سارت الدبلوماسية الفرنسية على الدرب فوصلت… هكذا يمكن الإتيان بالمختصر المفيد للحدثين اللذين شهدهما الأسبوع المنصرم واللذين تمثلا في حضور الرئيس الفرنسي مراسم توقيع صفقة بيع طائرات الرافال المقاتلة لقطر، ثم حلوله ضيفا على قمة دول مجلس التعاون الخليجي، في سابقة لم يشهدها قائد غربي من ذي قبل.
«شهر عسل» على حد تعبير البعض، بينما تغرد أصوات فرنسية قليلة خارج هذا السرب، ضاربة عرض الحائط التزام الدبلوماسية الفرنسية في ملفات الشرق الاوسط، بثوابت قارة لم تتزحزح عنها قيد انملة. أصوات تغرد خارج السرب مدعية أن قضايا «حقوق الإنسان «و»الديمقراطية» في الدول الشريكة المعنية تبعث على قلق لا ينبغي معه – على حد وصفها دائما – الدخول في جولة من التبادلات التجارية، تعقبها لا محالة فترة ندم وتأنيب ضمير ووقوف على أطلال الأخلاق الحميدة… أريد أن أقول لهؤلاء ما يلي:
– أولا، للدول مصالح ومن يدعي العكس فإما جاهل – وفي هذه الحالة يحسن بنا، نحن الإعلاميين، إغلاق مكروفوناتنا وأستوديوهاتنا وأعمدتنا في وجهـــــهم، وإمـــا متجاهلين الأمر، والداء واحد والعلاج أيضا.
– ثانيا، لا أعتقد أن الكثير من الدول الغربية مؤهلة لتلقين دروس في حسن السلوك الأخلاقي إن سلكت مسلك محاسبة النفس، وما أحوجها إليها – بل، أكثر من ذلك، فهي ضرورة ستجنّب المحظورات – هذه المرة – بدل أن تبيحها. فلو وقعت محاسبة النفس هذه فعلا لوقع معها تذكر فترات قاتمة من التاريخ، تسمى استعمارا ومستعمرات، لا نتذكر من جانبنا أنها التزمت بأناة وتفان وآمان بنقاط الرئيس ويلسون الأربع عشرة المنادية بتقرير شعوب العالم لمصيرها.
– ثالثا، للدبلوماسية قوانين – والبعض، وأنا من هؤلاء، سيزيد أن للدبلوماسية مهاراتها وماهريها لأن الدبلوماسية فن. وكان لمهارة الدبلوماسية الفرنسية وربما لفنونها ومهنيتها بكل تأكيد – ذلك الثبات وذلك الاستقرار، الذي تحدثنا عنه والذي تمكنت بهما من تنصيب نفسها طرفا:
– دعم، منذ البداية، إشراك جميع قوى المعارضة السورية ووجوه من النظام لتخطيط ملامح سوريا المستقبلية.
– حرص على عدم وجود مراوغة إيرانية في الاتفاق على النووي خليقة بـ»عسكرة» ملف رتّب أصلا للدفع قدما باستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية.
– إثبات وفائه لتاريخه العريق من الدبلوماسية المتميزة مع الدول العربية، تقوم أساسا على تفعيل أدوات الحوار والتفاوض والتوصل للحلول التوفيقية بما يخدم مصلحة الأطراف الفاعلة.
ركائز ودعامات إذن أدت بفرنسا إلى برهنة أنها:
– تمكنت من فرض نفسها طرفا فاعلا إزاء الوضع المتدهور للسياق السياسي العالمي، وبالتحديد في ما يتعلق بموازين القوى الجديدة التي تضع المحور الامريكي- الخليجي على المحك.
– تمتلك خبرة تكنولوجية تجعلها قادرة على تصنيع طائرة مقاتلة فرنسية بالتمام والكمال لا تجري في عروقها ولو «قطرة دم» خارجية، سواء أكان الأمر يتعلق بالقتال الجوي أو الطلعات الاستخبارية أو الضربات على الأرض.
– عرفت كيف تدخر سنوات من الجهد الدبلوماسي – بما فيها الدبلوماسية الاقتصادية، كما وصفها وزير الخارجية لوران فابيوس، فلا ننسى أن المصالح مشتركة، وفي نطاقها لا عمليات مكافحة الإرهاب ولا فرص شغل مهندسي الطائرات التي تساهم فيها، جديرة بالاستخفاف والتندر.
أما عن الأرقام فنعم، هناك أرقام، ولا حرج منها: 6.3 مليار يورو صفقة مع قطر، 24 طائرة رافال مطلوبة، 24 طلبا نفذّتها مصر في شهر فبراير الماضي، تضاف إلى ذلك رغبة الإمارات في التراجع عن ميل أصلي لشراء 30 طائرة F16 بلوك 60 لفائدة زهاء 30 رافال يقال إنها تحت الطلب، وإلى ذلك يضاف أيضا الوعد الهندي بشراء 30 طائرة رافال مقاتلة.
وهذه ليست دبلوماسية «حافظة نقود»: إنها دبلوماسية.. ليس إلا…
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون