الإبداع النسوي العراقي في ضوء المنهج الثقافي: إشكالية المصطلح والخلط في المفاهيم

هناك مقولات مختلفة ومتضاربة حول ما يتعلق بمصطلح الأدب النسوي، وأسباب ذلك منها ما يعود إلى الهوية المعلنة، التي يعرضها هذا المصطلح في عالم الكتابة السردية، وما تفرضه بالتالي من مساءلة نقدية تذهب باتجاه التعرض لقضايا المرأة، التي تتناول موضوعات كثيرة لها صلة مباشرة بتطلعاتها وهمومها وما تعانيه من تهميش لكينونتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية، ولم يكن لموضوعة النسوية أن تطرح على طاولة البحث لولا نمو مستوى التعليم الذي شهدته المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، ونيل معظم البلدان العربية استقلالها، وعلى إثر ذلك بدأ الصوت النسوي يرتفع وإن كان بطيئا، سواء في الفعاليات الاجتماعية، أو في النسق الثقافي، وما يمكن الإشارة إليه أن الطرح النسوي بدا على قدر من الحضور المتميز في ما سمي بالأدب النسوي، الذي خضع في ما بعد لجدل نقدي تشير إليه الكتابات والدراسات والحلقات النقاشية، التي تقام هنا وهناك في المنطقة العربية، ومع كل هذا الجهد البحثي، لا يزال، على ما يبدو، مصطلحا مبهما بعض الشيء، لم يتم الاتفاق على تحديده نظريا.

خطاب ينشغل بالمرأة

في إطار هذا السياق من الجدل والقراءات للأدب النسوي كمصطلح ومفهوم قابل للنقاش بشكل عميق وموسع، جاءت الندوة التي أقيمت ضمن مهرجان جواهريون الذي أقامه اتحاد الادباء والكتاب في العراق في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024، تحت عنوان (الإبداع النسوي العراقي) تولى إدارة الجلسة الناقد علي سعدون الذي افتتح الندوة قائلا «من البديهيات أن الأدب النسوي يهتم بقضايا المرأة، بقطع النظر عمن يكتب هذا الأدب، سواء كان امرأة أو رجلا، فالمهم أنه خطاب ينشغل بقضية المرأة، هويتها واسئلتها الوجودية، وهذا الموضوع يقع في صميم الدراسات الثقافية والنقد الثقافي، لأنه يتجه بقوة إلى دراسة النسق بكل ما يحمله من عمق واتساع، وأضاف أن هذه الرؤية يؤمن بها كتاب كثيرون، ويناهضها عدد من النقاد والباحثين العرب والعراقيين، ومعلوم أن هذا المصطلح لم يتم تداوله عربيا بشكل واسع إلاّ مطلع سبعينيات القرن الماضي، أما عراقيا فلم ننشغل به إلاَّ بعد عام 2003، فمسألة كسر التابوهات، الذي يعمل الخطاب الأدبي والنقدي على بلورته ودفعه إلى الأمام، لم يبدأ إلاَّ عام 2003، ولم يسبق هذا التاريخ أي كسر للتابو في موضوع الشعر والرواية أيضا.
ثم طرح السعدون سؤالا: لماذا نقرأ موضوعة الأدب النسوي والنسوية في ضوء النقد الثقافي؟ وفي معرض محاولته الإجابة على سؤاله يجد أن منهج النقد الثقافي. كان صوته عاليا في هذا الموضوع، فعلى سبيل المثال، قبل ثمانية أعوام قدم أحد نقادنا العراقيين ورقة نقدية ناقش فيها تجربة علي بدر الروائية وموضوعته المركزية التي تتجلى في معظم رواياته، والتي تدور حول المثقف المأزوم والمهزوم وقضية المرأة.

لماذا هذا التوصيف

أول المتحدثين في الندوة كان سمير الخليل الذي قدم ورقة نقدية بعنوان «هدية حسين وفاعلية إنتاج السرد الروائي النسوي: دراسة في ضوء النقد النسوي». وفي معرض ما طرحه الخليل، أن هناك إشكالية في موضوعة مصطلح الأدب النسوي، معللا ذلك بأن نقادنا ودارسينا يجتذبون المصطلح من حاضنته الفلسفية والنفسية، ويتبنونه بلا وعي كاف للمفهوم، وسبب ذلك، من وجهة نظره، يعود إلى أن الترجمة لدينا عبارة عن نشاط فردي وليس مؤسساتي، إذ لا توجد مؤسسة أكاديمية تتبنى ترجمة المصطلح، ثم توقف عند قضية النقد النسوي فمصطلح النقد النسوي، كما يرى الخليل يمثل إشكالية كبيرة، حيث أن النقد النسوي يرتبط بالنقد الثقافي، والنقد الثقافي تبنى الحركة النسوية والأدب النسوي والنقد النسوي، وفي ظنه فإن هذا المصطلح يعاني من إشكالية كبيرة، ففي أوروبا عندما ظهر كان يعني أن كل ما يكتب عن أدب المرأة يعتبر نقدا نسويا، حتى إن كتبه الرجال، وهذا باعتقاده يعد خروجا على المصطلح وطبيعته، ولهذا لا بد من طرح السؤال الآتي: إذا كان ما يكتبه الرجال عن النساء يعد نقدا نسويا، فلماذا إذن هذا التوصيف؟ فتوصيف النقد بالنسوي يعني أن المرأة تريد خصوصية له، وتريد اهتماما خاصا، فإذا كان كل ما يكتبه الرجل عن المرأة يعد نقدا نسويا، أو ما تكتبه المرأة عن المرأة نقدا نسويا، فهذا يعني أن هناك خلطا واضحا في المفاهيم، فالجميع اتفق على أنه كل ما يكتب عن المرأة هو نقد نسوي، ويواصل الخليل تساؤلاته قائلا، لو حاولنا معرفة لماذا أعطيت صفة النسوية للنقد والأدب النسوي، فإن الإجابة واضحة ألا وهي إعطاء هذه الخصوصية، لكي تتميز المرأة بشيء خاص بها، وإلاَّ فإن ما لا يمكن الاختلاف عليه أن الأدب إبداع عالمي، إنساني، ولا يوجد شيء ذكوري ونسوي، لأن الجميع مبدعون، لكن المرأة أرادت أن تضع لمسة خاصة بها، وهناك من يرى بأن خيال المرأة مختلف، وذاكرتها مختلفة ورؤيتها مختلفة». ويخلص الخليل إلى ما يلي: إذا كان النقد النسوي هو كل ما يكتب عن المرأة حتى إن كان من الرجل نفسه، فتلك مشكلة، على سبيل المثال، عندما تكتب أحلام مستغانمي رواية عن رجل، فماذا نسميها؟ وعلى ذلك فالرأي الذي توصل إليه الخليل، يؤكد أن المناط للإبداع، بمعنى ما تكتبه المرأة أدب نسوي، وما تكتبه المرأة من نقد هو نقد نسوي، أما غير ذلك فلا يسميه نقدا نسويا، لأن ذلك سيؤدي إلى خلط الأوراق، فيخرج الرجل من الباب ليدخل من الشباك. بالنتيجة يرى الخليل أن هناك نوعين من النقد النسوي، الأول نقد نسوي تكتبه المرأة من زاوية نقد أدبي فني، والثاني نقد نسوي تكتبه المرأة من زاوية ثقافية خالصة. وهنا يطرح الخليل سؤالا، ما ميزة هذا عن ذاك؟ وكانت إجابته، أن الميزة الأساسية هي أن النقد النسوي الثقافي يهتم بالثيمات ولا يهتم بالقضايا الفنية، لأن النقد الثقافي جاء حتى يزيل ما يسمى بالتجميلات البلاغية في النصوص، حتى يصل إلى مستواها الداخلي. وخلاصة ما أراد الخليل قوله، إن مصطلح النقد النسوي يجب إعادة النظر فيه، ومن المهم أن يعطى للنقد النسوي خصوصيته ضمن توصيفه الموجود.

امتدادات المصطلح

أما عبد العظيم السلطاني وما قدمه من بحث حول موضوعة النسوية في الأدب فقد جاء من خلال مقاربة نقدية أجراها على آخر نص شعري كتبته الشاعرة بشرى البستاني، وأوضح السلطاني أن النسوية كمصطلح ثقافي له امتدادات تجسدت في الأدب والسياسة والنقد والاقتصاد، وفي مختلف العلوم التخصصية مثل، علم الاجتماع وعلم النفس. وأضاف أن النسوية بمعناها الشامل هي مظلة لكل الجهود والتوجهات التي تتناول قضايا المرأة، وما أصابها من تمييز جنوسي عبر التاريخ، وفي مختلف المجتمعات، وهي ليست مقتصرة على مجتمع معين. وأن هناك من يطلق مصطلح النسائية بدلا من النسوية، لكنه يجد أن مصطلح النسوية الأدق في التعبير، لأنه يعبِّر عن قضايا المرأة، سواء كان الكاتب رجلا أو امرأة، على اعتبار أن الأدب نشاط تخييلي، حسب الناقد تيري أيغلتون، فمن هذا المنطلق يكون الرجل قادرا على التعبير عن قضايا المرأة رغم خصوصية بعض الأمور التي لا يشعر بها الرجل، مثل قضية الحمل والإنجاب. واستطرد السلطاني في تفكيك المعنى، مؤكدا أن مصطلح النسائية هو ما تكتبه النساء، أما النسوية فهي المظلة الشاملة التي تتحدث عن المرأة وقضاياها برؤية ثقافية، ثم قدم السلطاني مصطلح النسوية الشاملة، باعتباره اجتراحا ذاتيا من عندياته، ولتوضيح ما يقصده بهذا المصطلح أشار إلى أن موضوعة النسوية شهدت موجات مختلفة على المستوى التاريخي والجغرافي، فهناك مثلا ما يسمى بالنسوية التي أطلقت قبل عام 1968 بعد تظاهرات الطلبة في أوروبا، وهو ما عرف بمصطلح ما بعد البنيوية، أو ما بعد الحداثة، وهذه أصبحت تسمى ما بعد النسوية، وأصبح ما قبلها يسمى ما قبل النسوية، ولهذا طرح السلطاني مصطلح النسوية الشاملة، على اعتبار أنه يقصد أن تناول موضوعة النسوية بمعناها الشامل الذي يجمع ما قبل النسوية وما بعد النسوية، وأضاف في هذا السياق، أن مفهوم النسوية يختلف في أمريكا عنه في أماكن أخرى من العالم، فهنالك تنوع تاريخي وجغرافي يفرض نفسه في هذا المجال، ولتعزيز هذه الفكرة توقف عند أبرز ما جاء في قراءته لنص البستاني لتبيان كيف تجلى النسق الظاهر والنسق المضمر في النص، وخلص بقراءته إلى أن النسق الثقافي المحرك لخطاب نص البستاني هو الانصياع لقوة الواقع الاجتماعي، الذي أفضى إلى تقييد المرأة، وكان هذا هو العمود الفقري المحرك لأنساق الخطاب، بمعنى ثمة حضور لبنية ثقافية دينية نسقية محركة لنوع الرؤية الثقافية المعبَّر عنها بخطاب النص، وهي التي تعمل كمصد لأي نسق خارج عنها، وبالنتيجة فإن النص يستند إلى وعي اجتماعي ديني عصي على تصورات النسوية العالمية المتحررة من الوعي الديني والاجتماعي المحافظ، رغم اطلاع الشاعرة على أدبيات ما بعد الحداثة.

سورلوجيا النقد النسوي

أما حازم هاشم، فقد طرح بحثا بعنوان «سورلوجيا النقد النسوي نسق التغافل ونسق المحاباة «والسورلوجيا، كما أوضح هاشم مفهوم نقدي أنتجه حراك ما بعد الحداثة، يتعلق بطبيعة صورتنا الثقافية، وقد تم تقعيده خارج نطاق مشغل ثقافتنا العربية. وفي هذا الإطار أوضح هاشم بأن السورلوجيا تحولت عند مدام دوستيل إلى كيف تتشكل الصورة قبل أن تبدأ؟ وما هي الأنساق التي تخلقنا في رؤيتنا للآخر؟ بمعنى أنها من المباحث النقدية التي عنيت بدراسة الصورة الثقافية، رصدا وتحليلا، والصورة الثقافية تحملها وتكونها الشعوب عن بعضها بعضا في سياق شروط موضوعية. وفي ما يتعلق بالأدب النسوي ذَكَر الهاشم أن له مفهوما بسيطا شائعا، يرى أن كل ما تكتبه النساء أدب نسوي، وهناك فهم آخر أعمق، يرى أنه متبنى فكري وثقافي وإنساني أنتجته الثقافة الغربية في قضايا المرأة، التي قد تبرز على السطح، وفي كتابات النساء أو في كتابات من يكتبون عن النساء.
حمزة عليوي قدم وجهة نظره من خلال البحث الذي تناول فيه الكتابات القصصية للكاتبة ميسلون هادي، وملخص ما قاله، إن نصوص الكاتبات العراقيات لم تكن مشغولة بموضوعة النسوية وقضاياها، التي وردت في مجمل البحوث التي طرحت في المؤتمر، فالنصوص هي المحك وليس القراءات النظرية التي تُفرض على النصوص قسرا.
ختام الجلسة كان مع سامي شهاب، في بحثه المعنون «نسق الاستطراد في شعر الشاعرة بشرى البستاني»وقد خصص مدار البحث عن النسق، مستعينا برأي عبد الغذامي الذي يؤكد أن هناك نسقين داخل أي نص إبداعي، نسقا ظاهرا، ونسقا مضمرا، وهناك أيضا الاستطراد الذي هو أسلوب من أساليب التعبير المهمة التي جاء بها الجاحظ، ومن هذا المنطلق وجد سامي شهاب في ديوان «أندلسيات لجروح العراق» نسق الاستطراد بعد أن قدّم قراءة نقدية لمقاطع من النص الشعري للشاعرة البستاني.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية