لندن ـ «القدس العربي»: انتهت دراسة علمية حديثة إلى إطلاق تحذير صادم ومرعب مفاده أن كوكب الأرض قد يفقد أكثر من نصف أنهاره الجليدية خلال عقود قليلة من اليوم، وهو ما يُشكل كارثة بيئية حتمية قد تهدد الحياة والكثير من الأنواع الطبيعية على سطح الأرض.
وتعتبر الأنهار الجليدية واحدة من أكثر السمات الطبيعية قيمة على كوكبنا، حيث تعكس هذه الأنهار الجليدية بطيئة الحركة، والتي يبلغ عمرها آلاف السنين، أشعة الشمس إلى الفضاء وتخزن المياه العذبة القيمة.
ونقلت جريدة «دايلي ميل» البريطانية، في تقرير لها اطلعت عليه «القدس العربي» عن دراسة جديدة تحذيرها من أن أكثر من نصف الأنهار الجليدية في العالم قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن بسبب تغير المناخ.
وتوقع علماء من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ وجامعة بروكسل الحرة في بلجيكا فقدان الأنهار الجليدية في ظل سيناريوهات مختلفة لانبعاثات الكربون.
وأخذت الدراسة الجديدة في الاعتبار جميع الأنهار الجليدية في العالم، وتبلغ حوالي 200 ألف نهر في المجموع.
وفي ظل سيناريو الانبعاثات العالية، قد يختفي ما يصل إلى 54 في المئة من جميع الأنهار الجليدية، في حين أن هذا الرقم في جبال الألب قد يكون أقرب إلى 75 في المئة.
وعبر جبال الألب، توفر الأنهار الجليدية المرتفعة في الجبال فرصة التزلج على مدار العام لقضاء العطلات، ولكن تغير المناخ يغير هذا. ويأتي ذلك بعد أن اضطرت إيطاليا وسويسرا إلى إعادة رسم حدودهما بسبب ذوبان الأنهار الجليدية.
وقال البروفيسور هاري زيكولاري، عالم الجليد بجامعة فريجي في بروكسل: «الأنهار الجليدية مهمة في العديد من أجزاء العالم، وعلى هذا النحو، تؤثر تغييرات الأنهار الجليدية بشكل مباشر على مجتمعنا والبيئة الطبيعية».
ونقلت «دايلي ميل» عن زيكولاري قوله: «على المستوى المحلي، يمكن أن تؤدي الأنهار الجليدية إلى مخاطر طبيعية، ولها قيمة سياحية مهمة، وتحدد إمدادات المياه المحلية».
ومن بين المخاوف الرئيسية تأثير ذوبان الأنهار الجليدية على ارتفاع مستويات سطح البحر، ما يزيد بدوره من خطر فيضانات المدن والبلدات، وخاصة تلك القريبة من الساحل.
كما يؤدي فقدان الأنهار الجليدية إلى استنزاف موارد المياه العذبة التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص للحصول على مياه الشرب.
وقال البروفيسور زيكولاري «إن إمدادات المياه من الأنهار الجليدية (وكيف تتغير هذه الإمدادات) ستؤثر على التنوع البيولوجي وتوافر المياه للصناعة والزراعة والأسر».
ويقول العلماء إن هذا يعني أيضاً أن الأرض تتحول من اللون الأبيض اللامع إلى اللون الأخضر الباهت، ما يقلل من «انعكاس» الكوكب، أي من قدرته على عكس ضوء الشمس. وبدلاً من الجليد الأبيض شديد الانعكاس، فإن النبات والصخور المكشوفة لها انعكاس أقل، ما يعني أنها تمتص المزيد من الطاقة من الشمس بدلاً من انعكاسها. وهذا يزيد فقط من خطر ارتفاع درجة حرارة الأرض، ما يؤدي إلى تفاقم تغير المناخ، والذي يصفه العلماء بأنه «تأثير جامح».
ومنذ الثورة الصناعية، أدت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. ونتيجة لذلك، كانت معظم الأنهار الجليدية في العالم تذوب وتتقلص بسرعة -أو تختفي تماماً- مع ارتفاع درجة حرارة المناخ. وللتنبؤ بفقدان الأنهار الجليدية في المستقبل، نظر الباحثون في كتل الأنهار الجليدية التاريخية وانبعاثات الكربون وبيانات درجات الحرارة.
وباستخدام النمذجة الحاسوبية، تمكنوا من التنبؤ بكيفية استمرار الأنهار الجليدية في فقدان كتلتها استجابة لتغير المناخ.
وقال البروفيسور زيكولاري: «من خلال نمذجة تطور الأنهار الجليدية طوال القرن الحادي والعشرين في ظل سيناريوهات مناخية مختلفة، وجدنا اختلافات صارخة في النتائج اعتمادًا على مستويات الانبعاثات المستقبلية».
وفي سيناريو متفائل لانبعاثات الكربون المنخفضة، ستفقد الأنهار الجليدية ما بين 25 إلى 29 في المئة من كتلتها بحلول عام 2100 وفقاً لما توصل إليه الفريق. ومع ذلك، في سيناريو الانبعاثات العالية، يرتفع هذا الرقم إلى ما بين 46 في المئة و54 في المئة.
وستختلف خسارة الأنهار الجليدية بشكل كبير حسب المنطقة، لكن تلك الموجودة في جبال الألب الأوروبية هي من بين الأكثر عرضة للخطر، وفقاً للدراسة.
وتشير توقعات الفريق إلى أن الأنهار الجليدية في جبال الألب الأوروبية ستشهد خسارة في الحجم تزيد عن 75 في المئة في سيناريوهات الانبعاثات العالية.
ومن المتوقع أن تحتفظ المناطق القطبية مثل القطب الشمالي الكندي وأيسلندا وسفالبارد بجزء أكبر من كتلتها الجليدية حتى نهاية القرن، ولكنها ستواجه أيضاً خسارة كبيرة.
وفي ورقتهم البحثية حذر الفريق العلمي من أنه لا يزال هناك «عدم يقين في تطور الأنهار الجليدية المتوقع». وأضافوا: «وعلى الرغم من بعض الاختلافات على المستوى الإقليمي والحساسية الأكثر وضوحاً قليلاً للظروف المناخية المتغيرة، فإن نتائجنا تتفق جيداً مع التوقعات الأخيرة» كما يقولون.
وتابعت الورقة البحثية: «إن التنبؤ بالتطور العالمي للأنهار الجليدية أمر بالغ الأهمية لقياس ارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل والتغيرات في الأنهار التي تغذيها الأنهار الجليدية».
كما أكد العلماء أن الدراسة نظرت على وجه التحديد في الأنهار الجليدية، وليس الصفائح الجليدية، حيث إن الصفائح الجليدية عبارة عن كتل من الجليد تمتد لأكثر من 19 ألف ميل مربع (50 ألف كيلومتر مربع). وهناك صفيحتان جليديتان على الأرض، الصفيحة الجليدية في غرينلاند والصفيحة الجليدية في أنتاركتيكا، وتحتويان معاً على حوالي 99 في المئة من المياه العذبة على الأرض.
وقال البروفيسور زيكولاري: «بينما تحتوي الصفائح الجليدية على كتلة أكبر بكثير بالفعل، فإنها تتفاعل على نطاقات زمنية أطول». وأضاف: «ونتيجة لهذا، فإن مساهمتها في ارتفاع مستوى سطح البحر تساوي تقريباً (أو حتى أقل قليلاً) مساهمات 200 ألف نهر جليدي».
وتابع: «لذا فإن الصفائح الجليدية مهمة للغاية، وخاصة على المدى الأبعد (بعد عام 2100) ولكن نمذجتها يقوم بها باحثون آخرون.. بالنسبة لنا، من الأهمية بمكان أن يتم الجمع بين جميع الأرقام التي نجمعها نحن والباحثين الآخرين للحصول على صورة كاملة لارتفاع مستوى سطح البحر».