رسالة إلى أحمد راشدي: حين يكتب الأب إلى السماء

إدريس الجاي
حجم الخط
0

أكتب إليك هذه الرسالة، بعد قراءتي لكتابك الشجاع، الحزين والممتع في الوقت ذاته «رسائل إلى فدوى». المطل على الحزن المرير بالرضى والتصالح مع فقدان الأحبة. أكتب إليك لا لأضيف شيئا، أكثر مما عبرت عنه بلغة راقية، طبعتها أحاسيس الفراق ولوعة الشوق. كتاب لا يمكن لقارئه أن يتجاوز كلمات فقد الإبنة، دون أن تخلف فيه مزقا، وأثرا يحرك الرغبة في البكاء والرجوع إلى مساءلة الذات، عن تجربة الحب المطلق، والعناق الروحي الذي لا تغيبه مسافات البعد الجسدي. فهذا الشعور المحرك، هو الذي نتقاسمه مع الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق، في حديثها عن رسائلك إلى فدوى وكاتبها أحمد الراشدي في برنامج «صفحات» التلفزيوني وهي تقول: «كتابته مؤثرة جدا حد البكاء، في وصف خبر رحيلها، ساردا حياتها القصيرة معه. أب يجيد فن الأبوة مع الأطفال في كثير من مشاريعه الثقافية، نزيف سرد مؤلم عن حياة قصيرة مرت علينا سريعا وذبلت مثل وردة صار اسمها فدوى».
لا أريد أن أزيد شيئا عن رسائلك التي أرسلتها إلى ابنتك فدوى، وتبادلتها معها في الغياب. التي استوحيت اسمها إعجابا بالشاعرة فدوى طوقان. رسائلك التي قربتنا من عالم قريتك سمائل بين جبال الحجر الشرقية والغربية العمانية، حيث أقبلت فدوى إلى الحياة، وحيث مرتع طفولتها ومضارب والديها، حيث كانت تمرح كفراشة تطير في سماء ذلك المكان الجليل، بحنو أهله وطيبة معشرهم. تطير في سماء سمائل التي رحلت عنها في عمر الزهور، ستّ سنوات. كملاك يطل من السماء على سطح جدّها، حيث فارقه جسدها النوراني، إثر إصابتها بتماسّ كهربائي وهي تلعب في فضائه المحدود، لتحل في سعة جنة الله العريضة. مخلفة ذكرياتها الباقية بقاء الجبال، التي نسجت أنت من ألمها وصبرك، زرابي رسائلك الباذخة، الطافحة بالمشاعر المؤثرة، التي لا تبقي قارئها في حيز الحياد. أكتب إليك وأنا لا اجد ما يعطي هذا الحب لفدوى حقه، إلا عزائي في ما كتبه الكاتب العُماني سليمان المعمري، حين استهل مقدمته لكتابك بجملة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا: «ماذا لو اخترعنا طريقة مغايرة في الحب؟ لمَ لا نبدأ من الخاتمة؟ نفترق، ثم نلتقي إلى الأبد». اكتب إليك هذه الرسالة، لأقول لك، لقد رافقتني رسائلك إلى ملاك الجنة فدوى، في طبعتها الثانية عن دار بوك لَنْدْ 2023 ، بعد أن أهديتني إياها بعبارة فدوى الحاضرة «فدوى تحبك»، ثم افترقنا في محطة قطار مراكش.

فقد رافقتني فدوى طيلة رحلتي من مطار مراكش إلى برلين. لقد كنت أسير صورة فدوى وقصائد صبرك، ورضاك بالقدر في قراراته، وتعلمت من حنينك وحبك الأبوي الطالع من ذلك العطف العميق الثر لفدوى، أن الحياة مواكبة وتواصل. لم يكن زمن ذلك اللقاء بينكما إلا بضع سنوات من عمرها، لكنك خلدته بكتابك، فأصبح قرونا بل أبد الدهر على سُلم مدار الحب الخالد. كانت رسائلك لفدوى، الغائبة عن العين الحاضرة في وهاد القلب وغياهب الوجدان، رسائل تحفظ وجودها الطفولي البريء المرح، ولحظات ابتساماتها، وحبها للحياة. إن رسائلك هي ترنيمة خالدة أنت فيها الشاعر والملحن والمنشد ، الذي منح كلماته القوة، لتواجه بشجاعة ثقل الحزن ومراثي الانكسار. رسائل حولتها إلى لغة تواصل علني يوحد أب بابنته، حولتها إلى حبل متين لا ينقطع ولا ينتهي بالغياب الجسدي ولا ينضب.
أكتب إليك لأثمن ترنيمة القاص العماني حمود سعود من خلال رسالته إليك «كل عام وفدوى تغني في الجنّة. ولا املك إلا أن أردد مع ابن وطنك الكاتب محمود الرحبي وهو يكتب عن رسائلك ويصفها بالعذوبة، حيث يعانق فيها الألم الإيمان، «برحابة الكون وكسر الفواصل بين الواقع العدم، رسائل بنبرة أدبية».
إن رسائلك إلى فدوى رسائل تحمل من الشجاعة ما جعلك تنظر إلى الموت بعيون الحياة، لا تهرب من الحزن إلى الحزن، لا تجعل منه مطية للانزواء، وإن كان الحزن لا يبعدنا عن قولة الشاعر محمود درويش: «الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء». فقد واجهت الفجيعة بالحب، بالرغبة في الاستمرار، تصوغ من الألم أناشيد خالدة في كتاب طاف مكتبات الوطن العربي، فقُرئت قصائده من المحيط إلى الخليج، وانطقت أقلاما بالرهبة والإجلال، لا بالشفقة والمواساة. علمتنا فيه، أن الأدب شفاء، وأن الكتابة دواء، والكلمة حياة. علمتنا كلماتك: «فليس مثل البوح يخفف وجع الفقد، ولو بعض الوجع».

جملة من رسالتك 34 الى فدوى، لم تتركها الكاتبة الجزائرية مريم ريمان تمر في غفلة، بل استوقفها عمقها ودلالتها، فجعلتها فاتحة مقالها عن فن التواصل بعد الفقد في «رسائل إلى فدوى». لقد وصفت نيرمان رسائل الراشدي الى ابنته فدوى بأنها: «خلفت أثرا كبيرا على ما وصل اليه (الكاتب) من قدرة على مد جسر بين عالمين، تمتزج فيه مشاعر كثيرة موجعة أحيانا وغريبة مرة أخرى تجعل القارئ مثل كاتب النص يستشعر لذة التواصل الذي يحدث بين الأب وابنته في عالم أثثه الراشدي بالحب والشوق والصبر والإيمان».
لقد سافر كتابك عبر الوطن، كسفير للحب الأبوي النابض بالحياة، المتحدي للموت، المستقي التواصل الروحي من معين الرضى وقوة الصبر على البلاء، فاستقبلته الشاعرة والإعلامية البحرينية بروين حبيب بقولها: «أرسلته لي صديقتي على عجل، وكتبت لي إهداءً عليه تقاطع مع إهداء الكاتب «هل تصدقين بعضُ الموتى لا يرحلون ومنهم فدوى، أعتقد أن الأطفال لا يموتون، بل يتحوّلون لكائنات لا مرئية تحمينا من هشاشتنا». ثم توجت مقالتها في الختام بقولها: «يستحيل لمن عاش تجربة الفقد ولوعتها أن لا يعانق هذا الكتاب بعد قراءته، وينهض ليمضي قدما نحو أفق أكثر جمالا».
أكتب إليك عن هذا الجمال، والحزن الكتوم، الذي ياسرني في حبال رسائلك، يسيجني بنكهة التفكر والإمعان الذائب، الذي لا تنقطع عراه بالغياب، أو بالتواري الجسدي بينك وبين ابنتك فدوى، الجمال الذي جعلته درسا نتعلم من خلاله، أن الغياب حالة نسبية، أن الغياب الجسدي، ليس هو من يحكم طبيعة اللقاء ويحُول دون التجاوب الروحي. فهذا الجمال، نلاقيه، في رسائلك إلى فدوى حاضرا، مدثرا بوشاح الحزن الدفين، الذي تفضحه الكلمة بكل عنفوانها، وهي تواجه الغياب بالحضور، تمنحه سر الخلود، تراه في عيون أطفال النكبات فتقول لفدوى: «وأنت تحضرين لي وردة بيضاء. هناك رصاصة يطلقها صهيوني محتل مغتصب على طفلة مقدسية تسير إلى مدرستها.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية