” الفلسفة تضفي الحقيقة على موضوعات المعرفة فهي علة العلم والحقيقة ”
أفلاطون
من الواجب أن نعترف بأن الفلسفة عمياء بدون إبصار العينين وتعقل العقل لماهيتها، فهي تغدو بلا استقرار وكأنها عدمت أرض الحقيقة تبحث عن ضوء النهار لتهرب من أشعة الليل الخافتة التي تحجب الأشياء الجميلة ، وبواسطة الروح الإنسانية ترى وتعقل الجميل في ذاته والخير نفسه ولعل هذا ما نسميه بماهية الفلسفة، أي العقل، فهل لهذه الماهية ماهية؟ وما جدوى امتلاك كل شيء إن لم تكن الفلسفة ماهيتنا؟ بل ما قيمة معرفة كل شيء إن لم نكن نعرف الحكمة والجمال؟ .
اذا كان معظم الناس يرون في الحكمة شراً وفي اللذة خيراً على حين أن الخاصة يرون بأن المعرفة هي الخير لأنها تقود الروح نحو محبة الحكمة، فإن طباع العامة مجرد قماش معد لرسم صورة زائفة للحياة، هكذا يتم حرمانهم من اتصال العقل بالمعقول ويتجه نظرهم نحو عالم المحسوس فقط، أما الفلاسفة الذين أدركوا ان الطريق المؤدي الى السعادة لا بد أن يمر عبر جسر الفلسفة، لكن باي معيار يمكن التمييز بين الفيلسوف وغير الفيلسوف؟ بل من هو الفيلسوف؟
يحدد أفلاطون ماهية الفيلسوف قائلا : “فإن الفيلسوف هو الذي يحيا في صحبة العقل الفعال ولا يستطيع أن ينجو من تحامل الناس”، فبمجرد ما يكتشفون سر هذا العاشق للحقيقة والوجود، فإنهم سيهاجمونه بكل طاقتهم، ولذلك يضطر إلى السفر في عالمه العلوي لكي يستريح من الشرور الناتجة عن غضب الجمهور، فالفيلسوف هو فنان يستخدم مهاراته ليرسم الجميل ومن خلاله يتوجه نحو الجمال باعتباره مصدر السعادة، ومن غير المعقول أن لا يجد مكانه في تلك المدن الجاهلة التي يسيّرها الجهال، لأنه في هذه الحال سيصبح مغتربا، خاصة وأن صفاته تظل غريبة على معظم الناس :” إنك تعلم أن صفات مثل سرعة الفهم وقوة الذاكرة والحكمة لا يملكها سوى الفيلسوف” .
ومهما يكن من أمر، فإن الحياة الخالية من التأمل حياة لا تليق بالإنسان، وبحكمته استطاع الفيلسوف أن يتأمل كل الفضائل في أبهر ضوء ممكن وبأرفع انواع المعرفة .
وبما إن الحقيقة هي هدف الفلسفة فإن التساؤل عن ماهية الحقيقة يرغمنا على الانتقال إلى دائرة الغموض والتي حاولنا الهروب منها، وإلا ما معنى استحالة الحديث عن الحقيقة بدون استحضار الماهية؟ وهل هناك حقيقة بدون ماهية؟ ولماذا الفلسفة من حيث هي فلسفة لا يمكن أن توجد بعيدا عن الحقيقة ؟.
ومهما يكن من أمر فإن السؤال عن ماهية الحقيقة هو أهم سؤال فلسفي لأنه يرغم الفيلسوف على الابتعاد عن كل الأشياء ولو كانت جميلة ويوجه نظره إلى أمر واحد وهو ذلك الذي يميز الحقيقة من حيث هي حقيقة؛ واذا ما وجد نفسه مضطراً إلى عشق الفلسفة فهل تظنه سيكون سعيدا ًدون عشق الحقيقة، بالرغم من أنها شاقة ومتعبة، وعلى اية حال فلن يقبل بازدواجية العشق إلا من كان مجنوناً بالحب، ومن غير المعقول أن يتفلسف الفيلسوف خارج مملكة الحقيقة ولذلك قال نيتشه ؛ احبك أيتها الحقيقة مهما كان الثمن، لأنها تقتل بل وتقتل نفسها حين تتعرف على الوهم كأساس لها .
فالفيلسوف الذي يحيا في صحبة الحقيقة يغدو حقيقيا إلى درجة أنه يحكي أسراره وأحلامه ومأساته اليومية، هكذا تصبح فلسفته هي نفسها حياته، لأنه حين كان نيتشه مريضا بدأت اخته تبكي ولمحها ليتساءل: لماذا تبكين ألسنا سعداء؟ مما جعلها تخفي دموعها وتبتسم من أجله. فهل يستطيع الفيلسوف ان يميز بين فلسفته وحياته الخاصة؟ فالفلسفة التي تعتمد على تلك المعارف المجرّدة هي دائما شوهاء وهي على أحسن الفروض حمقاء بدون مذاق كما هو الحال مع مجموعة من الاغبياء الذين يدعون التفلسف المنفلت.
لا يليق بأي كان أن يتحدث عما لا يعلمه وكأنه يعلمه، ولا يصح أن يدعي التفلسف وهو مخلوق قبيح غبي وشرير، بل وأعمى ويدعي بأنه يطلعك على أمور باهرة رائعة؛ لا شك أنه من المضحك أن يكون مدعي التفلسف في حاجة إلى من يصحح هفواته الكثيرة، ومعنى ذلك “فإن من كان بطبيعته جباناً وضعيفا ً لا يستطيع أن يسهم في الفلسفة الحقة بنصيب ” كما قال سقراط.
بل اكثر من ذلك إذا سمحنا لسقراط بتعريف الفيلسوف فستكون الصدمة هي مصير مجموعة من المدعين للتفلسف الذين قاموا باقتحام دارها وتلطيخ شرفها واحتلال وجودها هكذا نجد الشباب يشتكون من الفلسفة وغالبا ما يهربون منها، والصحيح ينبغي أن يشتكوا من هؤلاء المتآمرين على الفلسفة ، يقول سقراط: “بأن سهولة التعلم وقوة الذاكرة والشجاعة وكبر النفس هي الصفات المميزة للفيلسوف، فإذا اكتملت هذه الصفات لشخص إلا يكون منذ حداثته أبرز أقرانه، وخاصة إذا كانت صفاته الجسمية متماشية مع صفاته الروحية”.
الفيلسوف بالحقيقة هو من يتحدث بنفس الطريقة التي تتحدث بها الفلسفة، لأن كل منهما تحت تصرف الاخر، لأن هذا الانسجام او بالأحرى هذا التناغم هو الذي يجعل الفيلسوف يحب الحكمة، مندهشا بكشوفاته ومتنزها في مقاماته يقبل الأسر في الوجود وترياقه الحقيقة “هذا الانفعال اي الدهشة يميز الفيلسوف حقا وليس للفلسفة اصل سواه”، لأنه من خلال الدهشة يبدأ الفيلسوف التفلسف والصعود في سماء المدهش .
قال نيتشه ذات يوم “الفيلسوف هو إنسان لا يتوقف عن الحياة والشك وانه يحلم بأشياء رائعة “فهل هناك من روعة تضاهي الإقامة الشعرية في الفلسفة ومتعة الوجود؟ في صميم الوجود تنصهر كينونة الفيلسوف التي لم تعد تسمع سوى لنداء الحقيقة. هكذا أصبح الفيلسوف مجرد شيء يفكر “أنا شيء يفكر اي يشك يثبت ينفي يحب” بلغة ديكارت .
خلاصة القول أن الفلسفة رائعة ومعشوقة لذاتها، لأنها تصطحب نقاء السريرة والعدل تتبعها الفضائل ولا تستقر إلا حيث يلمع الرجال، إنها الوجه الاخر للحقيقة إذ ليست هناك حقيقة بدون فلسفة، كما أن الفلسفة تموت بمجرد موت الحقيقة، فكل الدول التي قتلت الحقيقة قامت باغتيال الفلسفة والشاهد على ذلك هذه الدولة .ومع ذلك نتساءل؛ ما الفلسفة؟ هل هي محبة الحقيقة؟ أم محبة الحكمة؟
كاتب مغربي