ككل نهاية سنة تطل علينا المجمعات والهيئات الكبرى بتحليلاتها واستشرافاتها. أطل قاموس «أكسفورد» مثلا على متابعيه منذ أيام قليلة كاشفا عن «كلمة العام» والتي كانت من نصيب عبارة «براين روث» والتي أمكن ترجمتها إلى العربية كـ«تعفن للدماغ» محيلة إلى الحالة التي تصيب الكثير منا نتاج التعرض لموجات من المضامين السطحية، والتي غدت واقعا نتاج اجتياح الـ«سوشيال ميديا» لأدق تفاصيل يومياتنا.
لا يبدو «تفسخ الذهن» هذا حاملا لمعنى وحيد بين «طبقات البشر»، أو على الأقل بين الأوروبي والغربي عموما، والعربي وساكن الجنوب إجمالا.
«نوتردام» ومن بعدنا العالم
نادرا ما تزاحم المعالم أشخاصا على سوق التريندات، خارج أطر السياحة التقليدية. من يطالع أحوال الـ»سوشيال ميديا» هذه الأيام سيقف أمام سباق غريب. أثارت صور حضور الرئيس الأمريكي العائد حفل افتتاح كنيسة «نوتردام» الفرنسية الشهيرة الكثير من التفاعل، خصوصا في ظل ما تعيشه فرنسا من اضطرابات سياسية، وتساؤلات حول الأعراف الديبلوماسية وتقاليدها. ترامب لم ينصب بعد، وهو يحضر إلى جانب قليل من الوجوه السياسية الغربية للحفل الذي تجاوزت رسائله السياسية، تلك الثقافية المرجوة منه في الأساس. الحدث أثار استياء فرنسيا داخليا وتعليقات هازئة حول مجريات الحفل، التي اعتبرها جزءا من اليمين المتطرف حطا من قدر الكنيسة ومكانتها في التاريخ الفرنسي، علق البعض على «كرنفاليتها»، بدءا بالأورغ الذي أثار عزفه استغراب حتى رجل أمريكا القوي، كذلك أداء الممثلة الفرنسية الأشهر «ماريون كوتيار» لقصيدة للفرنسي «فيكتور هوغو» اعتبر مبالغا.
أردية الكهنة، وإن لم تكن آخر ما انتقده الفرنسيون، إلا أن اعتماد اللون الأصفر عوض الذهبي على لباس رجال الدين الرسمية، أثار الحفائظ، والتساؤل حول جدوى اعتماد ألوان «غوغل كروم»، حسب رواد السوشيال ميديا. علاقة ماكرون بدونالد ترامب، وخصوصية علاقة البلدين لم تكن غاية الطرفين الوحيدة. فتأكيد الرئيس غير المنصب حضور الحفل دفع «جيل بايدن» زوجة الرئيس المغادر للبيت الأبيض للاعتذار عن أداء إحدى آخر مهامها في تأكيد لجهوزية أهم مقاول على وجه الأرض، أما ماكرون فقد جعل الحفل فرصة جديدة لتأكيد قوته وهو يحضر من دون حكومة، بل مؤكدا بصمته على المعلم الأكثر شهرة في عاصمة الأنوار، إذ فرض ألوانا جديدة على زجاج بعض نوافذ الكنيسة التي رسخت مكانتها الجوهرية في المخيال الفرنسي مختلف الاحتفاليات الملكية والإمبراطورية عبر التاريخ، قبل أن يدمغها «هوغو» في المخيال العالمي الواسع من خلال إحدى أهم روايته التي تحمل اسمها.
قرار ماكرون النافذ جاء عكس تعليمات أعلى اللجان الفرنسية لحفظ التراث التي تمنع تحويرا بهذا العمق، واتخذ بذلك موقفا رفع من حالة الغضب العامة ضده في البلد، أياما بعد خطاب مقتضب، نفى فيه مسؤوليته عن حالة «الخراب السياسي»، مؤكدا أنه لن «يتزحزح» من منصبه قبل موعد انتهاء ولايته بعد سنتين.
رمزية بعث الكنيسة من جديد، تجاوزت علاقة الرجلين الذين يجمعهما العمل المشترك ووحدة المصير، وإن اختلفت التفاصيل (كلاهما التقيا خلال عهدة أولى، وسيعملان مع بعض في عهدتهما الثانية مع اختلافات بسيطة وجوهرية) إذ حاول ماكرون فرض أجندته الدولية ومن خلفها الأجندة الأوروبية من خلال دعوة فولوديمير زيلنسكي بغير تسويق كبير مسبق، في محاولة استباق حل «ترامبي» مؤيد قبل كانون الثاني/يناير موعد استلامه الرسمي للحكم. لكن تصدر الـ»نوتردام» للأخبار لم يدم طويلا.
صيدنايا: القهر في صور
تسارع الأحداث في سوريا وانقشاع «أبد» «الأسد» بسرعة خرافية، سرعان ما حولت الأنظار تجاه الشرق الأوسط من جديد، الفرحة السورية، قابلها حيرة وارتباك أوروبيان انعكست على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدرت فيه أخبار تعليق منح اللجوء لدول بعينها من بينها سوريا، استباقا لما قد تهب به رياح الأيام الآتية، منذرة بمصائر مشابهة لمصائر الغزاويين، إذ تبدو مصفوفة أخلاق العالم الحر وقد تغيرت أولوياتها.
فرح السوريين، الذي جاء متأخرا قرابة العقد، سرعان ما توارى أمام مشاهد «صيدنايا» الذي أصبح تريندا عربيا خلال ساعات قليلة، ومعلما قد يشاطر الـ»نوتردام» رمزية سرد التاريخ.
تشارك التفاعل حول قصص فظاعاته بين السوريين وغيرهم، حول سقوط الهارب ذكرى يومين بعد فراره فقط. المثير في التعليقات الكثيرة على مختلف الفيديوهات التي بثت مباشرة كانت الأسئلة حول معاني بعض الكلمات التي تنطق بمرادفات أخرى في بلدان عربية بعيدة، سرعان ما تحولت صور من نجا من «المسلخ» فسحة للتأمل فيما عايشه أبناء البلد الذين أخفقوا في معانقة المنافي.
لم يع الجزائريون مثلا أسباب فرحة السوريين المقيمين في البلد وهم يحتفلون في الشوارع، خصوصا أمام أخبار التوسع الإسرائيلي في الجولان ووصول داعشي سابق إلى سدة الحكم في البلد، وراحت كل التفاعلات تصب في هذا السياق، وإن صعدت أصوات مناوئة، وداعمة لفرحة السوريين المشروعة، خصوصا بعد انتشار صور السجن مرعب السمعة. توجس التونسيين بدا أكثر مشروعية وهم يتساءلون حول مصير أبناء البلد الذين سجنوا هناك لانتمائهم لجماعات إرهابية، والذين سيعودون للبلد الذي يواجه أزمات مسلحين بخبرات، وربما أجندات ستجعل البلد أكثر هشاشة مما عليه الحال.
فرحة المغاربة بسقوط طاغية دمشق، واستعراض المواقف الرسمية المناوئة للرئيس الفار، قابلها خوف محسوس لدى الليبيين الذين عبروا بصراحة عن خوفهم على مستقبل سوريا البلد والدولة، ومعهما مصير السوريين البسطاء.
«إنه الجزء الثاني من مسلسل كنا جزأه الأول»، «المشهد الليبي يعاد بحذافيره» علق بعضهم، «خروج من فترة ودخول في أخرى أكثر تكالبا على المصالح والنفوذ» كرر كثر، «نسأل السلامة للضعفاء» كان من أكثر التعليقات رواجا في البلد القريب البعيد، الذي لم يتمكن الإخوة الأعداء فيه من الاتفاق عقدا من الزمن بعد الانتفاضة الشعبية.
في بدايات موجات الربيع الأولى كثر الحديث عن دور وسائط التواصل الحديثة في تشجيع مناخ ديمقراطي في المنطقة العربية عموما، أنجزت الكثير من الطروحات حول الموضوع في الجامعات العربية والغربية، فشل جلها في تقديم تفسيرات مقنعة عن جوهرية هذا الدور، وفي رسم علاقة مع ديمقراطية عربية، حقيقية، ربما لأن المناخ الديمقراطي يستوجب في الأساس مؤسسات، وفكر دولة، ثم هندسة أنثروبولوجية تجعل الفرد العربي ينخرط جديا في الإيمان بانتمائه خارج منطق القبيلة والقومية، أما «تعفن الدماغ» فلن يشقى الفرد العربي في التعرض للكثير من المضامين الخاوية حتى يحس به، فتكفي صور «المكابس»، «غرف الملح»، السجناء الذين فقدوا عقولهم، ثم اختصار بلد في حكاية سجن وحيد، لتنوب عن كل ذلك.
كاتبة من الجزائر