انهيار الأونروا جزء من خطة تدمير القضية الفلسطينية

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

نيويورك ـ «القدس العربي»: فشل المخطط الإسرائيلي في عهد الرئيس ترامب في دورته الأولى في تدمير وكالة إغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى «أونروا» عندما قررت إدارة ترامب وقف نحو 300 مليون دولار والتي تصل إلى نحو 25 في المئة من ميزانية الوكالة. كان من الممكن أن تنهار الوكالة أمام هذه الضربة الموجعة لولا جهود المفوض العام آنذاك، بيير كرينبول، الذي شمر عن ساعديه وشحذ همم موظفيه وأطلق حملة شعبية لجمع التبرعات تحت عنوان «الكرامة لا تقدر بثمن» واتخذ عديدا من الإجراءات التقشفية التي لا تطال اللاجئ في رزقه ومدرسته وعيادته، وعقد عدة مؤتمرات لجمع التبرعات في نيويورك وعمان وروما وبروكسل، وطاف الشرق والغرب حتى استطاع أن يتجاوز الأزمة بأقل الخسائر وبدون أن يزيد من معاناة اللاجئين الناطرين العودة إلى وطنهم.

تكررت هذه المؤامرة بشكل أوسع وأعقد وأخطر بعد طوفان الأقصى. شن الكيان الصهيوني حرب إبادة شاملة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ووضع تدمير القضية الفلسطينية نصب عينيه هدفا استراتيجيا. وكي يتحقق هذا الهدف لا بد من تدمير شريان الحياة لنحو 70 في المئة من سكان غزة الذين يحملون بطاقات اللاجئين. وضعت إسرائيل الأونروا هدفا مركزيا لا بد من تدميرها لأنها الشاهد الحي على نكبة عام 1948 وتشريد الشعب الفلسطيني وتجسد حق العودة للاجئين.
أخذت المؤامرة هذه المرة عدة أشكال:
– استهداف موظفي الأونروا وخاصة في غزة وقتل أكبر عدد منهم حتى وصل عدد الضحايا إلى 247 موظفا. وأدى هذا الاستهداف إلى نقص عدد الموظفين في قطاع غزة من 13 ألفا إلى نحو ثلاثة آلاف حيث اضطر بعضهم أن يحمي عائلته ويبقى مع أولاده كي يعيشوا معا أو يموتوا معا.
– اتهام الأونروا بأنها مخترقة من حركة حماس وأن مئات الموظفين يتعاونون مع حركات المقاومة. وكانت التهمة تتحدث عن الآلاف ثم اختصر العدد لـ 12 ثم إلى سبعة. وتم التعامل الفوري مع المتهمين ووقف عقودهم. ولم تثبت التهمة إلا على واحد أو أثنين. والمؤكد أن هناك اختراقات معاكسة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية، لكن ذلك غير محسوب، فما يحق لإسرائيل لا يحق لغيرها. وعلى فرض أن هناك شخصا أو حتى عشرة أشخاص تجاوزوا حدود مسؤولياتهم فهل تلغى المنظمة بكاملها ويوقف عملها وتتهم بأنها منظمة إرهابية؟ وهل التهم الموجهة لأشخاص يتم توسيعها ليشمل النقد للوكالة نفسها أي بدل معاقبة الجاني يتم تدمير المؤسسة. فهل هذا منطق؟
– قامت 18 دولة على الفور بوقف تمويلها للأونروا. وعندما تبين أن التهم في غالبيتها الساحقة كيدية وليست مبررة وأن الأونروا لا تمارس التحريض في منهاجها تراجعت كل تلك الدول إلا الولايات المتحدة التي أجلت إعادة التمويل لشهر آذار/مارس 2025. وكان التأجيل مقصودا لارتباط ذلك التاريخ بنتائج الانتخابات الأمريكية.
– في 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونين مصممين لتعطيل عمليات وخدمات الأونروا في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة. وتمثل هذه الخطوة أخطر تصعيد لحملة إسرائيل المدروسة التي استمرت عقودًا من الزمان لتفكيك الأونروا وتقويض حق العودة غير القابل للتصرف للشعب الفلسطيني. والآن أكثر من أي وقت مضى، في خضم الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة، فإن دور الأونروا ليس ضروريًا فحسب، بل لا يمكن الاستغناء عنه.
– ولأن الأونروا تعتبر الوكالة الأساسية التي تقدم المساعدات الإنسانية الحاسمة المنقذة لحياة للفلسطينيين في غزة، فإن إقرار هذه القوانين بشأن الأونروا يشكل اعتداءً على حق الحياة للفلسطينيين ويتماشى مع نيّة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل جهارا نهارا أمام عيون العالم. ومع اقتراب فصل الشتاء والتحذير من خطر المجاعة المستمر في جميع أنحاء غزة، أصبحت حياة مليوني فلسطيني بالفعل في خطر جسيم. ومن شأن تعطيل عمل الأونروا أن يخلف عواقب مدمرة ويساهم حتماً في فرض ظروف معيشية محسوبة لإحداث الدمار المادي للفلسطينيين في غزة.

الجمعية العامة تحاول أن تحمي الوكالة

عقدت الجمعية العامة جلسة خاصة يوم 6 تشرين الثاني/نوفمبر لمناقشة قرار إسرائيل بحظر الأونروا خلال 90 يوما. وأكد رئيس الجمعية، فيليمون يانغ، أن حظر أنشطة الأونروا يشكل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية، وأي هجوم على الوكالة إنما يشكل هجوما على المجموعة الدولية التي اعتمدت قرار 302 عام 1949 بغالبية كبيرة بدون أي اعتراض.
أما المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، فقد حذر أعضاء الجمعية العامة من خطورة قرار الكنيست وطالب بالدفاع عن الوكالة التي تمثل توافقا دوليا وعملا جماعيا للتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقال: «هذه الساعة الأكثر ظلمة في تاريخ الأونروا. حيث استهدفتها إسرائيل منذ بداية حربها في غزة. وقرار الكنيست يخدم هذا الهدف. وهذا القرار يتعدى كونه يهاجم وكالة إنسانية بل يمنع الشعب الفلسطيني من تحقيق حقه في تقرير المصير عبر حل سياسي للمعاناة. فهو يغير معالم الحل المعروفة والمتفق عليها للصراع الفلسطيني الإسرائيلي».
ونبه المفوض العام لازاريني أعضاء مجلس الأمن الدولي في جلسة خاصة كذلك حول استهداف الأونروا بأن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى وصفوا القضاء على وكالة الأونروا بأنه «هدف حربي». وحذر من أن الفشل في التصدي لمحاولات ترهيب وتقويض الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة من شأنه في نهاية المطاف أن يعرض العمل الإنساني وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم للخطر. وقال: «يتعين على هذا المجلس أن يقرر إلى أي مدى سيتسامح مع الأفعال التي تمس جوهر التعددية وتهدد السلام والأمن الدوليين. أحثكم على حماية هذه الوكالة الأممية من الجهود الرامية إلى إنهاء ولايتها بشكل تعسفي وقبل الأوان، في غياب الحل السياسي الموعود منذ فترة طويلة».
هذا الهجوم على وكالة تابعة للأمم المتحدة، لا شك تمثل العامود الفقري للأعمال الإنسانية المقدمة للشعب الفلسطيني، يمثل حقيقة محاولة لتصفية القضية الفلسطينية. إنه دليل آخر على حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني وعلى كل ما يشد من أزرهم ويقدم المساعدات لهم. إنه هجوم على اللاجئين الفلسطينيين ومحاولة لتجريدهم من صفة اللجوء. إن القضاء على الأونروا يعني أن أكثر من 650 ألف طفل سيفقدون أي أمل في استئناف تعليمهم، وستتم التضحية بجيل كامل.

خطران جديدان

– هناك قرار صدر عن المفوض العام بنقل الموظفين الدوليين في الوكالة من مقرها في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية إلى مراكز عمل أخرى. ورغم تملص المتحدث الرسمي من تأكيد أو نفي الخبر إلا أن قرار النقل صدر حتى قبل انتهاء مهلة التسعين يوما. ويأتي هذا القرار تأكيدا لانصياع المفوض العام للضغوط الإسرائيلية رغم التأييد الشامل الذي تلقته الوكالة في جلسة الجمعية العامة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي واللجنة الاستشارية للأونروا والمنظمات الدولية العديدة. ورغم تأكيده مرارا أن قرارات إسرائيل غير شرعية وعلى المجتمع الدولي ألا يتقبلها، إلا أن هذا القرار خطير ويشير إلى التعامل مع القرارات الإسرائيلية غير الشرعية والتجاوب معها وتنفيذها.
– الخطر الثاني المقبل هو عودة ترامب إلى البيت الأبيض. هذه المرة نتوقع أن يكون ترامب أكثر عدوانية على الأونروا وقد يقرر ليس فقط قطع المساعدات عن الوكالة المتوقفة أصلا، ولكن العمل على تفكيكها تماما وإلغاء وجودها وإصدار قرارات لا تعترف بوجود اللاجئين الفلسطينيين أصلا وإن كان هناك عدد محدود من لاجئي فلسطين قد يضغط باتجاه استيعابهم في المفوضية العليا للاجئين وبالتالي ينهي تماما خصوصية اللجوء الفلسطيني وحق اللاجئين في العودة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية