الاحتلال يغرق القدس في بحر من المراقبة والسيطرة غير المسبوقة

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

القدس-“القدس العربي”: ضاعفت شرطة الاحتلال، منذ السابع من أكتوبر الماضي، تركيب كاميرات المراقبة في أحياء شرقي القدس عامة، وبلدة سلوان خاصة، كان أحدثها تركيب وصيانة مجمع الكاميرات المقابل لمسجد “محمد الفاتح” في حي رأس العامود.
تكمن أهمية الموقع الأخير الذي رُكبت فيه الكاميرات، في إطلالته الواسعة على المسجد الأقصى والجزء الشرقي الجنوبي من سور القدس، كما أنه ينتصف طريق أريحا القديم الذي يؤدي إلى أحياء سلوان والطور وجبل المكبر ومنها إلى بيت لحم والخليل.
كاميرات شرطة الاحتلال المتطورة هذه تحتوي على تقنية للتعرف على الوجوه وهوية الأشخاص -حتى بين حشود كبيرة- وربطها بقاعدة بيانات ضخمة تحتوي على سجل تحركات، ومعلومات خاصة عن كل من يتم تصويره.
ولا تعكس التفاصيل السابقة إلا جزءا يسيرا من جبل الجليد، فمدينة القدس تعتبر أكبر مدينة في العالم تخضع تحت أنظمة الرقابة الصارمة والتي تتجاوز الرقابة المادية المباشرة إلى الرقابة الرقمية على الشبكات الاجتماعية وشبكة الإنترنت وصولا إلى تكريس سياسات الخوف والسيطرة.

أرقام مقلقة

وحسب آخر تقرير بحثي فلسطيني فإن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمراقبة والسيطرة الرقمية بلغت مستويات غير مسبوقة خلال العام الماضي (2023 – حتى اللحظة)، إذ شملت الاعتقالات الجماعية على خلفية أنشطة رقمية، والفصل التعسفي من العمل والمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى تعزيز الاعتماد على تقنيات متقدمة كأنظمة التعرف على الوجه، والطائرات المسيّرة، والتجسس. كما يعرض التقرير تأثير هذه السياسات على الحقوق الأساسية مثل الخصوصية وحرية التنقل والتعبير.
وأصدر مركز “حملة” تقريرًا جديدًا بعنوان: “تكثيف المراقبة في القدس الشرقيّة منذ تشرين الأول 2023” ليُسلّط الضوء على تصاعد سياسات المراقبة الإسرائيلية الرقميّة وتأثيرها على الحقوق المدنية والسياسية للفلسطينيين/ات المقدسيين/ات منذ السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023. يقدم التقرير نتائج مفصلة مبنيّة على 15 مقابلة مع مقدسيين/ات، بالإضافة إلى استطلاع رأي شمل 502 مقدسي/ة بين شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/اكتوبر من العام الحالي.
وأشار التقرير إلى أن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالمراقبة والسيطرة الرقمية تعززت بالاعتماد على تقنيات متقدمة كأنظمة التعرف على الوجه، والطائرات المسيّرة، والتجسس.
وكشف التقرير الستار عن أساليب المراقبة الجديدة التي تنتهجها سلطات الاحتلال إلى جانب تشديد السيطرة وتجريم الخطاب السياسي الفلسطيني للانتقاص من الحقوق المدنية للفلسطينيين والفلسطينيات وفرض حالة من الخوف وعدم الأمان في المدينة.
وعرض التقرير تأثير هذه السياسات على الحقوق الأساسية مثل الخصوصية وحرية التنقل والتعبير، فقد كشف الاستطلاع أن 37.4 في المئة من المُستطلعين أشاروا إلى انعدام الثقة الكامل بحماية خصوصيتهم الرقميّة، بينما أكد 65.3 في المئة أنهم يشعرون بالخطر عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فيما أفاد 25 في المئة أنهم يواجهون تغييرات كبيرة في قدرتهم على التنقل خارج المدينة. كما أظهر التقرير أن 70 في المئة من المُستطلعين يمارسون رقابة ذاتية على محتواهم على وسائل التواصل الاجتماعي خوفًا من المراقبة والانتقام.
وكشف التقرير أن القيود لم تقتصر على الفضاء الرقميّ فقط، بل أثّرت على حياة الفلسطينيين الاقتصادية والاجتماعية، حيث أجبر العديد منهم على ترك وظائفهم أو مؤسساتهم التعليمية بسبب القيود المفروضة على الحركة والمراقبة. بالإضافة إلى ذلك، وثق التقرير انتشار الخوف من المراقبة في الحياة اليومية، حيث أفاد 16.7 في المئة من المُستطلعين أنهم قلقون جدًا من التعرض للمراقبة، بينما قال 30.8 في المئة أنهم يشعرون بالقلق إلى حد ما.
وأوضح التقرير تصاعد استخدام تقنيات المراقبة الرقمية بشكلٍ ممنهج، بما في ذلك كاميرات المراقبة المزودة بتقنيات التعرف على الوجه، والطائرات المسيّرة، وخوارزميات التنبؤ بالسلوك “الإجرامي”. وقد استُخدمت هذه التقنيات لتبرير ممارسات مثل مداهمة المنازل والاعتقالات التعسفية، حتى إن لم يتم ارتكاب مخالفة جنائيّة.
كما بيّن التقرير أن عدد المعتقلين الفلسطينيين إداريًا وصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 1967 مع تزايد حالات التوقيف على خلفية منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأظهر التقرير أن نحو 57 في المئة من المقدسيين طرأ تغيير على تنقلاتهم خارج مدينة القدس بعد السابع من أكتوبر، و30 في المئة لا يشعرون بالأمان على الإطلاق أثناء التنقل، فيما رأى نحو 36 في المئة أنهم قلقون من مراقبة السلطات الرسمية الحكومية (الإسرائيلية)، فيما يشعر نحو 46 في المئة من المقدسيين بإنهم معرضون للخطر باستخدام الشبكات الاجتماعية، كما أشار نحو 70 في المئة من المقدسيين بإن المراقبة تؤثر على حريتهم في التعبير (إلى حد كبير، إلى حد ما)، فيما يشعر نحو 46 في المئة من المقدسيين بإنهم قلقون من مراقبة حياتهم اليومية (قلق إلى حدا ما وقلق إلى حد كبير).
وقال أحمد قاضي، مدير دائرة الرصد والتوثيق في مركز “حملة”: “هذا التقرير يُبرز تصعيدًا خطيرًا في ممارسات المراقبة التي تنتهك حقوق الإنسان الأساسية للفلسطينيين/ات في القدس الشرقية منذ تشرين الأوّل/اكتوبر من عام 2023. إن تكنولوجيا المراقبة تُستخدم بشكلٍ ممنهج لفرض القيود على حرية التنقل والتعبير والخصوصية والمشاركة الرقمية. ندعو المجتمع الدولي وشركات التكنولوجيا إلى تحمل المسؤولية ووقف انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة باستخدام تقنياتهم.”
وأوصى التقرير المجتمع الدولي بتعزيز آليات المساءلة تجاه السلطات الإسرائيلية والضغط لضمان امتثالها للمعايير الدولية المتعلقة بحماية الحقوق الرقمية وحرية التنقل والتعبير. كما يدعو التقرير إلى اتخاذ خطوات عملية من قبل المجتمع المدني لزيادة الوعي بانتهاكات الحقوق الرقمية، ودعم المتضررين قانونيًا، وتوثيق الانتهاكات بشكل منهجي. أما شركات التكنولوجيا، فيحثها التقرير على التأكد من أن تقنياتها لا تُستخدم لانتهاك حقوق الإنسان، والالتزام بالشفافية والمساءلة فيما يتعلق باستخدام تقنياتها في الأرض الفلسطينية المحتلة.

منظومة رقابة متطورة

وكانت منظمة العفو الدولية، قد قالت في وقت سابق، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستخدم منظومة متطورة للتعرف على وجوه الفلسطينيين في شرق القدس ومدينة الخليل أيضا، تُعرف باسم “الذئب الأحمر”، وهي مرتبطة بمنظومتين ثانيتين، إحداهما تُعرف باسم “الذئب الأزرق”، والثانية باسم “قطيع الذئاب”، مشددة أن هذه الرقابة تضيق الخناق على حياة الفلسطينيين، وتساهم في تكريس الفصل العنصري.
وأوضح تقرير منظمة العفو، أن تكنولوجيا التعرف على الوجه تدعم في شرق القدس شبكة كثيفة من كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة لإبقاء الفلسطينيين تحت المراقبة شبه الدائمة، معتبرًا هذه المراقبة “جزءٌا من محاولة متعمدة من جانب السلطات الإسرائيلية لخلق بيئة عدائية وإكراهية للفلسطينيين بهدف تقليص وجودهم إلى أدنى حد في المناطق الاستراتيجية”.
وقال تقرير منظمة العفو الدولية، إن هناك أدلة دامغة بأن “الذئب الأحمر” مرتبط بنظامَيْ مراقبة آخرَيْن يديرهما الجيش، الأول: “قطيع الذئاب”، وهي قاعدة بيانات واسعة للغاية تحتوي على كافة المعلومات المتوفرة عن الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك مكان إقامتهم وأفراد عائلاتهم وما إذا كانوا مطلوبين للاستجواب من جانب السلطات الإسرائيلية. أما النظام الثاني، فهو “الذئب الأزرق”، وهو تطبيق تستطيع القوات الإسرائيلية الدخول إليه عبر أجهزة الهاتف الذكية والأجهزة اللوحية، ويستطيع أن يعرض فورًا المعلومات المخزّنة في قاعدة بيانات “قطيع الذئاب”.
وفي القدس، تحديدًا بلدتها القديمة، تُشغل إسرائيل شبكة تضم آلاف كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة، تعرف باسم مَبات 2000. ومنذ عام 2017 دأبت السلطات الإسرائيلية على تطوير هذا النظام لتحسين قدراته على التعرّف على الوجوه، ومنح نفسها إمكانيات مراقبة غير مسبوقة.
وقالت منظمة العفو الدولية، إنها حددت أماكن وجود كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة في مختلف أرجاء منطقة مساحتها 10 كيلومترات مربعة في القدس الشرقية المحتلة، ومن ضمنها البلدة القديمة والشيخ جراح، وعثرت على كاميرا واحدة أو اثنتين في كل خمسة أمتار، مضيفة أن عدد هذه الكاميرات شهد زيادة ملموسة في الشيخ جراح وسلوان خلال مواجهات 2021.
وأكدت، أن التوسع المستمر للمراقبة في شرق القدس، يرسخ رقميًا نطاق سيطرة إسرائيل، ويساعد على التقدّم في تحقيق الأهداف الأمنية غير القانونية للمستوطنين في هذه المنطقة المصنفة بأنها منطقة محتلة وفق القانون الدولي.

تاريخ الرقابة في القدس

وكانت سلطات الاحتلال قد بدأت مُنذ عام 2000 نصب كاميرات المراقبة بكثافة في البلدة القديمة للقدس، ضمن مشروعٍ أمنيٍّ يُدعى “مباط”، وهو يهدف لردع الفلسطينيين وتخويفهم من مقاومته عبر “أعينه” التي تراقبهم باستمرار وتنتهك خصوصيتهم داخل منازلهم وأحيائهم، حيث توظف مخابرات الاحتلال بيانات الكاميرات خلال التحقيق مع الفلسطينيين والتدقيق في نشاطاتهم.
وتشير تقارير إلى أنه يوجد اليوم في البلدة القديمة حوالي 500-600 كاميرا مراقبة على الأقلّ، بمعدل 15 كاميرا لكل ألف فلسطينيّ يعيشون في مساحة 1 كم مربع فقط. وترتبط الكاميرات بمركز مراقبة يُشرف عليه أفرادُ الشّرطة على مدار السّاعة، ويتصلون بالمئات من عناصرهم في الميدان.
وبعض الكاميرات تستطيع تحليل ما تراه، حتى ليلاً، وتوثيقه وتسجيله، وقراءة اللوحات، وتشخيص الوجوه وربطها بقائمة “مطلوبين” لدى الاحتلال.
وفيما يعتبر الجزء الأكبر من هذه الكاميرات تابعا لشرطة الاحتلال، فإن جزءا آخر تابع لشركات أمن وحراسة إسرائيليّة، وأخرى تتبع بعض الوزارات.
وكان الاحتلال قد استغلّ أحداث هبّة القدس عام 2015 لتكثيف حضور الكاميرات وأبراج المراقبة خاصة في محيط باب العامود حيث يوجد هناك اليوم 40-60 كاميرا و3 أبراج مراقبة. وفي هبّة باب الأسباط 2017، أحبط المقدسيون مخطط الاحتلال لنصب بوابات إلكترونيّة وكاميرات إضافية (غير الموجودة أصلاً) عند بوابات الأقصى.
وتسعى منظومة الرقابة الأمنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى بناء منظومة سيطرة ورقابة أمنية فعالة لإحكام السيطرة على المقدسيين وإعادة إنتاج الفرد والمجموع المقدسي من جديد، بما يتناسب والرؤية الصهيونية والمتغيرات السياسية الداخلية والخارجية.
وحسب الباحث ياسين صبيح فإن المراقبة هي أحد أهم ركائز عمليات القمع ومحاربة الفعل المقاوم ومعاقبة حاضنته؛ فهي تعدّ جزءاً لا يتجزأ من أيّة منظومةٍ قمعيّةٍ، توظّفها السلّطة القائمة في فرض هيمنتها وسيطرتها على المجتمع، يعرّفها البروفيسور ديفيد ليون بأنّها الاهتمام الكثيف بالتفاصيل بهدف التأثير والسيطرة والإدارة والتوجيه والحماية. فيما اعتبر فوكو المراقبة الوسيلةَ التي توفّر للسلطة السيطرة بغرض تشكيل وإدارة المجتمعات.
ورأى ياسين في دراسة حملت عنوان: “القدس: منظومة الرقابة الاستعمارية ونقاطها الميّتة” أن تتبّع أساليب المراقبة التي اتّبعها المشروع الصهيوني بدءاً بما ورثته الحركة الصهيونيّة عن الإنكليز، والذين سهّلوا بدورهم عملها ومدّها بالدعم العسكري والمعلومات والتدريبات اللازمة. ومقابل استفادة الإنكليز من الاستخبارات الصهيونيّة والمخبرين العرب، استقت الحركة الصهيونية من الوثائق التي جمعها ووفّرها البريطانيون معلوماتٍ حول الحياة اليوميّة في فلسطين، من قوائم الضرائب وتفاصيل القرى والعائلات والمخاتير والوجهاء ورجال الدين، ومراكز القوى الاجتماعية والسياسية والإثنية والعادات والتقاليد، إضافةً إلى تفاصيل أعداد المواشي والمحاصيل الزراعية والإحصاءات السكانية والطبوغرافية. ساهمت هذه المعلومات، مع عوامل أخرى، في حسم حرب النكبة لصالح المشروع الصهيوني. كما سيطر العدوّ على أرشيف وسجلّات المخابرات الأردنية إبّان هزيمة حرب حزيران 1967، والتي احتوت على معلوماتٍ وبياناتٍ تفصيليّةٍ عن الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، سخّرها أيضاً في سبيل قمع المجتمع الفلسطيني وإدارته.
وشدد على أن المراقبة الحداثيّة اليوم هي امتدادٌ لعقلية المراقبة الاستعماريّة، وهي استمراريّةٌ للقديم بأدواتٍ حداثيّةٍ تتوافق مع ما تلبّيه الثورة التكنولوجيّة من قدراتٍ رقابيةٍ متقدّمةٍ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية