ماذا يحتاج غوارديولا لإعادة «الهيبة» الى مانشستر سيتي؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: يعيش المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، واحدة من أتعس الفترات في مسيرته التدريبية بوجه عام، ومع ناديه مانشستر سيتي على وجه الخصوص، والأمر لا يتعلق فقط بسلسلة النتائج الكارثية غير مسبوقة منذ ظهوره على الساحة مع الفريق الأول لنادي برشلونة في العام 2008 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، والتي وصلت لحد التجرع من مرارة الهزيمة في 5 مباريات على التوالي، منها 3 مباريات في بطولته المفضلة دوري أبطال أوروبا، قبل أن يأتي موعد الثلاثاء الحزين، الذي كان شاهدا على فشل الفريق السماوي في تحقيق الفوز في سادس مباراة تواليا في مختلف المسابقات، بعد تفنن اللاعبين في التفريط في الفوز والنقاط الثلاث الثمينة أمام فينورد في موقعة الجولة الخامسة لدوري لدوري أبطال أوروبا، حتى بعد التقدم في النتيجة بثلاثية نظيفة حتى آخر ربع ساعة في أحداث اللقاء، الذي انتهى بعد ذلك بالتعادل الإيجابي بثلاثة أهداف في كل شبكة، وفي رواية أخرى، تعادل بطعم الهزيمة بالنسبة لبطل إنكلترا في آخر أربعة مواسم، والعكس بالنسبة لممثل الأراضي المنخفضة، والسؤال الذي يفرض نفسه في الأيام والساعات القليلة الماضية هو: ماذا يحتاج مُحدّث اللعبة في هذه الألفية لإعادة النسخة المهيبة للمان سيتي تحت قيادة بيب؟ أو على أقل تقدير لإعادة الفريق إلى طريق الانتصارات ولو على حساب الأداء الجمالي والكرة الممتعة المحفورة في الأذهان عن سيتي غوارديولا، وذلك بعد صدمة المشجعين بعودة الكيان إلى فترة ما قبل استحواذ الإماراتيين على أسهم النادي في نهاية العقد قبل الماضي، حين كان يُهزم بسهولة من فرق مثل يورك سيتي في دوري الدرجة الثانية، أو يتعرض للإذلال الكروي على يد الجار المتواضع ستوكبورت كاونتي عام 2002، دعونا نستعرض معا أسباب الأزمة والحلول العاجلة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.

فقدان السيطرة

صحيح أنه كان واضحا في بداية الموسم، أن الفريق السماوي بحاجة لبعض التعديلات التكتيكية والفنية داخل المستطيل الأخضر، لحل صداع هشاشة خط الدفاع وإشكالية كثرة إضاعة الفرص السهلة أمام الخصوم، لكن في وجود صاحب «الكرة الذهبية» رودري، كانت الأمور تسير على ما يرام إلى حد ما، بفضل ضمان السيطرة على مجريات الأمور في وسط الملعب، أو بالأحرى بلغة المدربين والمعلقين، كان وجوده يغطي على الكثير من عيوب ومشاكل السيتيزنز، إلى أن وقعت الكارثة على ملعب «الاتحاد» في قمة الجولة الخامسة للبريميرليغ ضد آرسنال، تلك الموقعة التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدفين لكل فريق، وكانت شاهدة على خروج رودري بداعي الإصابة المروعة التي تعرض لها في تحد مشترك مع توماس بارتي، انتهى بخضوعه لعملية جراحية، على إثرها انتهى موسمه الحالي، وبالتبعية معها تكشفت كل مشاكل وثغرات النادي السماوي، مثلما كان الوضع في فترات غياب الدولي الإسباني في آخر موسمين، حيث اقترنت مشاركته في التشكيل الأساسي بسلاسل من الانتصارات الطويلة التي كان يحققها الفريق، والعكس عندما كان يغيب فترات قصيرة لظروف طارئة، الفارق هذه المرة، أن غيابه امتد وسيمتد لأشهر قادمة، ومعها هبطت نسبة انتصارات الفريق لأرقام سلبية غير مسبوقة في عهد الإدارة الإماراتية، خصوصا في المواجهات المعقدة أمام الفرق التي تُجيد المباغتة في لعبة التحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، على غرار فضيحة سبورتنغ لشبونة ورباعية توتنهام، والسبب الجوهري، فتش عن العواقب الوخيمة بعد فقدان الكرة في وسط الملعب، في ظل غياب عملة اللاعب رقم (6) القادر على صد الغارات وقطع الكرات قبل شن الغارات المعاكسة على الدفاع، وهذا يفسر التحول المزعج بالنسبة لمشجعي النادي في نمط وأسلوب لعب الفريق، من منظومة تعتمد في المقام الأول على سلاح الجماعية، بتطويع خبرات وإمكانيات اللاعبين لخدمة المنظومة الجماعية، إلى فريق فردي لا يعبر أبدا عن نهج وفلسفة بيب غوارديولا، التي يعرفها الغريم والعدو قبل أكبر مؤيديه.

شركاء الانتكاسة

بعيدا عن تأثير رودري الجوهري، يلاحظ الجميع حالة الهبوط الجماعي في مستوى جُل رجال بيب غوارديولا المخلصين، وفي مقدمتهم مرعب السحرة والعداءين في الأمس القريب، كايل ووكر، الذي يكاد يبصم على واحد من أتعس مواسمه على مدار مسيرته الاحترافية، إن لم يكن الأتعس على الإطلاق، وتجلى ذلك في ما قاله المدافع السابق والمحلل الحالي غاري نيفل أثناء تعليقه على رباعية توتنهام: «يا إلهي يا إلهي»، وتحديدا على لحظة استسلام الدولي الإنكليزي في سباق السرعة مع منبوذ تشلسي سابقا تيمو فيرنر، في تلك الانطلاقة التي ختمها القصير الألماني بوضع الكرة على طبق من فضة أمام برينان جونسون، ليضع آخر مسمار في نعش السيتيزنز في ليلة الرباعية المذلة، في لقطة جعلت بعض الشامتين يضعوا مستوى ووكر في الوقت الحالي، بالحالة المأساوية التي كان عليها نيفل نفسه في ختام مسيرته الاحترافية، حين اضطر لإنهاء مشواره في منتصف الموسم، لكن بوجه عام، كانت لقطة معبرة وكاشفة للثغرة الكبيرة في الجهة اليمنى للفريق، ونفس الأمر ينطبق على صاحب الحلول الفردية الإبداعية فل فودن، الذي عاد إلى حالته البائسة التي كان عليها في النصف الأول من الموسم الماضي، كلاعب يعيش على أطلال الماضي، بتراجع مفزع في مستوى قراراته الفردية العنترية، وشبه اختفاء للحظاته الحاسمة وقت الحاجة إلى موهبته لفك طلاسم دفاعات الخصوم، رغم أننا نتحدث عن أفضل لاعب في العام الحالي المختار من قبل رابطة اللاعبين المحترفين، وسعيد الحظ الذي حصد كل الجوائز الفردية الموسم الماضي، لكن على أرض الواقع، أقل ما يُقال عنه، أنه يكتفي ببعض الومضات الخجولة على فترات متباعدة، آخرها بدايته المشرقة التي تلاشت سريعا أمام توتنهام، مكتفيا بتسديدة واحدة بين القائمين والعارضة من أصل 5 تصويبات طوال فترة وجوده في المباراة، وكأنه يصر على استكمال هذا الموسم على ما انتهى في الموسم الماضي، بتقديم حملة صفرية من حيث عدد الأهداف مع منتخب بلاده في اليورو.
وتشمل قائمة المنبوذين، العائد إلى بيته القديم بعد عام للنسيان قضاه مع برشلونة، الألماني إلكاي غندوغان، الذي كان يُعتقد أنه سعيد بأمجاده بالقميص السماوي، كلاعب بجينات العبقري الفرنسي زين الدين زيدان، خصوصا في حركته بين الخطوط في الثلث الأخير من الملعب وقدرته على ضرب الخصوم بتمريرات وحلول فردية غير متوقعة، لكن على أرض الواقع، تبين أن عودته لم تكن سعيدة، أو كما هو واضح، ليست سعيدة حتى الآن، خاصة عندما يستنجد به المدرب لملء غياب رودري وماتيو كوفاسيتش في خط الوسط بجانب ريكو ليويس، إذ دائما ما يبدو وكأنه تائه ولا يقدر على مجاراة خصومه في عملية الضغط وسباق السرعات الطويلة، بتلك الطريقة التي كشفت التراجع الواضح في معدلاته البدنية أمام جيمس ماديسون وديان كولوسيفسكي، وقبلها تم استبداله في الشوط الأول أمام نفس المنافس، لكن في مباراة كأس الكاراباو، التي حسمها فريق الديوك بهدفين مقابل هدف. وعلى ما يبدو، أن هذا التراجع لم يكن مفاجئا، شأنه شأن ووكر، لأن كليهما تخطى ربيعه الـ34 على هذا الكوكب، كما أن استقرار إلكاي على الاعتزال الدولي بعد انتهاء دوره في اليورو، يعكس حقيقة أنه مُدرك تماما أنه قد وصل إلى خريف مشواره المفترض. كما تأثر الفريق بجفاف أهداف هالاند منذ بدايته الصاروخية، التي أسفرت عن تسجيل 10 أهداف في أول 5 أسابيع، وبالنظر إلى السبب الرئيسي وراء هذا الجفاف (باستثناء هدفه في فينورد من علامة الجزاء)، سنجد أنه يتلخص في توتره الزائد في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، متحولا من ذاك الوحش الذي كان يحتاج الى ربع فرصة لدك شباك الخصوم، إلى مهاجم متخصص في إهدار الفرص السهلة، آخرها الفشل في استغلال ولو فرصة واحدة من السبع فرص التي أتيحت له في مباراة عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وهذا في حد ذاته، ساهم في الهزة الكبيرة التي تعرض لها الفريق في الأسابيع القليلة الماضية، لأهمية هذا الهالاند في ترجمة مجهود الفريق إلى أهداف، من شأنها أن تساعد المجموعة على الصمود في لعبة جمع النقاط كل سبت وأحد، ومع توقف ماكينة الأهداف الاسكندينافية، بدأت تنقلب بنتائج عكسية على الفريق.

بخل ورؤية

بوجه عام، يمكن القول إنه كانت هناك مؤشرات على معاناة المان سيتي هذا الموسم، أبرزها عودة النادي إلى سياسة الإدارة القديمة، بالاكتفاء بإنفاق ما مجموعه 20 مليون جنيه إسترليني، نظير الحصول على توقيع سافينيو، بجانب إعادة غندوغان، كصفقة عاطفية بعد خروجه الاضطراري من برشلونة، ما جعل ميركاتو 2024، ثاني أكثر صيف هادئ على مستوى الإنفاق، بعد نافذة 2021، حين اكتفى النادي بضم جاك غريليش، فقط لكن مقابل 100 مليون من نفس العملة، والمثير للدهشة والاستغراب، أن النادي جنى ما يلامس الـ120 مليون بعملة المملكة المتحدة، من عوائد بيع اللاعبين قبل إغلاق الميركاتو الصيفي، لكن المسؤولين وأصحاب القرار، تجاهلوا علامات التحذير، بما في ذلك تجاهل تعويض بطل العالم جوليان ألفاريز بعد الموافقة على بيعه لأتلتيكو مدريد مقابل رسوم تحويل تخطت حاجز الـ80 مليوناً، على اعتبار أن الوافد الجديد سافينيو سينجح في تعويضه، لكن من الواضح أن الشاب البرازيلي، ما زال بحاجة الى مزيد من الوقت للوصول إلى مستوى اللاعب الجوكر أو القادر على صناعة الفارق في تشكيلة بيب غوارديولا، ويؤخذ على المدرب نفسه، موافقته على هذه المقامرة برمتها، شاملة موافقته على تمديد عقده لغاية العام 2027، رغم أنه مدرب يفضل الاعتماد على قائمة محدودة، وقلما يعطي الفرصة أو دقائق لعب كثيرة لأسماء أخرى خارج نطاق قائمته الضيقة المحددة منذ بداية الموسم، ومع تلاحم المباريات الدولية للمنتخبات مع مباريات الأندية في الدوريات المحلية والأبطال، كان متوقعا أن يخسر هذا العدد من ركائزه الأساسية، لكن مشكلته أو سوء حظه هذه المرة، أنها إصابات طويلة الأجل، والحل العاجل والسريع؟ الضغط سريعا على تشيكي بيغرستين، لتدعيم صفوفه بصفقة أو اثنتين في الميركاتو الشتوي، منها بديل طوارئ لرودري، بالإضافة إلى عمله الشاق في إعادة تحفيز المتخاذلين ومن يحاولون استعادة مستواهم، حتى يتخلص من صداع التشبع الواضح لدى اللاعبين من كثرة الألقاب في السنوات الماضية، والبحث عن حلول تكتيكية بسيطة، مثل إعادة غفارديول إلى مركز المدافع الثالث أو شيء آخر من هذا القبيل، من أجل تحريك المياه الراكدة في الجزء السماوي لعاصمة الشمال، فهل يا ترى ستكون البداية بقلب الطاولة على متصدر البريميرليغ ليفربول في معركة اليوم التي سيحتضنها ملعب «الآنفيلد»؟ أم ستكون الضاربة القاضية لحظوظ السيتي في المنافسة على اللقب قبل فترة أعياد الميلاد؟ هذا ما سنعرفه في المساء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية