بغداد-“القدس العربي”: شهد العراق زيارات واتصالات مع دول غربية تتعلق بالتعاون للحد من نشاط شبكات تهريب البشر والهجرة غير الشرعية المتواصلة للعراقيين وجنسيات أخرى إلى أوروبا، وسط تصاعد أزمة الهجرة غير الشرعية إلى تلك القارة.
وبالرغم من إعلان حكومة بغداد عن استقرار الأوضاع في العراق وتقديم بعض الخدمات، فإن الواقع يشير إلى استمرار الهجرة غير الشرعية من العراق نحو أوروبا، كمؤشر على عمق الأزمات الاقتصادية فيه وتفشي البطالة والمشاكل الاجتماعية بشكل واسع.
فقد أعلنت الحكومة البريطانية أنّها أبرمت اتفاقاً مع العراق للحدّ من الهجرة غير النظامية وللتعاون بصورة أكبر من أجل مكافحة شبكات تهريب المهاجرين إلى أوروبا.
وبعد زيارة إلى بغداد وإقليم كردستان العراق، وإجراء لقاءات مع عدد من المسؤولين العراقيين، وقعت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر، اتفاقية جديدة مع العراق تهدف إلى التعاون للحد من تدفق المهاجرين عبر القنوات غير الشرعية.
وأسفرت هذه الزيارة عن توقيع اتفاقية تنص على تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الجهود بين الشرطة العراقية والبريطانية لضرب شبكات تهريب البشر وتفكيكها. واتّفق البلدان على “العمل” لتسريع إجراءات إعادة المهاجرين العراقيين إلى بلادهم، عند عدم امتلاكهم تصريح إقامة صالحا. وفي المقابل ستقدم بريطانيا دعماً مالياً لحكومة إقليم كردستان العراق بقيمة 800 ألف جنيه إسترليني، بهدف تدريب قوات الأمن وتعطيل أنشطة الجريمة المنظمة في المنطقة.
تصريح الوزيرة البريطانية
بهذا الصدد قالت وزيرة الداخلية إيفات كوبر إن “هذه الالتزامات التاريخية بين حكومة المملكة المتحدة والعراق وإقليم كردستان العراق ترسل إشارة واضحة إلى عصابات التهريب الإجرامية بأننا عازمون على العمل في جميع أنحاء العالم لملاحقتهم”.
وأضافت أن “هناك عصابات تهريب تستفيد من عبور القوارب الصغيرة الخطرة التي تمتد عملياتها عبر شمال فرنسا وألمانيا وعبر أوروبا إلى إقليم كردستان العراق وخارجه. تعمل العصابات الإجرامية المنظمة عبر الحدود، لذا فإن إنفاذ القانون يحتاج إلى العمل عبر الحدود أيضاً”.
ولفتت إلى أن “الطبيعة العالمية المتزايدة لجرائم الهجرة المنظمة تعني أن حتى البلدان التي تبعد آلاف الأميال عن بعضها البعض يجب أن تعمل معاً بشكل أوثق من أي وقت مضى لمنع هذه العصابات من الإفلات من العقاب، وتعزيز أمن حدودنا ومنع تعريض العديد من الأرواح للخطر”.
وزيرة الداخلية البريطانية، نوهت إلى أن “قيادة أمن الحدود الجديدة لدينا تبني بالفعل شراكات في جميع أنحاء العالم لمعالجة هذه التجارة الشريرة في الأرواح البشرية”، منوهة إلى ان “هذه شراكة جديدة مهمة بين حكومة المملكة المتحدة والعراق وإقليم كردستان العراق لتعزيز الأمن والحفاظ على سلامة الناس”.
وضمن أساليب الردع، ستسعى الحملة إلى مكافحة المعلومات المضللة التي تنشرها “العصابات الإجرامية” ومنع الناس من القيام بالرحلة الخطرة، بما في ذلك سرد القصص الحقيقية للأشخاص الذين وقعوا ضحية لعصابات تهريب البشر.
ويذكر أن وزارة الداخلية البريطانية، سبق أن أعلنت أن شبكات تهريب البشر في العراق وكردستان تلعب دورًا رئيسيًا في تهريب الآلاف من المهاجرين إلى أوروبا، بما في ذلك عبر القناة الإنكليزية إلى المملكة المتحدة. ومنذ بداية عام 2024 وصل أكثر من 33 ألفاً و500 وافد إلى بريطانيا عبر بحر المانش، وذلك في رحلات الهجرة غير النظامية المحفوفة بالمخاطر، وهو عدد أكبر مقارنة بعام 2023 .
مشكلة الهجرة غير الشرعية
وتعد مشكلة نشاط شبكات الهجرة غير المشروعة من العراق عموما وإقليم كردستان خصوصا، أحد التحديات الأساسية لحكومتي بغداد وأربيل، نتيجة استمرار تلك الهجرة التي سقط خلالها أعداد كبيرة من الضحايا.
وفي صورة تعكس حجم المشكلة أعلن رئيس الرابطة الأوروبية للاجئين العائدين بكر علي، أن أكثر من ثمانية آلاف شخص من إقليم كردستان هاجروا العام الجاري إلى الدول الأوروبية، القسم الأكبر منهم شباب.
وقال بكر علي خلال مؤتمر صحافي إن “إحصائية الهجرة هذا العام بشكل عام في إقليم كردستان مع الأسف وبسبب بطالة الشباب تشير إلى الازدياد يوما بعد يوم إلى الدول الأوروبية وقسم منهم يصبحون ضحية ويفقدون حياتهم في بحر إيجة أو في حدود بلاروسيا وبولندا”، مشيرا إلى انه خلال العام الحالي، فَقَد ستةٌ وأربعون شخصا من إقليم كردستان حياتهم، غالبيتهم من الشباب والأطفال.
وبشان إعادة الدول الأوروبية المهاجرين إلى بلادهم، أكد بكر علي، انه “في ألمانيا تمت إعادة 190 مواطنا هذا العام إلى إقليم كردستان وفي بريطانيا تمت إعادة 28 شخصا وفي النرويج تمت إعادة 12 شخصا إلى العراق وإقليم كردستان وفي فرنسا تمت إعادة تسعة أشخاص إلى إقليم كردستان وتزداد نسبة تسفير المواطنين يوما بعد يوم من الدول الأوروبية”.
وأشار إلى وجود اتفاق بين بريطانيا وحكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية، يتم من خلاله اعتقال الأشخاص الذين يتجاوزون الحدود ويعملون بصورة غير قانونية ويتاجرون بالبشر والمواد المخدرة من دولة إلى دولة وتسليمهم إلى الدولة التي تطالب بهم، مؤكدا “ان هذا الاتفاق يساهم في التقليل من نسبة الهجرة إلى الدول الأوروبية ولو انه لا يمكن قطع الطريق بشكل نهائي أمام الهجرة”.
وفي توضيح لظاهرة انتشار شبكات تهريب البشر في كردستان العراق، كشف سعدي عمر المقيم في السليمانية، لـ”القدس العربي”، أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في نشاط شبكات التهريب في الإقليم التي تستغل الأزمة الاقتصادية والبطالة بين الشباب الكردي، وتشجعهم على الهجرة مقابل مبالغ قد تصل إلى نحو 10 آلاف دولار. وأوضح أن الهجرة تمر بمحطات أبرزها تركيا ومصر ولبنان التي توجد فيها شبكات دولية مشتركة تتعاون لجلب المهاجرين من العراق وغيره إلى تلك الدول ومنها يتم نقلهم إلى أوروبا بوسائل نقل بدائية وغير آمنة. وأقر بان إجراءات السلطات في بغداد والإقليم، ليست فعالة في مواجهة تفاقم التهريب، لذا تدخلت بريطانيا ودول أوروبية أخرى لمساعدة السلطات العراقية في محاربة شبكات التهريب.
وضمن تحرك السلطات العراقية لملاحقة مهربي البشر وفي أيار/مايو الماضي، أعلن جهاز الأمن “الاسايش” في إقليم كردستان، القبض على أكبر مهربي البشر، المعروف بـ “العقرب” بناء على طلب من الشرطة الدولية (الإنتربول). والمهرب الذي تم إلقاء القبض عليه هو برزان مجيد، الذي قيل بأنه “المتهم الأول” بتهريب عدد كبير من المهاجرين إلى دول أوروبا.
وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية خلال شهر تشرين الثاني/اكتوبر الماضي، أشار “العقرب” إلى أنه لا يمكنه تحديد عدد المهاجرين الذين نقلهم عبر القنال الإنكليزي، قائلاً: “ربما 1000 وربما 10000 شخص. لا أعرف، فلم أحصيهم”.
وحسب معلومات وسائل الإعلام البريطانية، فقد سيطر الشاب وعصابته لسنوات على نقل المهاجرين إلى داخل بريطانيا بالقوارب والشاحنات، وتقاضوا عن كل شخص نقلوه بالقارب أكثر من 7500 دولار.
وفي نيسان/ابريل الماضي قالت وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول” إنها ألقت القبض على 21 شخصا في عملية للشرطة استهدفت شبكة إجرامية لتهريب المهاجرين من العراق إلى الاتحاد الأوروبي عبر روسيا وبيلا روسيا. فيما أعلنت قوى الأمن البوسنية في ايار/مايو الماضي، إلقاء القبض على مواطن هولندي من أصل عراقي في العاصمة سراييفو، يشتبه في ارتباطه بعصابة تهريب مهاجرين، تعمل في العراق والأردن وتركيا، وتنقل مهاجرين من هناك إلى الاتحاد الأوروبي عبر البوسنة والهرسك. وأكد البيان تورط المشتبه به في تهريب أكثر من 1500 مهاجر عراقي إلى الاتحاد الأوروبي من دون ذكر مزيد من التفاصيل.
وكانت آخر ضحايا شبكات التهريب، غرق امرأة عراقية وطفلتها بعد انقلاب قارب مهاجرين في اليونان. وذكر كاويز عبد الله، الذي كان أحد ركاب الزورق الذي انقلب في بحر إيجة، وهو من محافظة السليمانية، لوسائل الإعلام أنه “كان على متن القارب 32 راكباً للابحار من إزمير إلى جزيرة ساموس اليونانية “.
ولفت كاويز عبد الله إلى “أن القارب اصطدام بجبل، فانقلب وسقط جميع الركاب في الماء، ما أدى إلى غرق زوجتي نائلة مصطفى، وطفلتي نور”. وأشار إلى أن “الطاقة الاستيعابية للقارب هي 17 شخصاً، لكن المهرب كان يحمل 32 شخصاً، وكنت أنا وزوجتي وطفلي، بالإضافة إلى شابين آخرين من الكرد، أما الباقون فجميعهم أفغان”.
وكانت وزارة الهجرة العراقية أعلنت اتخاذ خطوات قانونية وحملات تثقيفية لمحاربة شبكات تهريب البشر، التي بدأت تأثيراتها واضحة في البلاد، وسط تأكيدات بشأن مخاطر تلك الشبكات التي تستغل الظروف غير المناسبة للشباب وتقودهم إلى مصير مجهول.
فيما كشفت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، عن نشاط لشبكات الإتجار بالبشر داخل المقاهي والكافيهات في بغداد والمحافظات الأخرى، مطالبة باتخاذ إجراءات حازمة للقضاء على هذه الممارسات الخطيرة.
وتنتشر في شوارع بغداد وبعض المدن العراقية بوسترات للتحذير من مخاطر الهجرة غير المشروعة ووقوع الضحايا بيد شبكات التهريب. إضافة إلى إصدار البرلمان قوانين تعاقب الإتجار بالبشر والتهريب.
ويتفق المراقبون على ان إجراءات حكومتي بغداد والإقليم، محدودة التأثير في الحد من ظاهرة تهريب البشر من العراق إلى أوروبا التي لن تتوقف لأسباب كثيرة منها الأزمات الاقتصادية وتصاعد حجم البطالة وعدم الاستقرار وغياب الأمان وغيرها من متطلبات العيش الكريم للعراقيين.