لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “صاندي تايمز” تقريرا أعده ماثيو كامبل قال فيه إن إيران خسرت الأسد وضاع معه دين بـ 50 مليار دولار.
وأضاف أن الملفات التي تم الكشف عنها تظهر أن الديكتاتور السوري كان مدينا بأموال كبيرة لرعاته في طهران. والآن بعد أن تبخرت الأموال ولم يعد الإيرانيون في مزاج متسامح، فهل هناك إمكانية لاستعادتها.
وأضاف كامبل أن سقوط الأسد كان آخر حلقة في سلسلة النكسات التي تعرضت لها إيران بالمنطقة. فقد أنفقت مليارات الدولارات لدعم الأسد، لكنها رأت استثمارها يختفي بين عشية وضحاها وسط وابل من الرصاص الاحتفالي.
وفي طهران، تواجه الحكومة ردة فعل عنيفة من عامة الناس على البرامج الحوارية التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي بسبب المليارات الضائعة فضلا عن الدماء الإيرانية التي أريقت عبثا لدعم نظام الأسد المتعطش للدماء. وتقول الصحيفة إن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، 85 عاما، لا يمكنه الزعم بأنه لم يتلق تحذيرات، فالوثائق الحكومية التي اطلعت عليها صحيفة “صاندي تايمز” تظهر أن المسؤولين الإيرانيين ومنذ ما يقرب من ثلاث سنوات كانوا قلقين بشأن كيفية استرداد الديون إذا قتل الأسد أو أُطيح به.
الوثائق الحكومية التي اطلعت عليها صحيفة “صاندي تايمز” تظهر أن المسؤولين الإيرانيين ومنذ ما يقرب من ثلاث سنوات كانوا قلقين بشأن كيفية استرداد الديون إذا قتل الأسد أو أُطيح به
وورد في مذكرة صادرة عن مكتب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية في عام 2021: “قد يطاح بالأسد ويختفي من الصورة، وستتعرض مليارات الدولارات لتهديد خطير”.
وجاء فيها أن ديون سوريا لإيران على مدى سنوات والمكونة من قيمة مساعدات نفطية وإمدادات عسكرية بلغت حوالي 50 مليار دولار (39 مليار جنيه إسترليني).
وأشار تقرير آخر لوزارة الخارجية الإيرانية، أعد بعد عام، إلى أن تحصيل هذا الدين من سوريا سيكون “أمرا صعبا جدا ومستحيلا من الناحية العملية” نظرا لضعف اقتصادها. واقترح نائب الرئيس الإيراني محمد مخبر في تقرير إلى المرشد الأعلى أن تحاول إيران استعادة بعض استثماراتها من خلال الحصول على أسهم في شركات حكومية ومناجم فوسفات وميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط.
وعلقت الصحيفة أنه من الصعب التأكد من صحة الوثائق والتي حصلت عليها الصحيفة من “قراصنة” في المعارضة الإيرانية. إلا أن الخبراء المستقلين أكدوا أن نبرة وأسلوب الكتابة هما صورة نموذجية عن البيروقراطية في داخل المؤسسة الإيرانية.
ونقلت عن الأكاديمي علي أنصاري، أستاذ التاريخ الإيراني ومدير معهد الدراسات الإيرانية في جامعة سانت أندروز قوله: “تبدو الوثائق ذات مصداقية، وهناك ضجة كبيرة في إيران في الوقت الحالي حول ما إذا كان ينبغي لنا أن نتورط في سوريا أصلا”. وأضاف: “إنه وقت سيئ بشكل خاص بالنسبة للنظام”، في إشارة إلى تدمير “محور المقاومة” الذي ضم سوريا وحزب الله في لبنان وشبكة الجماعات المسلحة في العراق وفلسطين واليمن.
وقال أنصاري: “تتحكم إيران في الأمور من خلال الخوف والإيحاء بأن النظام يعرف ما يفعل، ولكن يبدو أن هؤلاء الناس لم يكونوا على معرفة بما يفعلون”. وبدا الغضب الشعبي من خلال مقال كتبه علي رضا مكرامي، وهو جندي سابق قاتل في سوريا ويدير الآن موقعا على الإنترنت جاء فيه: “لماذا أنفقتم مليارات الدولارات من عائدات النفط التي تخص الشعب الإيراني على الأسد حتى النهاية؟”، في إشارة إلى “الفشل الكارثي” في سوريا.
وقال شاهين غوبادي، المتحدث باسم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو تحالف من جماعات المعارضة، بصراحة: “لقد تحول المد ضد آيات الله”. وتابع: “قدم النظام للأسد أكثر من 50 مليار دولار على مدار عقد من الزمان. والآن ضاع كل هذا”.
وحذرت وثيقة لوزارة الخارجية من المخاطر في عام 2021، مشيرة إلى أن الوضع في دمشق “حساس” ومشيرة إلى خطر اغتيال الأسد أو الإطاحة به وإمكانية أن يؤدي هذا إلى “طرد” إيران من سوريا.
وتلقت سوريا ومنذ عام 2012 مساعدات نفطية إيرانية بقيمة 11 مليار دولار و”مع الأخذ بالاعتبار المساعدات العسكرية، فإن المبلغ الإجمالي يقدر بنحو 50 مليار دولار أو أكثر”، مع أن التدقيق المالي لم يكتمل بعد، على حد ما جاء في التقرير.
واقترح معدوه، وقف إمدادات النفط إلى سوريا “بشرط مصادقة [البرلمان السوري] على الاتفاقية المذكورة”. ويبدو أن هذا نجح، ففي عام 2023، ورد أن البرلمان السوري وافق على اتفاقية ديون مع إيران. ومع ذلك، لم يتم الكشف عن تفاصيل المبلغ الإجمالي وشروط السداد.
وتساءلت الصحيفة إن كانت إيران ستستعيد أموالها أم لا؟ مجيبة أن الأسئلة تتعلق بمستقبل علاقات سوريا بطهران، فقد تجنبت المعارضة المنتصرة اقتحام السفارة الروسية لكنها نهبت السفارة الإيرانية، ومزق أفرادها صور قادة إيران وأنزلوا علمها. ويلقي العديد من السوريين باللوم على إيران لمساعدتها في القمع الوحشي الذي عانوا منه في عهد الأسد. وحتى لو أرادت سوريا سداد أي دين، فإن تقييم وزارة الخارجية قبل ثلاث سنوات كان أنها مفلسة تقريبا. ونصحت بأن دفع سوريا إلى السداد سيكون “مستحيلا تقريبا”.
وقد تتجاهل دولة أكثر ثراء من إيران هذا الأمر. لكنها، مثل سوريا، تكافح. وقد تزايد الغضب الشعبي على مدى سنوات من حملات القمع الأمني بما في ذلك القمع الدموي للاحتجاجات التي اندلعت في عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني، 22 عاما، أثناء احتجازها لدى الشرطة بعد اعتقالها لعدم تغطية رأسها بشكل مناسب.
وتشير الصحيفة إلى أن سوء الإدارة وغياب الكفاءة أدى إلى مشاكل مالية دفعت بنسبة 30% من الإيرانيين إلى خط الفقر. ولا تقتصر مشاكل إيران الاقتصادية على ارتفاع نسبة التضخم الذي وصل إلى 40% ولكن في ارتفاع أسعار أرخص موديل سيارة في البلاد. وقبل عقد من الزمان كان العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور يحتاج إلى 1.6% ضعف دخله السنوي لشراء سيارة “برايد”، المعروفة باسم “التابوت المتحرك” بسبب سجلها السيئ في السلامة. ولكنهم الآن، سيحتاجون إلى ثلاثة أضعاف دخلهم، مما يجعل السيارة حاجة كمالية باهظة الثمن.
وعلاوة على ذلك، تكافح إيران، إحدى أكبر منتجي النفط في العالم، من أجل توفير الغاز والكهرباء لمواطنيها بسبب نقص الاستثمار في البنية الأساسية. ويقول أنصاري “يتساءل الناس، لماذا لا نستطيع تدفئة منازلنا في الشتاء؟”. وتضطر محطات الطاقة والمرافق الصناعية إلى استخدام “المازوت”، وهو وقود ثقيل منخفض الجودة أدى إلى تلوث الهواء الشديد في المدن، مما أثار مخاوف الصحة العامة والشكاوى على نطاق واسع.
وتقول الصحيفة إن دعوات الحكومة لشد الأحزمة تثير السخرية: “كيف يمكن لشعب أن يشد أحزمته إذا لم يكن لديه أي سراويل؟”، هكذا تقول إحدى النكات التي يتم تداولها بشكل واسع.