الناصرة-“القدس العربي”: يوجه مؤرخّان إسرائيليان انتقادات لاذعة لإسرائيل ويتهمانها بقصر نظر ومشاهدة المنطقة عبر فوهة البندقية فحسب فتفوّت فرصة استراتيجية في مجمل تعاملها مع الثورة السورية واستعداء السوريين. ويقول المؤّرخ الأديب آفي شيلون إن سقوط سوريا، إلى جانب وقف إطلاق النار الذي تمت المحافظة عليه أمام حزب الله الجريح، إلى جانب الأحاديث عن صفقة – جزئية كما يبدو- لتحرير المخطوفين من غزة، كلها أمور تضع إسرائيل للمرة الأولى، ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، في موقع تفوّق استراتيجي. كما يقول شيلون في مقال تنشره صحيفة “هآرتس” إن كان يبدو الوضع في بداية الحرب وكأن الحديث يدور بشأن حرب الأيام 1967 العربية، حين فقدت إسرائيل جزءاً من قوّتها بعد أن تمت مهاجمتها من الشمال والجنوب والشرق، فإن الأمور الآن يبدو أنها انقلبت، والسؤال الآن هو: “ماذا يمكن أن نفعل في ظل هذا التفوّق الاستراتيجي؟ بعد هذا التساؤل يرى شيلون أن إسرائيل كانت سابقاً أمام تفوق كهذا، لكن لم يتم استغلاله كما يجب: في 2011، بدأ الربيع العربي، الذي دفع إلى سقوط دول عربية، ووجدت إسرائيل نفسها كجزيرة من الاستقرار في منطقة مزعزعة، وحينها، غرق حزب الله في الحرب الأهلية السورية، وبدلاً من استغلال الوضع وضرْبه، فقد فضّلت إسرائيل الانتظار، إلى أن تمكّن من تعزيز قوته، وهاجمها في نهاية المطاف. ويمضي في نقده الارتجاعي: “كانت هناك أيضاً فرص كامنة سياسية في الربيع العربي، لكن بدلاً من الدفع قُدُماً بترتيبات مع الفلسطينيين عندما كنا في موقع قوة والعالم العربي ضعيف، فقد اختار نتنياهو أن يتفاخر حينها بما أطلق عليه اسم الجيل الذهبي لإسرائيل، واتهم معارضيه بأنهم نكديون. صحيح أن القضية الفلسطينية تراجعت إلى الهامش حينها، لكنها انفجرت في وجهنا لاحقاً وبوحشية في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وبذلك، تكون إسرائيل لم تستغل الربيع العربي لمصلحة مستقبلها أبداً، باستثناء اتفاقيات أبراهام التي كانت إلى حد بعيد بفضل إدارة ترامب”.
بين الجولاني والسادات
ويرى المؤرخ والأديب الإسرائيلي أنه على إسرائيل هذه المرة استغلال ضعف المحور الشيعي واستعادة قوة الردع والمبادرة من أجل ترجمة الإنجازات العسكرية إلى أرصدة سياسية. ويتابع “عملياً، أول ما يجب القيام به هو أن نطمح إلى صفقة شاملة في غزة تعيد المخطوفين في مقابل وقف الحرب، إلى جانب تبديل حُكم حماس المفكك أصلاً بالسلطة الفلسطينية الواعية إلى جانب وجود دول عربية هناك. وفي الوقت نفسه، يجب التوجه إلى الفلسطينيين باقتراح لتجديد محادثات السلام. نعم، في هذا الوقت تحديداً، من الواضح أن حماس فشلت، وأعداء إسرائيل في حالة ضعف، ويجب تحريك المسار السياسي مرة أُخرى. هذا سيساعدنا أيضاً في تحسين صورتنا في العالم”. كذلك يرى أنه يمكن أيضاً التفكير في مبادرة شجاعة مقابل سوريا الجديدة، فمن هذه اللحظة، بدأ الإيرانيون والروس والأتراك والأمريكيون يحاولون الحصول على تأثير في النظام. ويتساءل ما المانع من مفاجأة الجولاني بدعوته إلى زيارة القدس، وضِمنها الصلاة في الأقصى، بصورة شبيهة بزيارة أنور السادات سنة 1977؟ يبدو هذا خيالياً، لكن هذا يمكن أن يكون مبادرة أهم من زيارة السادات. وإذا وافق الجولاني، فيمكن أن تكون هذه الزيارة إشارة مصالحة مع العالم العربي أهم من زيارة السادات، وليس فقط مع دولة.
دعم الأكراد والدروز
كذلك وفي إطار استراتيجية عدم إبقاء الجغرافيا السورية سليمة يقترح شيلون أيضاً، عدم اكتفاء إسرائيل بوقف إطلاق النار مع حزب الله، بل أيضاً عليها أن تعمل على تحقيق اتفاق سلام مع لبنان، في الوقت الذي يفقد فيه حزب الله من قوّته وتأثيره وفي هذا السياق، يمكن التفكير في دعم حُكم ذاتي ثقافي للدروز في سوريا، وتقوية التحالف مع الأكراد. ويعتقد المؤّرخ الأديب الإسرائيلي أن هذا كله ممكن بسبب دخول ترامب البيت الأبيض والتاريخ يشهد أن نهاية الحروب مربوطة دائماً بفرص لتغيير الواقع، ولا يوجد وقت أفضل من الآن للتفكير بتغيير وجه الشرق الأوسط. من هنا يخلص للقول إن المطلوب هو قيادة لا تكتفي بالخطابات بشأن الإنجاز الاستراتيجي العسكري، وهو “إنجاز لن يبقى منه شيء إذا لم نستغل الوقت التاريخي الملائم”.
قصر نظر
ويتقاطع مع شيلون زميله المؤرخ الإسرائيلي درور زئيفي بقوله إن لسقوط النظام السوري أهمية في تاريخ الشرق الأوسط، فسوريا هي حجر الزاوية للعروبة، ومنها بدأت الثورة العربية في نهاية الحقبة العثمانية، وفيها أقام قائد الثورة العربية الكبرى الملك فيصل مقر حُكمه في نهاية الحرب العالمية الأولى، وفيها تبلورت الفكرة القومية مع تأسيس حزب البعث في الأربعينيات. في مقال نشرته “هآرتس” يرى زئيفي أن سكان المنطقة يعرفون الأهمية الرمزية لبلاد الشام، وما يجري هناك يؤثر في المنطقة كلها وإن تصريحات الزعماء الإسرائيليين وأفعالهم مؤذية بصورة خالصة. ويعلل رؤيته بالقول “يوجد بين المتمردين الذين سيطروا على سوريا سلفيون، وجهاديون، ومعتدلون، وموالون لتركيا، وأعضاء في تنظيمات كردية، ودرزية، وإسلامية – سنّية، لكن جميعهم يعلنون ولاءهم لسوريا في حدودها الحالية، وهُم يحاولون في هذه الأيام أن يرسموا للشعب السوري مستقبلاً من دون بشار الأسد وأعوانه، والجميع ينادي بالديمقراطية، حتى التنظيمات الراديكالية تبدي انفتاحاً”. ويوضح أن زعيم المتمردين أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) يعلن من على كل منبر سعيَه لإقامة نظام تمثيلي ومتسامح، حتى إزاء العلويين الذين يتماهون مع النظام السابق، ومن الممكن أن يَظهر لاحقاً كـ”إرهابي” يقود أنصاره في هجوم ضد إسرائيل، لكن الهستيريا في هذا الشأن مبالغ فيها؛ فإسرائيل أقوى من كل هذه التنظيمات، ومنذ قيام سلاح الجو بضرب وسائل القتال الكيميائية والسلاح الاستراتيجي، لم تعد لدى هذه التنظيمات القدرة على تهديد إسرائيل، وأكثر من ذلك، فإنهم مدينون بنجاحهم في إسقاط النظام إلى حد بعيد إلى الجيش الإسرائيلي والمعركة ضد حزب الله وإيران، وهم يعلمون ذلك.
المشروع الإيراني
وطبقا لزئيفي يشكّل وجود نظام ديمقراطي في سوريا أو قريب من الديمقراطي، ويعارض التدخل الإيراني، ميزة مهمة بالنسبة إلى إسرائيل؛ فهو سيضمن عدم انتقال السلاح إلى حزب الله، وسيطرد الميليشيات الإيرانية التي استقرت في سوريا، ويقتلع المشروع الإيراني للعمل المشترك المتعدد الجبهات للقضاء على إسرائيل من جذوره، كما سيفتح الباب نحو السلام في المستقبل. ويقول في هذا المضمار إن الأزمة السورية تفتح أبواباً؛ فاستقرار سوريا هو مصدر قلق مشترك لإسرائيل وتركيا، الأمر الذي يسمح لهما بالجلوس معاً والتحاور فيما بينهما، كما يمثل ذلك مصلحة مهمة لروسيا والولايات المتحدة، الأمر الذي يضع إسرائيل في موقع مؤثر إزاء الدول الكبرى. بالإضافة إلى ذلك، يرى المؤرخ الإسرائيلي أنه بعد الضربة المباشرة التي تلقتها إيران وانهيار أذرعها، توجد في إيران أطراف قوية يهمها فحص السياسة العسكرية. صحيح أن المرشد الأعلى علي الخامنئي يعارض خطوة كهذه، لكن صوت المجموعات المعتدلة آخذ في الارتفاع.
النظر للمنطقة عبر فوهة البندقية
وضمن نقده لسياساتها يقول إنه في مواجهة هذا كله، تتصرف إسرائيل بعنف وقِصَر نظر؛ فهي تحتل أراضيَ، وتضع نفسها من البداية في موقع معادٍ لسوريا. ويرى أنه بدلاً من ذلك، فإنه فور سقوط النظام السوري، كان يتعين على قادة إسرائيل تهنئة الشعب السوري على الإطاحة بالنظام، وإعلان سرورهم لإقامة علاقة سلام وأُخُوَّة. ويرى أنه من شأن التفكير الاستراتيجي الذكي أن يحضن سوريا الجديدة ويدعوها إلى الانضمام إلى الكتلة المعتدلة، وإن توجهاً كهذا كان يمكن أن يساعد في إعادة صوغ “الحلف الإبراهيمي”، وفي التقرب والتطبيع مع السعودية، والتخفيف من العداء في العالم ضد إسرائيل، لكن مع قِصَر النظر في المستوى السياسي، فإن من يوّجه السياسة هو المنظومة الأمنية، ويجب على قادة هذه المنظومة أن يتوقفوا عن رؤية كل التطورات عبر فوهة البندقية، وأن يفكروا في طريقة استراتيجية.