إعلان للجيش الإسرائيلي أول أمس عن وفاة ضابط المدرعات النقيب عُمر ناوترا في أسر حماس بقطاع غزة، يعيد تسليط الضوء على القضية الأكثر إلحاحًا أمام صناع القرار والجمهور الإسرائيلي: إنقاذ الأسرى.
تم إعلان وفاة ناوترا بعد تأخير استمر سنة وشهرين. مثل بعض الجنود الأسرى الآخرين، قُتل ناوترا في المعارك التي وقعت في 7 أكتوبر السنة الماضية، وتم اختطاف جثته إلى القطاع. ولكن عدد الأسرى الأحياء يتناقص أيضاً بسبب الظروف القاسية التي يعيشون فيها.
تقدر أجهزة الأمن الإسرائيلية أن عدد الأسرى الأحياء يصل إلى نحو نصف، أو أقل قليلًا من إجمالي عدد الأسرى. وفي العديد من الحالات، ثمة فرضيات منطقية حول وفاة أسير، لكنها فرضيات لم تؤكد بسبب نقص المعلومات. يُحذر المستوى السياسي صبح مساء من ازدياد عدد الوفيات بين الأسرى خلال الأشهر القادمة، حيث تتزايد المخاطر التي تهدد حياتهم.
فصل الشتاء، سيزيد من خطر الجوع والأمراض في الأنفاق، ومع غياب معلومات دقيقة عن أماكن وجود العديد من الأسرى، يزداد أيضاً خطر إصابتهم بقصف إسرائيلي عن طريق الخطأ.
ناوترا، مثل بعض الأسرى والقتلى الآخرين من هجوم حماس، كان مواطنًا أمريكيًا وجنديًا وحيدًا هاجر إلى إسرائيل للخدمة في وحدة قتالية.
في الأسبوع الأخير، ازداد التركيز على الأسرى الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وسط توقعات بأن الرئيس المنتخب ترامب قد يتدخل في الأزمة ويمارس ضغطًا على رئيس الوزراء نتنياهو لعقد صفقة قبل عودته إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني القادم.
يلمح ترامب بالفعل إلى أنه يفضل رؤية القضية محلولة قبل أن يضطر للتعامل معها شخصيًا. توقعات الرئيس الجديد، ووقف إطلاق النار في لبنان الذي أعاد الانتباه إلى غزة، والدعم الشعبي الواسع في إسرائيل لإبرام الصفقة – كلها تزيد من الضغط على نتنياهو للسعي إلى تحقيق نتائج في المفاوضات.
رأي المؤسسة الأمنية واضح: هناك فرصة جديدة لإعادة المخطوفين ويجب استغلالها قبل موت المزيد منهم أو اختفائهم في الأسر. بالإضافة إلى ذلك، هناك خطر من أن الإضرار بحكم حماس المركزي سيؤدي إلى انهيار داخلي كبير للغاية، ما سيؤدي إلى غياب جهة موحدة يمكن التفاوض معها أو الاعتماد عليها لتحديد مكان جميع المخطوفين الأحياء والجثث.
هذا هو سياق التوقعات المتفائلة التي تصدر عن محيط نتنياهو في الأيام الأخيرة بشأن تقدم محتمل في المحادثات خلال الفترة القريبة. هناك بالفعل بعض النشاط في المفاوضات، وربما يعود ذلك إلى مخاوف قيادة حماس، سواء في غزة أو الخارج، من أنها تُركت وحيدة في المواجهة.
مع ذلك، لم يُظهر نتنياهو أي مرونة إضافية من جانبه حتى الآن. وفي الوقت نفسه، يتعرض لضغوط من الجناح اليميني المتطرف في حكومته لعدم عقد صفقة تشمل الإفراج عن مئات السجناء الفلسطينيين المدانين بارتكاب جرائم قتل.
ما لم يوجه ترامب طلبًا مباشرًا لنتنياهو، فثمة شك أن يوقع رئيس الوزراء على الصفقة، نظرًا للضغوط الداخلية. وقد مرت سنة بالفعل مليئة بالوعود الزائفة.
تسييس متطرف
وافقت لجنة الوزراء للتشريع أمس على “قانون فيلدشتاين”، الذي يمنح الحصانة من الملاحقة القضائية لأفراد الأجهزة الأمنية الذين ينقلون معلومات سرية لرئيس الوزراء دون موافقة قادتهم.
هذا القانون ولد في سياق قضية اعتقل فيها إيلي فيلدشتاين، أحد المتحدثين باسم نتنياهو، ووجهت إليه لائحة اتهام. كما اعتُقل ضابط احتياط من الاستخبارات العسكرية لنقله معلومات سرية إلى فيلدشتاين.
حجة الدفاع عنهما أنهما أرادا إيصال معلومات استخباراتية حاسمة لنتنياهو تتعلق بمواقف حماس في المفاوضات حول المخطوفين.
في الواقع، كانت الظروف مختلفة. لم تأخذ الاستخبارات العسكرية المعلومات بجدية استثنائية، لأن معلومات أكثر صلة وصلت إليها خلال وقت قصير.
احتفظ فيلدشتاين بالمعلومات لأشهر طويلة، ولم يستخدمها إلا في أيلول الماضي، بعد اكتشاف جثث ستة مخطوفين قُتلوا على يد حماس في رفح.
لصد الغضب الشعبي المتجدد في حينه، الذي زاد الضغط على نتنياهو لإبرام صفقة المخطوفين التي قد تعقد وضعه سياسيًا، قام المقربون منه بتسريب المعلومات إلى صحيفة “بيلد” الألمانية، مع تحريفها وتجاوز الرقابة العسكرية.
يهدف التشريع إلى إرسال إشارة لفيلدشتاين بأن نتنياهو لم ينسَ المتحدث المعتقل ومعاناته. في البداية، عندما انكشفت القضية، حاول نتنياهو نفي أن فيلدشتاين كان يعمل لديه. لكن خلافاً لمزاعم الدفاع، لم تُخفَ المعلومات عن رئيس الوزراء، بل تمت تصفيتها وفقًا للأولويات.
في مجتمع الاستخبارات، خاصة في الاستخبارات العسكرية، يتم التعامل يوميًا مع آلاف التقارير من مصادر مختلفة. شبكة كاملة من الضباط تقوم بفرز هذه التقارير وتقرر ما سيصل منها إلى نسبة 1 في المئة التي تُعرض على رئيس الأركان؛ بينما يطّلع رئيس الوزراء على نسبة أصغر بكثير من هذه التقارير.
للسكرتير العسكري ومساعد الاستخبارات لرئيس الوزراء صلاحية الوصول إلى جميع أنظمة الحاسوب السرية، ويمكنهما إجراء بحث باستخدام كلمات مفتاحية لعرض أي معلومات ذات صلة لم تصل إلى رئيس الوزراء.
تسييس متزايد في تعامل الحكومة مع الجيش
ليس هذا هو المثال الوحيد على التسييس المتزايد في تعامل الحكومة مع الجيش. ففي الأيام الأخيرة، خضع وزير الدفاع إسرائيل كاتس، لضغوط من وسائل إعلام اليمين، وأمر بوقف خدمة الاحتياط لاثنين من مؤسسي حركة “إخوة السلاح” في وحدة تصنيف سرية هيئة الأركان.
تم تعيين كاتس وزيراً للدفاع أساسًا لإعادة تفعيل مسار يتجاوز المحكمة العليا كان قد وعد به نتنياهو لصالح الأحزاب الحريدية في قضية التجنيد. لكنه حاليًا ينشغل بالتصرف ضد جنود احتياط قدامى أعلنوا وقف تطوعهم احتجاجًا على محاولة الحكومة فرض تشريعات التحول القضائي بالقوة.
في غضون ذلك، يناقش المذيعون في القناة 14 المؤيدة لنتنياهو، إمكانية تفكيك وحدة هيئة الأركان الخاصة (سييرت متكال) وحتى تفكيك جهاز “الشاباك”. ويبدو أن “المذنبين الحقيقيين” في مذبحة 7 أكتوبر قد عثر عليهم.
النقاش الهستيري الذي يفتقر إلى الأساس الواقعي لا يقتصر فقط على معسكر نتنياهو؛ ففي الأسابيع الأخيرة ثارت ضجة كبيرة بعد الترويج لشائعة من قبل صحافيين وجنرالات بشكل مكثف. وزعمت الشائعة أن نتنياهو يخطط لتعيين اللواء اليعيزر توليدانو، رئيس الشعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي في السابق وسكرتيره العسكري، كرئيس للأركان القادم بدلاً من هرتسي هليفي.
توليدانو شغل عدة مناصب متتالية، منها قائد فرقة غزة، ثم قائد القيادة الجنوبية، قبل أن يتم استبداله قبل ثلاثة أشهر من هجوم حماس، ما يجعله أيضاً يتحمل بعض المسؤولية عن الإخفاقات التي أدت إلى المذبحة.
في الأيام الأخيرة، أوضح توليدانو لمرؤوسيه أنه لا ينوي الترشح لمنصب رئيس الأركان، وأنه يخطط للتقاعد من الجيش. هذا القرار يبدو ملائمًا في ظل الظروف الحالية. ومع ذلك، يبقى أن نرى كيف ومتى سيتحمل أعضاء آخرون في هيئة الأركان مسؤوليتهم، بينما يرفض نتنياهو تحمل أدنى قدر من المسؤولية عن الإخفاقات.
من غير المرجح أن تضع تصريحات توليدانو حدًا لهذا الجدل. بينما يستمر نتنياهو ومقربوه في التدخل في تعيينات الجيش، يُتوقع أن نشهد مزيدًا من الأخبار الكاذبة في وسائل الإعلام، على الأقل حتى يعلن هاليفي نفسه عن استقالته.
عاموس هرئيل
هآرتس 4/12/2024