دمشق- “القدس العربي”: في أول جمعة بعد إسقاط نظام الأسد، عمّت المظاهر الاحتفالية كل المدن والمحافظات على امتداد الرقعة السورية، يهتفون للحرية الأبدية دون خوف أو قيود، مكررين شعارات الثورة السورية التي اندلعت قبل ثلاثة عشر عاما، وفي جمعة النصر نزلت حشود غفيرة إلى ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق، للمرة الأولى في مظاهرة جامعة مثلت كل المدن والبلدات كونها منتهى الثورة التي اكتملت عندها حرية الشعب السوري بعد أكثر من عقد من الزمن.
وحاول المتظاهرون منذ بداية الثورة الوصول إلى ساحة الأمويين المحصّنة بوزارة الدفاع وقيادة الأركان العامة وأكاديمية الطيران وغيرها من الثكنات الأمنية والعسكرية، لكنهم أخيرا وصلوا بعد ثلاثة عشر عاما مرددين “الشعب يريد إعدامك بشار” بينما كانت تقتصر المظاهر الاحتفالية هناك على المسيرات المؤيدة لبشار الأسد وشعارات إلى الأبد.
وفي مشهد بهيج فاضت ساحة العاصي بالآلاف من الحمويين الذين رددوا بملء الحناجر وراء القاشوش الذي انتفض حيا من جديد بصوته بين الجموع، ونادوا بأعلى صوتهم “بدنا إعدامك بشار” في حالة استثنائية من الفرح تنطوي على كثير من الألم والجراح في هذه المدينة التي أنهكها نظام الأسد على مدى أكثر من 50 عاما، عندما اقتحمت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد مدينة حماة وأجهزت بأبشع المجازر وأكثرها دموية على 30 ألف مدني، وهجرت أكثر من ذلك، ليعيد الأسد الابن تلك الذاكرة الوحشية عام 2011، لكنهم وأخيرا خرجوا في جمعة النصر ليعبروا عن فرحتهم بالخلاص من الأسدين ونهاية حقبة الاستبداد.
وفي محافظة اللاذقية، التي تعتبر إحدى معاقل وقلاع الأسد وقيادات جيشه الذين ينحدرون من مدينة القرداحة وقادوا على مدار عقود أبرز المفاصل الحساسة في الدولة وأفرع الأمن والجيش، عبّر أهالي المدينة في ساحة الشيخ ضاهر عن فرحتهم بحلم لم يكن من السهل بالنسبة لهم أن يتحقق، ونادوا بوحدة الصف وحرية السوريين.
ومن منصة الساحة وأمام حشود المدينة التي تتميز بمزيج طائفي متنوع فهناك المسلمون السنة والعلويون والمسيحيون وأقليات كردية وتركمانية وإسماعيلية وأقليةأرمنية، خطب المطران الأول وعبّر عن أمله ببناء “سوريا أرض النور والحرية” كما دعا مشايخ المسلمون السنّة إلى إعادة الإعمار وعودة الطلاب إلى جامعاتهم ومدارسهم والموظفين إلى أعمالهم دون خوف، وخاطب ممثل الطائفة العلوية أهالي اللاذقية وأبناء الوطن، مؤكدا بأن الطائفة تتبرأ من الأخطاء التي اقترفتها عائلة الأسد والعائلات التي دعمتها وتعاونت معها، ودعا أبناء سوريا إلى التسامح والعيش الكريم المشترك.
وعبّر الأهالي في ساحة الشيخ ضاهر التي احتشدوا فيها من كل الطوائف للمرة الأولى عن فرحهم بزوال تلك الحقبة، مكررين الأغاني القديمة وحاملين علم الاستقلال الذي تبنته الثورة السورية كعلم رسمي للبلاد.
وشهدت ساحات ادلب “أم الثورة”، والتي انكفأت إليها هذه الثورة لسنوات طويلة، واحتضنت ملايين المهجرين والنازحين من كل المحافظات، وقدمت لهم يد العون، خرج أبناؤها اليوم بالآلاف في جمعة النصر حاملين أعلام الثورة وشعاراتها، مؤكدين على أن السوريين، أمسكوا بداية الطريق على أمل صناعة بلد ديموقراطي مدني تعددي.
وفي مدينة حمص، عاصمة الثورة تدفقت الحشود البشرية من كل حدب وصوب، ليعيشوا نشوة النصر، في ساحة الساعة، حيث السواد الذي لا يمكن رؤية نهايته على مد البصر، قادمين من كل المدن والقرى التابعة لأكبر المحافظات السورية، منظمين كالعادة يرقصون على صوت ابنهم الشهيد عبد الباسط الساروت الذي وحّد الملايين حول أهازيجه وليصدح صوته مرة أخرى بين أهله جنة جنة.
وتكللت ساحة سعد الله الجابري وسط مدينة حلب باحتفالات نزل إليها الأهالي بعد تأمين الساحة من كل جهاتها من قبل عناصر الأمن العام والجيش الوطني، حفاظا على الأمن والسلامة، وأقيمت أكبر المظاهرات التي رددت فيها الحشود شعارات الحرية، متأملين أن تكتمل حريتهم بدولة مدنية ديموقراطية تحفظ كرامة الأهالي على اختلاف تنوعهم وأطيافهم.
وفي مدينة السويداء التي لم تكلّ يوما، منذ نحو عامين، وهي تطالب عبر حراك سلمي مدني حضاري، بإسقاط نظام الأسد. نزل الآلاف من أهالي المدينة، واحتشد القادمين من كل القرى المحيطة، في ساحة الكرامة التي توحد فيها الصوت وعلت فيها الهتافات الباكرة، رافعين شعارات الثورة الأولى ليعبروا عن فرحهم بيوم النصر. كما توجه العشرات من ساحة الكرامة إلى محافظة درعا للمشاركة في احتفالات النصر في الجمعة الأولى.
وهناك في درعا القريبة، حيث انطلقت شرارة الثورة، احتفل الأهالي في ساحة المسجد العمري صاحب الرمزية الكبيرة، والتي شهدت ساحته كل الاعتصامات السابقة، بينما كانت قوات النظام تقتحمها في كل مرة، لتعيث بأبناء المنطقة قتلا واعتقالا.
وفي جمعة النصر توّج السوريون فرحتهم بانعتاقهم من سطوة النظام الأسد، وخرجوا بمختلف الشرائح، بمشاعر الفرح والتبريكات وأهازيج رموز الثورة وأيقوناتها، معبرين من واقعهم الذي ينطوي على كثير من آلام المرحلة الماضية ومآسيها، ويحملون في ذات الوقت الكثير من الآمال بدولة مدنية تعددية ديموقراطية، مؤمنين أنهم مقبلون على عهد جديد يحتاج إلى تضافر كل القوى والجهود، بعد نصف قرن وأكثر من تحكم الديكتاتورية بمصيرهم.
وكان قائد إدارة العمليات العسكرية في سوريا أحمد الشرع، دعا في بيان الجمعة، السوريين إلى الخروج إلى الساحات للاحتفال بانتصار الثورة وبدء مرحلة بناء سوريا، حيث ظهر لأول مرة بلباس مدني.
وقال الشرع في مقطع قصير مصور: “أود أن أبارك للشعب السوري انتصار ثورته، وأدعوه للنزول إلى الميادين للتعبير عن فرحته دون إطلاق الرصاص وترويع الناس ثم بعد ذلك نتجه إلى بناء هذا البلد”.
وفي الأثناء، تسلمت “القدس العربي” بياناً من منظمة “اليوم التالي” التي تعرف عن نفسها بأنه منظمة “مناهضة للاستبداد وتدعم التحول الديمقراطي في سوريا، وتتبنى قيم حقوق الإنسان وفقاً للمواثيق والعهود الدولية” قالت فيه إنها تننظر بإيجابية إلى الخطوات التي اتخذتها السلطات الحالية لضمان الأمن واستعادة الاستقرار وتعزيز النظام العام وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. وشجعت على المزيد من التقدم في هذه المجالات، كما رحبت بتصحيح الأخطاء التي ارتكبت خلال هذه الفترة الانتقالية.
وحثت المنظمة بمناسبة حلول توقيت “اليوم التالي” السلطات على الانخراط مع جميع شرائح المجتمع السوري – الاجتماعية والمدنية والسياسية – في معالجة التحديات الحالية وتشكيل المستقبل. لا يمكن لأي كيان واحد أن يتعامل مع هذه المسؤوليات بمفرده. الشراكة الوطنية والانفتاح والشفافية والشمولية أمر لا غنى عنه.
وأفاد البيان: إن الانتقال من نظام استبدادي قتل وشرد الملايين، ودمر أجزاء واسعة من البلاد، وأفقر الأمة، ومزق نسيجها الاجتماعي بشكل عميق، عملية معقدة للغاية. وهي تتطلب جهود جميع المواطنين، المبنية على المساواة والشراكة، للتغلب على إرث طغيان الأسد. ونحن نعرب عن قلقنا بشأن العواقب المترتبة على الفشل في تحقيق هذه الوحدة، فضلاً عن تصميمنا على حمايتها.
وأضاف: ومنذ تأسيسها، دعمت منظمة اليوم التالي التحول الديمقراطي في سوريا، وعرضت استراتيجيات عديدة لمعالجة التحديات الانتقالية. وتشمل هذه الاستراتيجيات إصلاح قطاع الأمن، والحوكمة، والعدالة الانتقالية، والإصلاح القضائي والدستوري. وكما هي عادتنا، نحن على استعداد للمساهمة بخبراتنا ومواردنا في الجهود الوطنية الجماعية لتحقيق المستقبل الذي يستحقه السوريون.
واعتبرت المنظمة، أن الشعب السوري أسقط نظام القمع والفساد والوحشية، بعد أربعة وخمسين عاماً من طغيان عائلة الأسد، ويشكل هذا الإنجاز التاريخي مثالاً رائعاً على نضال الشعب من أجل التحرير، ويمهد الطريق لمستقبل أكثر إشراقاً. وأضافت “لقد تميزت رحلتنا نحو الحرية بدماء الشهداء، ومعاناة المعتقلين وعائلاتهم، وتضحيات النازحين، والجهود الدؤوبة لمقاتلي الحرية والناشطين السلميين والعاملين في المجال الإنساني والمثقفين من جميع أنحاء سوريا، الذين يمثلون وجهات نظر سياسية واجتماعية متنوعة. لقد كانت ثورة شعب عظيم، وهي ثورة يمكننا أن نحتفل بها بفخر باعتبارها إنجازاً وطنياً وتحريرياً”.
اليوم تواجه بلادنا مهام متشابكة تتلخص بحسب البيان، في مواجهة التحديات الراهنة، وتصحيح مظالم الماضي، وبناء مستقبل موحد. وتتلخص مهمة السوريين الحالية في استعادة الوحدة الوطنية وإقامة نظام سياسي ديمقراطي يضمن مشاركة جميع السوريين في صياغة مستقبل بلادهم. ويجب أن يبنى هذا النظام على أساس المساواة في المواطنة والحقوق والواجبات، مع سيادة القانون وفصل السلطات وحياد المؤسسات كمبادئ أساسية، واحترام الحريات العامة والخاصة، وكذلك حقوق الإنسان كما حددتها الاتفاقيات الدولية.
واعتبرت المنظمة أن الشعب السوري يحتاج الآن إلى ضمان أمنه واستقراره في قراه ومدنه، ومن الضروري حماية الممتلكات الخاصة والعامة، والحفاظ على مؤسسات الدولة، واستعادة النظام العام. وتشمل الأولويات العاجلة الكشف عن مصير المختفين في جميع مراكز الاحتجاز، والتواصل المسؤول مع عائلات المفقودين، وتهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية للنازحين إلى ديارهم وممتلكاتهم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إرساء الأساس لبرنامج وطني للعدالة الانتقالية أمر حيوي. كما يحتاج السوريون إلى خارطة طريق شاملة للحوار الوطني والمصالحة، فضلاً عن خطة انتقال سياسي واضحة تتوافق مع القرارات الدولية بشأن سوريا، بدءًا ببيان جنيف وانتهاءً بقرار الأمم المتحدة رقم 2254. ويتطلب هذا الانتقال دعمًا عربيًا ودوليًا قويًا.
وقالت: إن الشعب السوري شعب رائع، فهو أمة صامدة صمدت في وجه النضالات وتحررت من أحد أكثر الأنظمة قمعاً على مر التاريخ. إن الطريق أمامنا شاق وصعب، لكننا سننهض من بين الأنقاض ونعيد بناء بلدنا بكرامة وقوة، وسننجح من خلال الجهود المشتركة لجميع السوريين ونعمة الله.


