الخبرة العفوية بالوجود في رواية «زوربا اليوناني»

تمثل الرواية فعل التخييل الذي يقود الحدث إلى معنى، ورواية «زوربا اليوناني» لنيكوس كازنتزاكي، تتكثف في أفق حركة وجودية مستميتة من أجل أن تقول الأنا هأنذا، من خلال عفوية خبرت العالم في مأساوية طاحنة، عرفت فيها كيف يكون الإنسان على علاقة مع العقل دون عقلانية، ومع الوجدان دون وجدانية، لكن العقل والوجدان حاضران في مسرحية وجودية تقع على خشبة العالم، الحركة المسرحية قائمة لكنها في مناخ الواقع المتاخم لتفاعل الكائن مع خفته وجوهره القابل للعطب كما هو قابل للعلاج، القابل للانكسار كما هو قابل للجبر.
بداية الرواية هي لقاء بين «أوغري» الشخصية أو الراوي العليم، الذي تتفجر تجربته على فضاءات القراءة والكتابة والحياة التي لا مدخل لها سوى ما فقهت من سر المعلومة، و»زوربا» الأمي الذي عرف الحياة من خلال الدربة والتجربة، أو الحفر في دروبها وصعابها، بمعول الكائن فيها القائم بكينونته الكائن فيها، أو بتعبير هيدغيري «الوجود في العالم»، فتح هذا اللقاء أقواس تجربة أخرى وجودية تعتمد اللقاء الحسي بالحياة، أو الخبرة بما هو موجود، ماذا تعنيه الأشياء ونحن نختبر علاقتنا بها خارج الفهم النظري لها؟ البداية كانت بتعبير الكلمات في الرواية: «ما أثارني فيه أكثر من أي شيء آخر، هو عيناه الحزينتان، القلقتان، الساخرتان والمتوقدتان. أو هذا ما بدا لي على كل حال».
هذا هو «زوربا»، الحزن والقلق والسخرية والتوقد، و»أوغري» يستدرك بهذا ما بدا له، لكن الأحداث سوف تثبت أن تلك العناصر هي ما يشكل شخصية زوربا، وهي العُدة التي تملأ جراب الضرب في الحياة لاستطلاع جوهرها الكامن في ملامستها عن قرب ومحبة.
إن البداية فعلا تكشف عن حياة/موت، حياة زوربا وموت أوغري (رمزيا)، هذا الأخير الذي سوف يكتشف أن ما يجب أن يعيشه يكمن خارج الأفكار والتلقي الجامد عن الكتاب، الحياة أكبر من أن تحصرها تجربة القراءة أو الكتابة، الحياة هي ما لفه زوربا في «صرة صغيرة مسطحة قليلا». ما بدا لأوغري وهو يرى زوربا ملصقا أنفه بزجاج باب المقهى، كان السطر في اللغة التي تختزن حركة الإنسان المطحون بالألم، ولكنه الألم النبيل، لأن «الأمية» سوف تقود «المعرفة» بحكمة تواصلها الحسي مع الوجود، المعرفة باردة إذا لم تعترك مفرداتها داخل جوقة الكرنفال الوجودي.
نهاية الرواية تفتح الستار على مشهد وجودي يعتصر كل الرواية في مقطع سردي، كما لو إن نيكوس كازنتزاكي، كاتب الرواية، كان شاهدا ورقيا تعتمل شخصيته التخييلية داخل فضاء الحدث الورقي، لكن الكاتب الواقعي يبدو إنه كان مصاحبا بوعي لشخوصه الورقية، لقد ترك زوربا وصية لأوغري مع زوجته: «تتوسل إليك الأرملة، إذا حدث ومررت بقريتنا، أن تكون ودودا بما يكفي كي تمضي الليلة في منزلها، وأن تأخذ «السنتور» معك حين ترحل في الصباح»، العبور عبر بيت زوربا ولقاء زوجته يقدم الدلالة على رمزية اللقاء الحسي بالعالم، فالمرأة الوحيدة في غياب الزوج وزمن الليل، باعتباره لحظة اللقاء، كل ذلك يحيل إلى لقاء الأضداد في توهجهما الحسي المدرك أساسا في الجمال والأنثوية، لكن «السنتور» باعتباره آلة النغم يحيل اللقاء إلى منبع لإنتاج المعنى.
يمثل عبور زوربا فضاء النص حركة عفوية تنتج المعنى حال اللقاء الفوري واللحظي مع الأشياء، أي أن زوربا لا يمتلك صبر المتأمل وزمنه الممتد في التفكير والنظر، العكس من ذلك، وكأن الأشياء تدفعه إلى الإفصاح عن مكنوناتها وفق علاقاتها العابرة والمتسارعة بالعالم، فالأشياء التي تبدو ثابتة، هي دائمة التغير والتحول، وزوربا يقبض عليها في حالاتها التحولية، ولهذا كان أوغري يندهش لتفاعل زوربا العفوي مع العالم.
تعارف أوغري وزوربا في المقهى وتوجها إلى «كريت» المدينة الحضارية العريقة للاستثمار في العمل المنجمي، لكنهما يفشلان في ذلك، ولكن خلال عملية الفشل المتواصلة عبر مشاهد الرواية، ينبثق انتصار بديل، هو الكشف عن أسرار العالم، والسؤال الممتد في وجودية قلقة حول مصدر المعرفة في العالم، العقل العابر عبر النص، أو العلاقات العفوية القريبة من العرفانية، أي هل عبر الكتاب أو التلقي العفوي للعالم؟
كان زوربا يرقص كلما انتابته حالة نشوة، فرح عارم بمتغير بسيط في اللحظة، وما سر الرقصة في المسار الحدثي، أو مسار ابتهاج زوربا؟ تعتبر رحلة زوربا الحدثية مجالا لترسيم حدود صوفية شفيفة تشتبك مع كل ما هو عقلاني لتجعل المدخل للفهم عبارة عن انزلاق طوعي في اللافهم، أي ليس عبر محاولة بسط المنطق وتشريح العلاقة وتفسير الوضع. ينخرط زوربا مباشرة في هدم منطق أوغري العقلاني المرتبط بالكتاب وبناء هيكل عفوي لما تبوح به الأشياء حين تتعرى من أشكالها، وهي اللحظة ذاتها التي يتعرى فيها الإدراك العفوي من تجريدات العقل وعلاقاته المنطقية. هذا الإدراك العفوي هو الذي انتهى إليه أوغري في نهاية المطاف وهو بعيد عن زوربا، إذ انخرط في تسجيل أقوال زوربا وأفعاله. تنفس أوغري روح زوربا: «ففي تلك اللحظة المحددة التي وضعت فيها المخطوط المكتمل في حضني، ورحت أنظر إلى البحر ملتحما بالشمس الغاربة، كنت على يقين أنني سأتلقى هذه الرسالة»، هو الحدس إذن، تستمر به رواية زوربا كحكاية، وتنتهي به أيضا عقلانية أوغري كحدث، هو إذن زوربا المعادل الموضوعي للحدس في تلقى العالم كمعرفة.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية