رواية «المنحطّ»: أما وقد سُمح للمتحرّش بقول كلّ شيء!

حجم الخط
0

من السجن يروي العجوز السبعيني، «المنحط»، سيرته وفلسفته ودفوعه القانونية تجاه القضاء. كان قد رُمي بأكثر التهم بشاعة، تلك التي لن يجرؤ متّهم بها على الدفاع عن نفسه. إنه منحطّ وكفى. يوافق الجميع على ما يقوله الجميع من أن المتحرّش عليه أن يبقى صامتا وراضخا للاحتجاجات والإهانات التي تنهال عليه من كل مكان. ومن كانوا جيرانه هرعوا إلى بيته وأخرجوا كل ما فيه، بعد تحطيمه وتمزيقه، كما عمدوا إلى حرق ما لم يزل منه على حاله. اندفعوا إلى ذلك بما يشبه ردّ الفعل العام، الشبيه بما كان يجري سابقا من قتل الأرواح الشريرة وحرقها، وذلك بضرب من الانتقام الجماعي الذي لن ينتظر ما ستفضي إليه التحقيقات.
أما هو، المنحطّ، فيبدأ اعترافاته متخطّيا الحجْر على الكلام الذي فُرض عليه، حتى ممن هم معه في السجن. لكنه لا يجد بدّا من رفع يده مستئذنا: «إن سُمح لي بأن أتكلّم، إن كان ذلك ممكنا، فسأنطلق إلى المنصّة داعيا إلى التخفيف من النظر إلى المغتصب على أنه وحش». ثم لماذا يمثّل المجرمون والمحتالون الماليّون نخبة المجتمع، بينما يُعدّ المغتصب، ومغتصب الأطفال على نحو خاص، مجرما أو منحطا. ذاك القانون ينبغي الانقضاض عليه والانتقام منه ومن واضعيه، واستبداله من ثم بعدالة أخرى حقيقية هذه المرّة: «نحن السجناء نطبّق قانوننا، حكْمَنا، لا بوصفه انتقاما، بل تطبيقا للعدالة».
ليست ثورة قائمة على السخط، بل هي طريق لعقلنة السلوك البشري، تماما حسبما يدعو إليه الثوريون الساعون إلى إعادة تنظيم العالم. هذا ما يقوله المتحرّش المنحطّ. أما إن كان عليه اللجوء إلى القوّة، فسيكون دافعه إلى ذلك الذود عن الجمهورية والديمقراطية المهانة، وإحقاقا للحقّ في تبرئة المجرم وتجريم البريء. لماذا يلقى في السجن رجل لمس ساق فتاة؟ أما أكثر ما يرتكبه هذا الذي تسمّونه المتحرّش فهو إبقاء رغبته في داخله، مسببة له التقلّصات الموجعة. «ولا أقول شيئا أمام الجيران، بل أفكّر فيها (الفتاة) فحسب. «أداعبهم وأنا بملابسي، فذلك هو ما بقي لنا: الاستمناء داخليا».
وها هو يفصح، بشهادة منحرف، تفضيله الصغار على الكبار، ينظر إليهم كما ينظر الرجل إلى عارضة أزياء. أما مأساة مشتهي الأطفال، كما يقول، فكون ذلك الحب يدوم سنتين فقط، من عمر الثانية عشرة حتى الرابعة عشرة: «ففي يوم من الأيام، يخوننا الطفل ويتأهّل وينضج».
كاتبة الرواية الأرجنتينية أريانا هارويكز، ابتكرت سيرة تجري على لسان متحرش سبعيني «نازعة عنه الصور النمطية والمبتذلة»، كما يرد في أول سطور التعريف بلكتاب. وقد أوغلت الكاتبة في الحلول داخل عقل «بطلها»، مسجونا ومرذولا من البشر، وجعلته ينطق بما يراه بديهيا وحقيقيا وعادلا. وهو يتكلم من دون ضوابط ولا محاذير، خارجا من الصمت الذي يلوذ به من هم مثْله، بل إنه يقترب من أن يُقنع قارئ سيرته بأن لا شيء شاذا وإجراميا في ميوله.
ولا يقتصر ما يقوله، أو ما يشهد به، على مرافعة يقوم بها أمام القاضي، الذي سبق أن مثُل أمامه مرّات متفرّقة، على أن ينتهي ذلك بيوم المحاكمة الأخير، الذي سيعاد في نهايته إلى السجن أو يُعلّق على المشنقة. لا تقتصر السيرة على جلسات ومرافعات، بل هي سيرة حياة بدأت من الطفولة، بل ما قبل الولادة كما يجري على لسان المنحطّ عند تذكّر أمّه. يوميات السجن حاضرة أيضا بمن فيها من محتجزين يبدون عقلاء مقارنة بما يصف به نفسه. ومع ذلك لا حدّ للتطرّف الذي لم تهدّئه الكاتبة أو تلجمه. لقد تركت للراوي أن يستنفد كل ما في اللغة من جموح لتساعده في التعبير عن نبذه، وفي الآن نفسه، عن عصيانه. ثم ذاك التدفّق في الكلام، ذاك الذي لا يتوقّف لالتقاط الأنفاس. كأن الرواية التي لم تتقسّم فصولا وأبوابا تجري في هذيان متصل، ينتقل من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل من دون فواصل وإشارات تدلّ على الانتقال، كما يتراوح السرد، الجاري دائما على لسان الراوي، بين ضمير المتكلّم وضمير الآخر. وأيضا ذلك التداخل بين الشتيمة والشاعرية، إلخ.
لكن، يتساءل قارئ الكتاب، ماذا دعا الروائية إلى أن تغوص في ثنايا ذلك الوعي المتخبّط لرجل فيما هي امرأة، ولرجل مسنّ فيما هي ما تزال لم تغادر العمر المتوسّط، تاركة ذلك المتحرّش المنحط يسرد كل مرافعته من دون مقاطعة من أحد.

*»المنحطّ» لأريانا هارويكز نقلها إلى العربية بسام الزّاز لدار المدى في93 صفحة لسنة 2024

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية