القاهرة – «القدس العربي» : بين أنقاض غزة المثقلة بالحرب والجراح، وفي ظل المجازر التي ترتكبها آلة الحرب الإسرائيلية، يقف الفنان الفلسطيني شاهداً ومقاوماً. فالإبداع في غزة اليوم لم يعد مجرد فعل ثقافي، بل تحول إلى رسالة بقاء ومقاومة تواجه المجازر اليومية التي يتعرض لها السكان، وتفضح حصاراً يمتد على أكثر من عقد ونصف.
وسط هذه الكارثة الإنسانية، ينبثق مشروع «بينالي غزة» ليكون صرخة فنية تخترق القيود وتصدح بمعاناة الفلسطينيين للعالم، حيث أعلن فنانون من قطاع غزة عن نيتهم إطلاق مشروع فني يحمل اسم «بينالي غزة»، يُعد بمثابة رد إبداعي على العدوان العسكري الإسرائيلي المتواصل. يسعى المشروع، الذي يهدف إلى كسر الحصار الثقافي المفروض على القطاع، إلى تقديم أعمال فنية داخل غزة وعرضها دولياً رغم كل العقبات التي يفرضها الحصار والحرب.
ويشارك في «بينالي غزة» أكثر من 40 فناناً، متحدين الظروف القاهرة التي تحاصر حياتهم اليومية. ويؤكد الفنانون أن المشروع يعكس إصرار الفلسطينيين على التعبير عن هويتهم الفنية والوطنية، وأن الفن في غزة ليس مجرد ترف، بل وسيلة مقاومة تخترق حدود الحصار. يخطط الفنانون لعرض أعمالهم داخل القطاع المحاصر، مع البحث عن قاعات عرض دولية تستضيف معارضهم في مختلف أنحاء العالم. إلا أن العقبة الكبرى تكمن في نقل هذه الأعمال الفنية، إذ يمنع الحصار الإسرائيلي معظم محاولات الوصول إلى الساحة العالمية. ورغم هذه القيود، تمكن حوالي ربع الفنانين المشاركين من العبور إلى مصر خلال الحرب، ما يفتح نافذة صغيرة أمام المشروع.
أما الفنانون الذين بقوا داخل القطاع، فيسعون لإيجاد حلول بديلة، منها إرسال أعمالهم مع عمال الإغاثة الذين يُسمح لهم أحياناً بعبور الحدود، أو عرضها عبر الإنترنت من خلال الصور ومقاطع الفيديو. وفي مبادرة أخرى، يتعاون بعض الفنانين مع نظرائهم في الضفة الغربية لإعادة إنتاج أعمالهم عن بعد.
من قلب منطقة الحرب، حيث يُهدد الموت كل لحظة، يعمل الفنانون على إبداع أعمالهم في ظروف استثنائية. يقول أحد رواد المبادرة، وهو فنان يبلغ من العمر 26 عاماً من خان يونس، لصحيفة «الغارديان» البريطانية: «في العالم، يُطلق على أكبر الفعاليات الفنية اسم البيناليات، وهي تستضيف أهم الفنانين للتعبير عن قضايا العالم. أما هنا، فأهم الفنانين الآن هم فنانو غزة، لأنهم يصنعون الفن وسط الدمار».
يضيف الفنانون أن كلمة «بينالي»، التي تعني بالإيطالية «معرضاً يُقام كل عامين»، تحمل رمزية تتجاوز معناها التقليدي؛ فهي تمثل مرونة غزة وصمود مجتمعها الفني في وجه المحن، ليؤكدوا أن غزة ستظل مبدعة، مهما اشتدت الظروف.
ووصف الفنانون هذا الحدث بـ»الاستثنائي والعاجل»، مؤكدين أنه يمثل خروجا عن الأطر التقليدية للمعارض الفنية. وقالوا في بيانهم: «البينالي يعكس نضال شعب من أجل البقاء، ويرمز إلى صمود الفلسطينيين في وجه محاولات الطمس الثقافي».
الفنانة رفيدة سحويل، ذات الـ17 عاماً، التي خسرت مكتبة تضم ما يقرب من ألف كتاب عندما قصف الجيش الإسرائيلي منزلها العام الماضي، ترى أن «بينالي غزة» هو عمل مقاومة يثبت استمرار الحياة.
تقول: «إن الاستمرار في إبداع الفن في خضم الحرب والقمع ليس مجرد عمل إبداعي، بل هو فعل مقاومة وبقاء في حد ذاته».
وأضافت: «بينما تسعى إسرائيل إلى محو الحياة والثقافة في غزة، فإن استمراري في الفن يُظهر أن الحياة مستمرة، وأن الهوية الفلسطينية لا يمكن أن تُمحى».
وأكد الفنانون أن جميع أعمالهم ستصل إلى النور، وستعبر الحدود رغم الحصار.