلي عن ارتكاب أي جريمة بحق الشعب الفلسطيني. هذا القرار كسر خطير لهذه الدائرة الطويلة من الإفلات من العقاب، وأن يطال رأس الدولة، له معنى كبير من حيث أنها سياسة دولة، وسوف يخلده العالم الآن كمجرم حرب، وهو كذلك».
ويختم: «لكن، يجب أن نتذكر أن هذه اللحظة الفارقة صيغت أولا بالدم والتضحيات والدموع التي سالت على مدار عمر الشعب الفلسطيني ومظلوميته، التي ما زالت مستمر وبأبشع الصور اليوم. ثم إنها صيغت بفضل عمل دؤوب سواء من الفلسطينيين أو من الحقوقيين والمنظمات الحقوقية الداعمة لهم في العالم، وهذا العمل واجه عقبات وتحديات جمة، ودفع أثمانا باهظة من الملاحقة والتهديد والعقوبات والإخراج عن القانون وغير ذلك. وأعتقد أن الرسالة الأساسية المهمة هنا هي أهمية العمل الاحترافي المبني على الخبرة والصبر والاستمرار، وأهمية أن يكون هناك احتضان أكبر لهذا العمل على المستوى الشعبي وكذلك الرسمي».