رام الله -«القدس العربي»: تجاهلت وسائل الإعلام الرسمية الفلسطينية الانتقاد الحاد الصادر عن أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح”، الفريق جبريل الرجوب، للمباحثات الفلسطينية في العاصمة المصرية القاهرة بين “فتح” و”حماس” لتشكيل لجنة فلسطينية مجتمعية من أجل إدارة قطاع غزة بعد الحرب.
وكان الرجوب قد هاجم اللجنة حيث شدد على أن: “هناك ثلاثة أسس يجب أن نحافظ عليها وهي: وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ووحدة الجهاز الخدماتي للشعب الفلسطيني، ووحدة الفعل النضالي، وهو ما يجعل من أي حديث وأي جهد خارج هذه الركائز بمثابة خطأ، وأي استجابة لأي صيغة هي تكريس لهذا الاحتلال”.
وتابع في تصريحات نقلتها “القدس العربي”: “بحكو عن لجنة! لجنة شو؟ بديش (لا أريد) استخدم كلمة قاسية.. لكن أقول من الخطأ أن نقبل بمبدأ مناقشة هذا الموضوع.. لا إحنا ولا غيرنا”.
وشدد على أن “هذه اللجنة مقدّمة لتكريس الانقسام”.
وقال “أتمنى من إخواننا في حماس أن يقولوا: أهلاً وسهلاً بالسلطة وبالحكومة في غزة من أجل أن تتحمل المسؤولية، ونحن نتمسك بوحدة الأرض والنظام وأداة الفعل..”.
وكانت حركة فتح وحركة حماس قد اتفقتا على تشكيل لجنة تحمل اسم “لجنة الإسناد المجتمعي” لإدارة قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، فيما جرى الاتفاق النهائي على اللجنة بعد محادثات جرت في القاهرة على مدار ثلاث جولات تفاوضية حيث أعلن أحد طرفي الاتفاق القبول النهائي بالمسودة التي تم تسريبها لوسائل الإعلام، وهي حركة حماس.
وجاء في بيان حماس الرسمي والذي نشر يوم الخميس الماضي: “إن وفدها أجرى حواراً معمقاً مع حركة (فتح) حول تشكيل (لجنة لإدارة قطاع غزة) على طريق تطبيق ما تم التوافق عليه وطنياً من اتفاقات شاملة لتحقيق الوحدة الوطنية والإنهاء الكامل للانقسام وآثاره المتعددة”.
وأبلغ وفد “حماس”: “موافقة الحركة على المقترح المقدم من الأشقاء في مصر حول تشكيل لجنة الإسناد المجتمعي عبر آليات وطنية جامعة”.
وشدد البيان إلى أنه “أجرى لقاءات مع عدد من الشخصيات الوطنية والاعتبارية الفلسطينية الموجودة في القاهرة، حيث تم وضعهم في صورة اللقاءات التي تمت مع حركة (فتح) وموقف الحركة تجاه المقترح المصري في الإطار الوطني”.
وبعد نحو أربعة أيام من الإعلان عن التوصل إلى اتفاق على اللجنة لم تعلن القاهرة عن موقف رسمي بشأن نتائج رعايتها لجولة محادثات ثالثة بين الحركتين وذلك بعد جولتين أخريين في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر الماضيين، بشأن تشكيل “هيئة إدارية” لقطاع غزة. ويبدو أن هناك حالة من الانتظار أن يتم عرض الأمر على الرئيس محمود عباس؛ لإقراره، وإصدار مرسوم رئاسي بشأنه.
وتنص مسودة الاتفاق على الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية “الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية” القائمة على حدود 1967. والتأكيد على عدم فصل قطاع غزة عن الأراضي الفلسطينية وضمان التواصل بين جميع الأطراف مع السلطة الفلسطينية.
ونصّت الوثيقة المكونة من صفحتين، على تشكيل هيئة دعم وإسناد وطنية من الجهات المحلية، تتكوّن من 10- 15 عضوًا من الشخصيات الوطنية، لتقوم بإدارة قطاع غزة، وتكون مرجعيّتها الحكومة الفلسطينية، وتضطلع بكافة المجالات الصحية والاقتصادية والتعليمية والزراعية والخدمية والحيوية، وتعمل على تشغيل معبر رفح وفق اتفاقية 2005.
وستعمل اللجنة بما يشمل أعمال الإغاثة ومعالجة آثار الحرب والإعمار، وتتشكل بالتوافق الوطني ويصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسومًا بتعيين هذه اللجنة، وتمارس مهامها وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها.
ووضعت الوثيقة 6 محددات لتشكيل اللجنة، أولها الحفاظ على وحدة أراضي الدولة الفلسطينية المحتلة على حدود عام 1967 (الضفة الغربية ـ القدس ـغزة) والتأكيد على التواصل بين الحكومة الفلسطينية بالضفة الغربية واللجنة في غزة، وأن تتبع اللجنة النظام السياسي الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس، وألا يؤدي تشكيلها إلى فصل غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية، وأن يراعي تشكيل اللجنة اختيار عناصر وطنية فلسطينية مهنية من المستقلين والكفاءات لتنفيذ مهامها، والتواصل مع جميع الجهات المحلية في القطاع والتنسيق معها والاستفادة منها بما يخدم المواطن الفلسطيني، وتستمر اللجنة في القيام بأعمالها إلى أن يتم زوال الأسباب التي أدت إلى تشكيلها، أو إلى حين إجراء الانتخابات العامة أو اعتماد صيغة أخرى متوافق عليها وطنيًا، وذلك بتوافق وطني وبقرار رئاسي.
كما تنص على اختيار “عناصر وطنية فلسطينية مهنية من المستقلين والكفاءات لتنفيذ مهام اللجنة”.
وحسب مسودة الاتفاق، تتولى اللجنة “إدارة شؤون قطاع غزة وتكون مرجعيتها الحكومة الفلسطينية وهي مسؤولة عن كل المجالات الصحية والاقتصادية والتعليمية والزراعية والخدمية، وأعمال الإغاثة ومعالجة آثار الحرب والإعمار”.
وورد في المسودة أن اللجنة تتشكل من 10 إلى 15 عضوا من الشخصيات الوطنية ذات الكفاءات والمشهود لها بالنزاهة والخبرة والشفافية.
وتتولى اللجنة أيضا العمل في منافذ القطاع مع الجانب الإسرائيلي وإعادة تشغيل منفذ رفح بين غزة ومصر وفقا لاتفاق 2005 الذي أبرم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وينص على تشغيل معبر رفح ووجود مراقبين أوروبيين في الجانب الفلسطيني من المعبر.
الهيكل التنظيمي للجنة
وبالعودة للوثيقة المسربة فإن الهيكل التنظيمي للجنة يتكون من رئيس ونائب ومسؤولين لملفات المساعدات، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، ومسؤول الحكم المحلي، ومسؤول إعادة الإعمار ومسؤول للتواصل مع الجهات المحلية والمنظمات الدولية، إضافة لممثل عن هيئة المعابر.
وحسب المحلل السياسي هاني المصري فإن اللجنة التي ستشكل بمرسوم من الرئيس وغير واضحة المرجعية: هل هي الحكومة أم تتواصل مع الحكومة وتنسق معها، ولا وضع مؤسسات الحكم بما فيها الأمن التي كانت قائمة في قطاع غزة، ولا يشمل تفويضها الأمن ولا المال حيث سيشكل “صندوق دولي لإعادة إعمار غزة تشرف عليه الدول المانحة ويشارك فيه ممثل عن وزارة المالية الفلسطينية”.
ويرى المصري أنه، حتى اللحظة، لم يعلن الاتفاق رسميا، لأن وفد فتح سيعرض الأمر على الرئيس، “وهذا يدل أما على وجود نقاط خلافية أو على الأرجح أن الرئيس سيحاول أن يسوق الاتفاق عربيا ودوليا والأهم أمريكيا وإسرائيليا فلا قيمة له إذا لم يجد القبول، خصوصا بعد الأنباء عن وجود جهود أمريكية على أعلى المستويات لتشكيل لجنة لإدارة غزة لا علاقة لها بالسلطة ولا بحماس وستكون مسلحة ومترافقة مع قوة عربية دولية متعددة بمشاركة قوات أمريكية”.
وتابع المصري: “اللجنة بتقديري لن ترى النور. بدلالة انه لم يعلن عنها رسميا. لقد تم الإعلان عن توافق لكن من دون الإعلان الرسمي لهذا التوافق. فمسألة العودة للرئيس بالعرف الفلسطيني التشاور وهذا يعني غياب الترحيب، أما حماس فيأتي توافقها على مضض حتى لا تغضب المصريين”.
ويرى المصري أن اللجنة لا تحل شيئا، فما قيمتها من دون موافقة إسرائيل. وما قيمتها إن لم تكن جزءا من خطة للانسحاب؟
وتابع: “شخصيا غير متشجع للجنة، تبدو لنا أنها وسيلة لإدارة الانقسام وتعميقه، لكن الفرق إنها تأتي تحت إطار جديد”.
ويرى المصري أن فكرة اللجنة أقرب إلى “محاولة من جمهورية مصر لتقديم صيغة قد تجد القبول من إسرائيل والولايات المتحدة في ظل وجود مشروع لجنة أخرى وبمبادرة أمريكية على أن يكون مقرها بالقاهرة، وبقوة متعددة الجنسيات”.
وأكمل: “اللجنة الفلسطينية مشروع مصري مخفف، إنها أمر أو لجنة بين البينين”.
ويعيب المصري المتابع لجهود الحوار الفلسطيني-الفلسطيني بإنها تقفز على ما تم الاتفاق عليه في “إعلان بكين” الذي وقعت عليه جميع الفصائل الفلسطينية، ونصّ على تشكيل حكومة وفاق وطني من شخصيات مستقلة لها مرجعية وطنية التي لو شكلت لقطعت الطريق على مختلف سيناريوهات اليوم التالي المعادية، ومن خلال تفعيل وانتظام عمل الإطار القيادي الموّحد بشكل مؤقت إلى حين إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، عن طريق تشكيل مجلس وطني جديد عبر الانتخابات حيثما يمكن، وبالتوافق الوطني وفق معايير وطنية وموضوعية حيثما يتعذر إجراء الانتخابات.
ويرى المصري أن هناك رأيا يبدو له قدر من الوجاهة، يقول إن الوضع الخاص لقطاع غزة يقتضي اهتمامًا خاصًا ومركّزًا، ما يتطلب ترتيبًا جديدًا يستجيب لمتغيرات الأوضاع والاحتياجات الناشئة في قطاع غزة. وهذا الأمر يمكن تفهمه، وحتى العمل به، لنزع أي ذرائع يمكن أن تعيق الإغاثة وإعادة البناء والإعمار، خصوصًا أن وقف العدوان وانسحاب قوات الاحتلال لهما الأولوية وتحقيقهما من دون عملية إنقاذ شاملة تتضمن إغاثة عاجلة وإعادة بناء وإعمار سريعة لن يحول دون خطر الهجرة بل سيؤدي لها؛ فكيف يمكن البقاء في قطاع غزة وهو لم يعد منطقةً قابلةً للحياة إذا لم تكن هناك عملية إعمار كبيرة؟ ولكن أي ترتيب لإدارة شؤون القطاع يجب أن يتم في سياق يستعيد وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ووحدة الضفة والقطاع، وبعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني تحت سقف المرجعية الوطنية العليا وفق إعلان بكين، بحيث يمكن أن تشكّل لجنةً أو لجان لمعالجة آثار الكارثة التي حلت بشعبنا في قطاع غزة، بدون إيجاد إطار حكومي جديد منفصل عن الحكومة القائمة، وعلى جثة سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة.
ويشدد على أنه لا تزال الفرصة متاحة، وإن تأخر اغتنامها طويلًا، لإطلاق حوار شامل تنخرط فيه مختلف ألوان الطيف السياسي والمجتمعي، من فصائل وشخصيات مستقلة وممثلين عن المرأة والشباب والقطاع الخاص، من أجل التوافق على هياكل إدارة الحكم بشكل موحّد في الضفة والقطاع، مع إعطاء الأولوية لوقف العدوان والإبادة وانسحاب قوات الاحتلال وعودة النازحين قسرًا والإغاثة والإعمار والتوصل إلى صفقة تبادل أسرى جدية. وهو ما يفتح الطريق للتوصل إلى رؤية فلسطينية شاملة وموحدة تستند إلى إستراتيجية للعمل الوطني قادرة على مجابهة التحديات الكبرى التي يواجهها الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
وحسب جهات فلسطينية تم التواصل معها فإنه من المتوقع أن يترتب على التوافق (المبدئي وغير المعلن رسميا) على لجنة الإسناد المجتمعي وقفا لإطلاق النار، حيث تزايدت في الساعات الأخيرة أحاديث قرب التوصل لصفقة بين إسرائيل وحركة حماس.