محمود درويش في ذكراه الرابعةد. منى ابو عيد’لم يتساءل الفلسطينيون، أبدًا، ما هو وطنهم، ولكنهم تساءلوا ما هي دولتهم’ (الكرمل، 1988، 27: 7). بتلك العبارات دفع محمود درويش في تشرين الثاني 1988 نحو إعلان الاستقلال الفلسطيني وقبول حل الدولتين فوق تراب الوطن الواحد: دولة يهودية قائمة بإسرائيل وأخرى عربية فلسطينية أعلن قيامها ولا زالت تنتظر المزيد من النضال. أجل، لم يتساءل الفلسطينيون ما هو وطنهم، لكنهم ما انفكوا يتساءلون عن دولتهم في وطنهم. فما هي دولة محمود درويش؟؟ وما هي حدودها ومرجعياتها؟ وكيف تصوّر شكل الحل النهائي للقضية الفلسطينية؟شكّلت وثيقة إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، والتي نصّت على قبول حل الدولتين فوق تراب الوطن الواحد (دولة يهودية قائمة وأخرى فلسطينية ما زالت تنتظر)، منعطفًا حادًا إيذانًا بدخول الشاعر مرحلة الواقعية السياسية وتعبيرًا عن المأزق التاريخي الفلسطيني بين ما هو مرغوب وطنيا وبين ما هو متاح سياسيًا. فما هي ملامح الدولة الفلسطينية، التي عمل الشاعر على صياغتها في الدورة التاسعة عشرة مستلهما من سلالات الحضارة وتعدد الثقافات ومن تراث الشعب العربي الفلسطيني الروحي والزمني عبر التاريخ؟ نصّ إعلان الدولة الفلسطينية ‘ان فلسطين هي دولة الفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطوّرون هويّتهم الوطنية والثقافيّة’ (شؤون فلسطينية، : 188: 3-5). هل يشمل الإعلان فلسطينيي الداخل، أي عرب 48؟ يقول درويش في حجر الوعي: ‘إن.. الأسئلة التي طرحها وضع عرب 48 والتفافهم حول انتفاضة أبناء شعبهم.. لا تتعلق كلها بدورهم في صياغة القرار السياسي الإسرائيلي في المستقبل فقط، بل تتعلق أيضا بمكانتهم أو مكانهم في الدولة الفلسطينية’ (الكرمل 27، 1988: 7). ويؤكد في كتاب الاستقالة من اللجنة التنفيذية عام 1993، أن أي حل لا بد أن يشمل كافة فئات وتيارات الشعب العربي الفلسطيني: ‘نحن مقبلون على قرار خطير يتعلق باتفاق وشيك مع الحكومة الاسرائيلية حول غزة وأريحا […] علينا أن نشبع الاسئلة المبدئية والتفصيلية بحثا قبل الاقدام على هذه الخطوة. ومن الضروري ان يشمل هذا البحث فئات الشعب الفلسطيني وتياراته كافة’ (خالد الحسن،غزة أريحا أولا، 1994: 330). إذن، محمود درويش لا يستثني عرب 48 من مكونات الدولة الفلسطينية. هل هو تحسبا لأي شطط أو لترحيل متوقّع؟ أم تحسبًا لحل سياسي يسمح بضم المناطق العربية من فلسطين 48 الى الدولة الوليدة (إيريدنتيزم)؟ أم تحسبًا من أن يكرّس الحل النهائي الوضعَ السياسي والتمييز العنصري لعرب 48؟ يؤكد الإعلان على سلمية الدولة الفلسطينية والتزامها بمبادئ الامم المتحدة وأهدافها بما في ذلك مبادئ التعايش السلمي. كما يؤكد أنها تؤمن بتسوية المشاكل الدولية والإقليمية بالطرق السلمية ووفقا لميثاق الامم المتحدة وقراراتها، وأنها ترفض التهديد بالقوة أو العنف أو الإرهاب. بمعنى أن الاعلان يسقط عن الدولة الفلسطينية صفة الدولة المقاتلة لتحرير كامل الأرض الفلسطينية، مقارنة بالسلطة الوطنية في البرنامج المرحلي (1974). كما ينص الإعلان على أن قرار التقسيم عام 1947 ‘ما زال يوفر شروطا للشرعية الدولية ويضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني’ رغم ما يحمل هذا القرار من ظلم التاريخي للشعب العربي الفلسطيني. ويؤكد الإعلان على عروبة الدولة الفلسطينية والتزامها بميثاق جامعة الدول العربية وتطلعها لوحدة الأمة العربية وحرصها على تحقيق أهدافها وطموحاتها في التطور والتحرر(شؤون فلسطينية، 188: 5). بهذا أسقط الإعلان شعار الدولة الديمقراطية الواحدة وشعار الدولة ثنائية القومية، الذي رفعته الجبهة الديمقراطية منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، ويعود طرحه من جديد على الساحة الفلسطينية – بسبب تكثيف الاستيطان في الاراضي المحتلة وتعذر حل الدولتين (راجع مثلا: نديم روحانا ‘الهوية الوطنية والحلول السياسية’ مجلة الدراسات الفلسطينية شتاء 2012؛ كمال الخالدي، ‘فكرة الدولة ثنائية القومية في فلسطين، خيار سياسي مطروح أم تطوّر تراكمي مقصود؟’ مجلة الدراسات الفلسطينية، 1999؛ ادوارد سعيد في حواراته مع دافيد بارسميان، ‘السيف والقلم’ 1998). لأن هذه الطروحات تفقد الدولة الفلسطينية أحد مقومات هويتها، وهي الهوية الإثنية العربية. ولأن أي حل لا بدّ وأن يكفل الحفاظ على كافة عناصر الهوية الفلسطينية ومقوماتها، الوطنية (الفلسطينية) والقومية (العربية)، على حد سواء – من أجل فلسطين ومن أجل الوجود الفلسطيني في فلسطين. وهذا ما عمل الشاعر على تأكيده مرارًا وتكرارًا. فيقول في رثاء عرفات: ‘لن نكون فلسطينيين إلا إذا كنا عربًا. ولن نكون عربًا إلا إذا كنا فلسطينيين.. فهذه الهوية مستعصية على المراجعة والتفاوض، سواءً قام الشرق الأوسط الجديد أو لم يقم’ (تأخر حزني عليه، 2004). وينص الإعلان على إنشاء نظام ديمقراطي علماني يقوم على العدل الاجتماعي. هل هو العدل الشكلي المتعلق بطريقة عمل أجهزة الدولة: الشرطة او القضاء والخدمات (أي المساواة أمام القانون)؟ أم هو العدل التوزيعي (جون رولز، 1971) الذي يكفل للدولة تفضيل الشرائح الضعيفة والمستضعفة وتوزيع ميزانياتها بصورة عادلة تأخذ بالحسبان تكافؤ الفرص وما يملك الفرد والمجموعات من مصادر وطاقات قبل التوزيع؟ أم هو العدل النسبي (ارسطو) الذي تتبعه اسرائيل في تعاملها مع الأقلية العربية، والذي يأخذ في حساب التوزيع ما يقدمه كل فرد من واجبات، تنبع غالبًا من معطيات لا سلطة للفرد عليها مثل الموهبة أو الظروف، وهي التي تحدد مدى عطاء الفرد للدولة أو للمجتمع؟؟ كما وينص الإعلان على سيادة القانون. هل هي سيادة قانون على المواطنين فقط؟ أم هي سيادة القانون على ذوي السلطة أولا وقبل كل شيء؟؟ وكان الشاعر قد انتقد في ما مضى سيادة القانون على طرف واحد، هو الطرف الأضعف، ‘وخلو الثورة الفلسطينية من تقاليد محاكمة أعضاء القيادة على جرائمهم المدويّة واقتصار المحاكمة على تتبع جنايات أخلاقيّة يرتكبها شهداء المستقبل خلال بحثهم عن متعة عابرة في سيجارة حشيش أو امرأة تغوي’ (ذاكرة للنسيان، 1990: 27 ).تلك كانت بداية التحول في الموقف الفلسطيني على وجه العموم وفي موقف الشاعر على وجه خاص لقبول التسوية وفق مبادئ الشرعية الدولية. وهنا تكمن الأهمية التاريخية للإعلان السياسي، الذي ينص بشكل صريح على تقسيم فلسطين على أساس دولتين فوق تراب الوطن الواحد: دولة يهودية قائمة بإسرائيل ‘وأخرى عربية فلسطينية أعلن قيامها وتنتظر مزيدا من النضال لقيامها الفعلي، ولا تزال تنتظر’ (شفيق الحوت بين الوطن والمنفى: ص 399).ولم يرد ذكر الدولة، من قبلُ، في نصوص الشاعر إلا عابرًا في المرحلة الثالثة وهي مرحلة انحسار المد القومي العربي، وبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982. هل كان بسبب طغيان فكرة الوطن والتحرير والوحدة العربية؟ أم لأننا لم نحمل فيما سبق مسؤولية حكم أنفسنا بأنفسنا؟ ‘كنا نُحتل وكنا نُذبح وكنا نُطرد، ولكننا لم نُحكم مرة واحدة في تاريخنا’ إلا من الغزاة (الكرمل 1983، 10: 6)؟كان محمود درويش عضوًا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي تبنى، ولم يزل، طرح حل دولتين لشعبين. فهل جاء نص إعلان الاستقلال الفلسطيني (في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، عام 1988) تجسيدا لذاك الطرح في فكر محمود درويش؟ أم كان إيذانا بدخول الشاعر مرحلة الواقعية السياسية، وتعبيرًا عن المأزق التاريخي الفلسطيني، بين ما هو مرغوب وطنيا وما هو متاح سياسيا؟مرت فكرة الدولة بخمس مراحل. كانت الأولى (1954-1970) مرحلة المد القومي العربي. في هذه المرحلة من الرومانسية الثورية سيطرت فكرة التحرير وحرب التحرير، وغابت عن كتابات الشاعر فكرة الدولة الفلسطينية وما بعد التحرير. وكانت المرحلة الثانية (1971-1976) لا تزال تحت تأثير المد القومي العربي، رغم وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وما أطلق عليه مثقفون مصريون ‘عودة الوعي’. أما الثالثة، فهي مرحلة انحسار المد القومي (1977-1982)، تفقد فكرة الوحدة العربية بريقها، وتبقى فكرة الوطن وفكرة التحرير نقطتين محوريتين. الرابعة هي مرحلة إعلان الاستقلال وقبول حل الدولتين (1988-1992). أما المرحلة الخامسة، وهي مرحلة اوسلو وما بعد اوسلو(1993-2008)، لم يطرأ تغيير على موقف الشاعر من حل الدولتين، وإن اختلفت ملامح الدولة في الحالتين بسبب بنود الاتفاق. بل العكس هو الصحيح. بمعنى، لا خيار سوى حل الدولتين، وأي طرح آخر لن يكون إلا وبالا على الطرفين الشريكين في لعبة الاحتمالات (سيناريو جاهز، 2008). كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي، حتى ثمانينات القرن الماضي، الحزب الوحيد في إسرائيل الذي عبّر عن آمال الفلسطينيين في إسرائيل. ولم تسمح السلطات الاسرائيلية بقيام أحزاب وحركات سياسية عربية. وبعد أن قمعت حركة ‘الأرض’ لم يبق امام الفلسطينيين من اطار تنظيمي آخر، سوى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكان يقع تحت تأثير القيادات اليهودية في الحزب، ولم يخرج عن نطاق الحدود المتاحة له ضمن السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي (إيلي ريخس، 1986). لم تنسجم سياسة الحزب الشيوعي الإسرائيلي مع الآمال الوطنية والأماني القومية للأقلية العربية في اسرائيل في وقت كان فيه المد الناصري يجعل اغترابهم وموتهم ‘اخضر، اخضر، اخضر’ (الرجل ذو الظل الاخضر، 1970)؛ وكانت مصر عبد الناصر ‘تقدم للعرب هوية روحهم، وتقود القوافل المشتتة إلى شمال البوصلة. عبد الناصر يصوغ مشروع الوعد الكبير[…] أم كلثوم تشهر شوقنا للسلاح، وصلاح جاهين يسيّس حناجر المغنين […] لقد انصهر الوطني في القومي في المشروع التوحيدي الكبير[…] بما يتطلبه الحاضر العربي من استنفار ما فينا من مشترك اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والمصلحة والخطر’ (شاعر القمر والطين، 1994)؛ ‘كان كل شيء يتوقف عن الحركة.. وكانت فلسطين تقف على أقدامها تأهبًا للتحرير، يوم كان جمال عبد الناصر يقول >أيها المواطنونزعم حبيب قهوجي (في العدد الأول من مجلة ‘شؤون فلسطينية’ 1971)، أن محمود درويش كان عضوًا في حركة ‘الأرض’، قبل أن ينتسب الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي (ماكي)، وكان إذ ذاك لا يزال في ثانوية كفر ياسيف. ولما لوحقت حركة الأرض من قبل السلطات الاسرائيلية وأغلقت صحيفتها، شكّلت صحيفة ‘الاتحاد’ منبرًا لشعره. كانت ‘الأرض’ أول حركة عربية قومية تنشأ داخل إسرائيل. تأسست عام 1959 من قبل شخصيات وطنية وقومية، ناصرية على وجه التحديد، سعت الى توحيد نضال الأقلية الفلسطينية باعتباره ‘جزءًا من نضال الشعب الفلسطيني، الذي هو بدوره جزء من نضال الأمة العربية’ (قهوجي، 1971). رفضت الحركة بدورها قرار التقسيم واعتبرته خطأ تاريخيًا. كما طالبت إسرائيل ‘ان تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره […] وأن تعترف بأن الحركة القومية العربية هي الحركة الوحيدة والمقرّرة في المنطقة’ (قهوجي). وجاء في رفض المحكمة العليا طلب تسجيل ‘الأرض’ في سجل الأحزاب ‘ان الحركة تلغي بشكل كامل كيان دولة إسرائيل’ (القاضي ويتكون، 1964). كان محمود درويش مع الأرض ومن أجل الأرض – وإن لم يرد اسمه في أي من مراحل النضال، التي مارستها حركة ‘الأرض’ (1960-1964) – من أجل المصادقة على إقامة شركة ‘الأرض’ أو من أجل الحصول على التصريح لإصدار صحيفة ‘الأرض’. كان محمود درويش ناصريا حتى النخاع، وكان عبد الناصر الأمل الوحيد لتحرير فلسطين، كل فلسطين، حى بعد نكسة 1967. يقول: ‘أتذكُر؟/ كيف جعلتَ ملامح وجهي/ وكيف جعلتَ جبيني/ وكيف جعلت اغترابي وموتي/ أخضر/ أخضر/ أخضر'( الرجل ذو الظل الأخضر، 1970). ذهب عبد الناصر وذهبت معه رياح الناصرية، وبقي في قلب درويش وفي قلوب الملايين من الفلسطينيين والعرب حنين لماض قد لا يتكرّر.في فترة المد القومي العربي سيطرت على الشاعر فكرة التحرير وغابت فكرة الدولة ومرحلة ما بعد التحرير. وهذا ينسحب أيضا على حركة ‘الأرض’ وعلى الميثاق الوطني الفلسطيني، لعام 1964. والسبب هو خصوصية المرحلة القومية، والدعوة الى الوحدة العربية والعمل المشترك من أجل تحرير فلسطين وتقرير مصير فلسطين، بالإضافة الى معارضة الحكومات العربية لفكرة الاستقلال الوطني الفلسطيني على الأرض الفلسطينية. لكن هزيمة 1967، والتي أعادت تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية وانفتاحها نحو مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، لم تجعل من الدولة حاضرة في وجدان الشاعر. فبقيت الفكرة مغيبة تمامًا. ولم تختلف المرحلة الثانية عن الأولى كثيرًا رغم اختلاف الظروف والملابسات. فبقيت تحت تأثير المد القومي العربي حتى بعد وفاة جمال عبد الناصر، عام 1971. في مصر (1971-1976)، وقف درويش لأول مرة على حقيقة الوضع العربي المؤلم: هزيمة 1967 ووفاة عبد الناصر. لكنه، لم يفقد الأمل بالوحدة العربية ولا بالحرب وبتحرير فلسطين، كل فلسطين، حتى بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، عام 1982. يقول في مناسبة انتفاضة يوم الأرض (1976): ‘سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل/ سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل/ سنطردهم من هواء الجليل’. هل حقا أراد محمود درويش طرد اليهود، كل اليهود، من فلسطين وإعادتهم الى حيث جاؤوا؟ أرّقت الشاعر مشكلة اليهود، ولكن ليس كما جاء في برنامج فتح والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بعد 1967، أي، ليس من باب استباق الأمور وتقديم الحلول العملية لمرحلة ما بعد التحرير، وإنما من باب التنديد والتحذير واستنهاض الهمم. ألم يقل اليازجي من قبلُ: ‘تنبهوا واستفيقوا يا عرب/ فقد طمى السيل حتى غاصت الركب’؟ يقول محمود درويش (في ‘سرحان يشرب القهوة في الكفاتيريا’، 1972): ‘بلاد تغير سكانها’ و ‘تناسل فينا الغزاة’، و’تكاثر فينا الطغاة’. في المرحلة الثالثة، وهي مرحلة انحسار المد القومي (1977-1982)، فقدت فكرة الوحدة العربية بريقها بسبب زيارة انور السادات للقدس والخروج عن الصف العربي والتوقيع على معاهدة صلح مع إسرائيل. ‘لنعترف بأن شيئا خطيرًا قد حدث وبأن الصهيونية قد حققت انتصارًا كبيرًا: فإن حاكم مصر بزيارته الذليلة قد يكسر في النفسية العربية جدار الحرام ويخلق ثغرات في الوجدان القومي يصبح الاعتراف بالكيان الصهيوني فيه شأنا قابلا للاجتهاد. لقد وفرت زيارة حاكم مصر، المرفوع على حراب الغزاة وعلى احتقارنا، قابلية رائدة للتعايش غير المتساوي بين العرب مسلوبي الحقوق والأرض وبين الغزاة في شروطهم التي يملونها. لقد كسر الجرة كما يقولون وصارت الصهيونية إمكانية عربية…لقد أدخلت مسيرة الحاكم المصري الجنين الصهيوني إلى مناطق الضعف في الجسد العربي’ (قبل الزيارة وبعد الزائر، 1977: 23-24).فقدت فكرة الوحدة العربية تأثيرها، وبقيت إستراتيجية الحرب والتحرير سيّدة الموقف بشكل لافت ومحوري. وتخلفت مواقف الشاعر عن مواقف ومقررات المجالس الوطنية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي نصّت على النضال ‘بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين’ (الدورة 12، 1974)، والتي دعت إلى ‘إقامة الدولة الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني’ (الدورة 13، 1977). وتربّعت الحرب عرش النضال والتحرير. يقول: ‘هل سألنا عن الحرية؟ نعم، لأنها شرط لخوض حرب التحرير. هل قلنا حرب التحرير؟ نعم، لأنها الخيار الوحيد الوحيد […] بالحرب وحدها نستطيع السير الى السلام. وبتحرير فلسطين نجد الفارق بين الاستسلام والسلام’ (شؤون فلسطينية، 1978، 83: 6).بعد العام 1977 يغدو النظام السياسي العربي بوجه عام والمصري بوجه خاص تحت المجهر. وتدخل قاموسه الشعري والنثري مضامين جديدة كالدولة، والديمقراطية والحرية. فيقول: ‘إن ظاهرة السادات […] هي مسألة ملحة لوضع مسألة الحرية والديمقراطية البند الأول على جدول أعمالنا.. لكي لا يتحول الجنود العرب إلى صيادي ثوار’ (شؤون فلسطينية، 1979، 89: 6). من هنا يقول: ‘سأحارب من أجل […] تحليل الأحزاب وتحريم الحزب الواحد والعائلة الواحدة. سأحارب من أجل تحليل لحم الخنزير وتحريم لحم السجناء. وسأحارب […] من أجل حق الناس في النوم في الساعة التي يريدونها، وحقهم في الحلم بلا وجل.. وحقهم في ألا يرفعوا أغاني الحب إلى من لا يحبون، وحقهم في أن يُعتقلوا في الساعة التي تحددها العدالة في المحكمة، التي لا تغلق أبوابها أكثر من يوم واحد في الأسبوع، وحقهم في أن يموتوا بالسبب الذي يصيبهم’ (الكرمل، 1981، 3: 11-12).وترد فكرة الدولة الفلسطينية على خلفية زيارة الرئيس المصري لإسرائيل. فيقول، إن ‘حجم الهزيمة السياسية والحضارية الذي يتقدم به السادات، مفاوضًا، أكبر بكثير من وقائع القوى على أرض الصراع،.. التي تتيح للعرب حدًا أدنى من تحقيق مطالبهم: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ما حدث طيلة عام من عمر الزيارة..يتجاوز، إذن، شروط السلام الكامل وفي مقدمتها مفهوم السلام الفلسطيني، ويتجاوز أيضًا شروط التسوية السياسية’ (شؤون فلسطينية، 1978، 85: 5).لكن الحديث عن الدولة الفلسطينية المستقلة لم يأخذ طابعًا جديًا إلا بعد الرحيل عن بيروت 1982، عندما بدأت القيادة الفلسطينية التفكير بشكل جدي في إقامة الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين. وتشكل مرحلة ما بعد بيروت تحولا في مضامين الشاعر وموضوعاته. لأن ‘بيروت كانت التتويج والترجمة الدموية لصدمته العربية، ولأنّ ‘بيروت كانت صرخة الإنذار.. بيروت كانت الفضيحة الكلية’ لبرود ووهن الشارع العربي وتواطؤ النظام العربي ضد الشعب العربي الفلسطيني (الكرمل 1983، 7: 229). وبدأنا نشهد بوادر انفتاح للوسائل البديلة عن الحرب. يقول: ‘ما يجرحنا هو أن هذا الشعب الساكن في حقائب لا بد له أن يرسو في مكان ما… ولا بد للمواطن الفلسطيني من هوية… فلا بد من وطن ما، من سقف ما، عملي، مادي، محدد، يقيم فيه الفلسطينيون […] لأنه لا يمكن أن يقاد شعب بأكمله من مذبحة إلى سفينة ، إلى حقيبة, إلى مذبحة إلى سفينة’. ثم ‘هل سنخرج من حظيرة ما يسمى بالشرعية العربية والدولية لنحتكم إلى وسائل أخرى لتحقيق هدفنا المحدد ، وهو الدولة المستقلة؟ (الكرمل 1983، 7: 212, 224). على الرغم من ذلك فقد تفرّغ الشاعر بعد بيروت لإنتاج ‘ثقافة الحريّة’ من أجل بناء ‘حلم مسيج بالمدى المفتوح، القادر على استيعاب الاختلاف والآخر’ (الكرمل 1983، العدد 7: 8)، وإن كان قد عارض بشكل صريح فكرة الدولة على جزء من الوطن بقوله ‘ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة’ (‘مديح الظلّ العالي، 1983). كان محمود درويش في مواقفه السياسية قريبًا من مواقف جبهة الرفض (ج. ش. ت. ف)، التي رأت في دولة على جزء من فلسطين – في ظل موازين القوى المتواجدة – بمثابة القبول بالحل السلمي وتخليا عن أهداف التحرير الكامل. إذ أن هذه الدولة لن تقوم بدون موافقة إسرائيل، ولن توافق الأخيرة إلا على إنهاء الصراع، وهذا ما أثبتت الأيام صوابه. في المرحلة الخامسة (1993-2008) وهي مرحلة ما بعد اوسلو. لم يطرأ تغيير على موقف الشاعر من حل الدولتين، وإن اختلفت ملامح الدولة في وثيقة الاستقلال عنها في اتفاقية اوسلو، تلك الاتفاقية التي أبقت الكثير من قضايا الحل النهائي عالقة، ولم تعِد الفلسطينيين إلا بما هو دون الدولة وعلى جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. رغم ذلك فقد تمسك الشاعر بحل الدولتين، لأن الطروحات الأخرى قد تودي الى الهلاك (سيناريو جاهز، 2008). يقول في وصف الدولة الفلسطينية: ‘أرض ضيقة لا حميمة فيها لنكاح بين ذكر الحمام و أنثى الحمام’، ثم ‘أَرض ضيّقة… لا تتسع لضحكة الفاجر، ولا لصلاة الراهبة ، ولا لنشر الغسيل بعيداً عن فضول الجيران ، و لا تتسع للسطر الرابع عشر من سوناتة مترجمة’. رغم ذلك ‘نحبها. و نظن أنها تحبنا أَحياءً وموتى’ (أرض الفضيحة، 2008). يدرك الشاعر الكبير، لسان حال الشعب العربي الفلسطيني بلا منازع، حاجة الشعب الفلسطيني إلى دولة، مهما كانت صغيرة، للسفر وحفظ الكرامة وإشباع جوع الهوية. من هنا، أخذ يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في إنشاء دولة، حتى وإن سخروا منها في صباح اليوم التالي. يقول في حوار على هامش المؤتمر الرابع عشر لاتحاد كتاب المغرب: ‘أعتقد أن من حق الفلسطينيين أن يبذلوا كل التضحيات من أجل تحقيق حلم بسيط جدًا، هو دولة فلسطينية. وهذه الدولة الفلسطينية ـ كما هو مطروح [ليس] أكثر من 22 % من أرض فلسطين التاريخية. وبالتالي، صار الحلم صغيرًا، ولكن طريقة تحقيقه تحتاج إلي تضحيات غير معقولة. والحلم الصغير سينشئ أيضا دولة صغيرة، هي الدولة التي ستكون في قطاع غزة والضفة الغربية. حتى الآن، يجري بين الإسرائيليين نقاش في الموضوع، إنهم لا يقبلون أن ينسحبوا من الضفة الغربية بكاملها. ومن هنا، فشكل تحقيق الحلم أصبح يبرز الآن، أي أن الدولة ستكون صغيرة، وقد لا تكون قادرة علي الحياة، ولكنها قد تلبي عطش الفلسطينيين إلي هوية تشعر بالعطش الشديد. الفلسطيني يحتاج إلى أن ينجز مشروع دولة، ما مهما كانت صغيرة، من أجل أن يحتل مكانته بين الأمم، ومن أجل أن يحفظ كرامته وهويته وحقه في العيش وفي السفر. ولكن، منذ الآن لا أراهن كثيرًا على حيوية هذه الدولة وقدرتها علي الحياة أو علي السيادة. فمهما كانت شروط التسوية سانحة فإنني أرى أنها لا تحقق نوعية سيادية حقيقية. غير أننا نحتاج لأن نضع برنامجًا محددًا، كي ندافع عن حقنا في إنشاء دولة، حتى لو سخرنا منها في صباح اليوم التالي’ (عبد الصمد بن شريف، 22 آذار 2005). يبدو أن سؤال الطريق قد أقعد الفراشة عن الطيران. ‘نحن سكان هذا/ الطريق الطويل إلى هدف يحمل اسما/ وحيدًا: إلى أين؟’ (الطريق إلى أين، 2008). لكنه سرعان ما يدرك، أن الطريق إنما هي طريق الهاوية، حتى إشعار آخر(الطريق الى الجنة، 2008). يقول: ‘أَنا وَهُوَ،/ شريكان في شَرَك ٍ واحد/ وشريكان في لعبة الاحتمالات/ ننتظر الحبلَ […] حَبْلَ النجاة/ لنمضي على حِدَة ٍ/ وعلى حافة الحفرة ِ – الهاوية/ْ إلي ما تبقَّى لنا من حياة/ وحرب […]/ قال لي : هل تُفَاوضني الآن ؟/ قلت: على أَيّ شيء تفاوضني الآن،/ في هذه الحفرةِ القبر؟/ قال: على حصَّتي وعلى حصّتك/ من سُدَانا ومن قبرنا المشتركْ/ قلت: ما الفائدة؟/ هرب الوقتُ منّا/ وشذَّ المصيرُ عن القاعدة/ وعلي شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو/ إلى آخره’ (سيناريو جاهز، 2008). وقد يكذب الأنبياء، وقد يصدق الشعراء كثيرًا (اللقاء الأخير في روما، 1984).لم تفتنه الطروحات القديمة/الجديدة بأي شكل من الأشكال. فقد سخر من الحل الكونفدرالي، وعارض المحادثات التي أجراها أبو السعيد (خالد الحسن) مع ملك الاردن للتوصل إلى حل كونفدرالي، وهو المشروع الذي حظي بدعم أطراف عربية بالإضافة الى إسرائيل والولايات المتحدة. يقول: ‘وما هو مثير للسخرية […] علينا ان نتعهد، وإلى أبد الآبدين، بأن لا أمنية لنا في هذه الحياة الفانية إلا الارتباط بصرة المملكة الأردنية الهاشمية، وبأننا لا نحارب الجيش الإسرائيلي إلا من أجل الترحيب بقوات الأمن الأردني، وبأننا لا نريد الاستقلال بعد جلاء الاحتلال، بل نتطوّع، بكل هذه التضحية، في عملية إنقاذ النظام العربي من فزّاعة المثال الذي تزوّد به الانتفاضة مخيّلة الغاصبين’. ثم يقول: ‘لقد أذاعت الانتفاضة الإعلان الرسمي عن ولادة زمن جديد.. فإذا كانت العقلية الصهيونية قلقة من خطر الدولة الفلسطينية على الوجود الصهيوني، فإن العقلية العربية الرسمية مطالبة بالإفصاح عن مخاوف تختلف عن المخاوف الصهيونية.. نحن لا نسخر بقدر ما نعبر عن صعوبة قصوى في فهم شراسة العداء العربي الرسمي.. لفكرة الاستقلال الوطني الفلسطيني على الأرض الفلسطينية. ونحن لا نسخر بقدر ما نعبّر عن صعوبة في إدراك المعنى الحقيقي لشبه الإجماع العربي الرسمي على قبول التصور الأمريكي، والإسرائيلي أيضًا، لحل الصراع بتبني خيار وحيد هو الخيار الاردني […] إن المعركة مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي ومع أي خيار لا يعبر عن طموح الشعب العربي الفلسطيني في الاستقلال الوطني الكامل’ (حجر الوعي: الكرمل، 1988، 27: 11-12). وإن كان درويش في إصراره خلال العقدين الأخيرين على حل الدولتين قد عبّر عن طموحات الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني، فإنه في رفضه للحل الكونفدرالي مع الأردن إنما كان يغرّد بعيدًا عن الاجماع الوطني. فقد أكد البيان السياسي، الصادر عن اجتماعات الدورة الطارئة للمجلس الوطني الفلسطيني (في دورة 19، 1988)، أن ‘العلاقة المستقبلية بين دولتي الأردن وفلسطين ستقوم على أسس كونفدرالية […] تعزيزًا للروابط التاريخية والمصالح الحيوية المشتركة فيما بينهما’ (شؤون فلسطينية، 188: 10).أجل، ‘إن الجرح عميق، عميق، وقد لا يلتئم.. ولكن العملية التاريخية لا يحركها العدل وحده’. ذلك فارق فرضته قسوة الظروف والموازين الدولية والعربية. لم يكن حل الدولتين إلا تعبيرًا عن المأزق التاريخي، بين ما هو مرغوب وطنيًا وما هو متاح سياسيًا، وتعبيرًا عن إرادة شعبية حقيقية وإجماع فلسطيني واسع عبّر عنهما الشاعر أصدق تعبير. وإذا كانت الواقعية السياسية دفعت الطرف الفلسطيني في أتون ما يسمى بشرعية المفاوضات، التي غلبت عليها قسوة الموازين وسطوة الطرف الآخر، فإن مرحلة التأسيس تحتم العمل على إرساء قواعد الدولة الحديثة على أسس من العدالة الاجتماعية. وإذا كانت الواقعية تحتم التفرغ لمرحلة التأسيس، لا التحرير، فهل من بد لبقاء مليون فلسطيني خزانات للبؤس في مخيمات اللجوء على أرض الوطن في الضفة والقطاع؟؟ وإن كان لا بد من تكريم للشاعر، فإن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة..