كمال دواد بعد إعلان فوزه بجائزة "غونكور" عن روايته "حوريات" (أ ف ب)
لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “لبيراسيون” الفرنسية تقريرا مطولا بعنوان من («ميرسو» إلى «حوريات»: كمال داود.. تحقيق مضاد) أعده سيمون بلين وغيوم جيندرون. وأكد الصحافيان أنه منذ فوزه بجائزة “غونكور” في أوائل نوفمبر 2024، أصبح الكاتب كمال داود في قلب عاصفة دبلوماسية أدبية، حيث تم انتقاده من قبل النظام الجزائري، واتهمته إحدى ضحايا العشرية السوداء بأنه استولى على مأساة شخصية لها. مسار رجل ممزق بين باريس ووهران، يسعى لأجل إطلاق سراح “أخيه الكاتب بوعلام صنصال” (كما يصفه والمسجون في الجزائر)، لكن مواقفه أبعدت عنه كثيرين.
يروي الصحافيان أنه يوم الأربعاء 11 ديسمبر 2024، في قاعة استقبال دار نشر غاليمار، تجمع في منطقة سان جيرمان بباريس، جان-ميشيل بلانكير (وزير سابق) في الصف الأول، إريك أورسينا (كاتب) في نهاية الغرفة، بجانب لور أدلر (كاتبة وصحافية) دعماً للكاتب الجزائري بوعلام صنصال، الغائب بالطبع، والمحتجز في الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط منذ ما يقرب من شهر، والحاضر هنا بصورة مؤطرة، محاطة برواياته، موضوعة على طاولة مرتفعة، مثل مذبح. كمال داود، زميله، «أخوه»، كما يحب أن يقول، يضع على عنقه وشاحا، يجلس في الصف الأول. صامت، وجوده وحده يكفي. أنطوان غاليمار، في كلمته الافتتاحية، يرتكب هذا الخطأ الفادح، بينما يحاول الإشارة إلى الثنائية اللغوية للمرشح الجديد لجائزة غونكور الذي يتحدث العربية: «كمال، أنت إسلامي وفي الوقت نفسه فرانكوفوني».. «هذا شيء من فرويد!» يتأسف الكاتب أورسينا. غاليمار، يضيف: «الأدب فيه جانب سياسي، سواء كان يمينياً أو وسطياً أو يسارياً.. ويجب أن تكون السياسة أدبية».
أنطوان غاليمار (مدير دار نشر غاليمار) يحاول الإشارة إلى الثنائية اللغوية للكاتب الذي يتحدث العربية: «كمال، أنت إسلامي وفي الوقت نفسه فرانكوفوني».. «هذا شيء من فرويد!»
محامي صنصال، فرانسوا زيمراي، يشرح بعد ذلك بالتفصيل قضية الروائي الثمانيني المسجون، ثم يربط بين القضيتين، مشيرا إلى مسؤولية «وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي»، حيث يتم شيطنة بوعلام صنصال وكمال داود باستمرار من خلال «حملة كراهية كبيرة» ينظمها النظام الجزائري. قسم الصحافة في غاليمار، يؤكد أن داود كان قد حذر من أن جائزة غونكور هذه لن تمر دون اضطرابات… لكن إلى هذه الدرجة؟
كمال داود يغادر دون أن يتحدث إلى الجمهور، لكنه يتباطأ قليلا. يقترب الصحافيون منه، فيوبخهم بأدب. نجد أنفسنا في النهاية وجهًا لوجه معه في ممر، حيث يتحول رفضه لـ«مقابلة جديدة» – «أنا مرهق، مرهق، مرهق، لقد خرجت من تسمم غذائي، أربعة أشهر من الترويج في هذه الظروف، تفهموا، أحتاج إلى الراحة» – إلى مقابلة غير متوقعة. سرعة الكلام كانت مزيجا من الاندفاع والعناد، مليئة بالغضب والإرهاق. «ماذا أقول أكثر؟» لقد قلت كل شيء، كتبت كل شيء. وقد اتصلتم بأصدقائي، وقد قالوا لكم كل شيء.
يروي مقربوه وضعا لا يُحتمل: كيف أن فرحة التتويج الأسمى، بالنسبة لمن اعترف بأنه دائما أحب «التألق، والنجاح، وأن يكون الأول»، قد فتحت له بشكل متناقض أبواب «الجحيم». كيف يعيش هذا الوضع الجديد، بين تمثال القائد، الذي أصبح الآن خالدا في نقوش الحروف، وكيس اللكمات الجيوسياسي؟ البطل أو الهدف، في آن واحد؟ «بصراحة، لقد عشت مع هذه الهجمات لمدة عشرين عاما،» همس بها لصحيفة ليبيراسيون. ليس هناك شيء جديد. لا شيء. فقط مع جائزة غونكور، النظام غيّرَ المعامل”.
يقول الصحافيان إنه صباح يوم لقائهما بداود، كان الروائي ضيفا على إذاعة “فرانس إنتير” ليقود هجومه المضاد في وسائل الإعلام. الكاتب الجزائري، الذي حصل على الجنسية الفرنسية في عام 2020، متهم من قبل شابة من وهران باستخدام قصتها المأساوية لبناء شخصية “أوب”، بطلة روايته “حوريات” الحائزة على جوائز. صدرت الرواية في أغسطس 2024 وهي سرد واسع وشاعري عن العشرية السوداء، وتروي قصة امرأة فقدت صوتها بعد محاولة ذبح خلال الحرب الأهلية الجزائرية، التي جرت بين العسكر والمتمردين الإسلاميين في أواخر التسعينيات وأدت إلى مقتل 200,000 شخص.
يلفت الصحافيان إلى أنه قد تكون هذه المأساة هي مأساة سعادة عربان، البالغة من العمر 31 عامًا، بطلة سابقة في ركوب الخيل، التي ظهرت على القناة الجزائرية One TV بعد أيام قليلة من منح جائزة غونكور لتؤكد أن “حوريات” هي تجسيد لاعترافاتها لزوجة الكاتب، الطبيبة النفسية، التي استشارتها في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. ندبتها (ابتسامتها الثانية، كما كتب داود)، وشمها، وفتحة القصبة الهوائية… كل ما وجدته منذ بداية الكتاب، كما تقول، هو أمر حميم وفريد بالنسبة لها، ولم يكن ينبغي أن يخرج أبداً من عيادة المعالجة النفسية.
ويشير تقرير “ليبيراسيون” إلى “أنه في نهاية نوفمبر، خلال مؤتمر صحافي في الجزائر، محاطة بجدار من الميكروفونات، أعلنت محامية سعادة عربان، فاطمة بن براهيم، الشخصية الغريبة في نقابة المحامين الجزائرية، والمعروفة بقربها من النظام، عن الشكويين ضد الفائز الجديد بجائزة غونكور”. إحداهما بتهمة «انتهاك السر الطبي»، والأخرى بتهمة «انتهاك قانون المصالحة الوطنية»، بموجب ميثاق السلام والمصالحة الوطنية الذي يتحكم في استخدام ذاكرة العشرية السوداء، على الرغم من أن “حوريات”، على عكس عنصر اللغة الذي كررته دار غاليمار، ليس الكتاب الأول الذي يتناول تلك الفترة في الجزائر. ذروة النفاق هو أن ترى سعادة عربان اليوم قضيتها تُحتضن، بل وتُستغل من قبل سلطة تفرض الصمت على سنوات الرصاص دون عقاب.
تؤكد سعادة عربان، أن كمال داود وزوجته استقبلاها في بيتهما قبل نشر الرواية، مكررة رغبتها في أن لا تصبح مادة لرواية، وأنها تلقت عرضا بمشاركة الأرباح من اقتباس سينمائي للقصة… داود رفض الرد على هذه الاتهامات
«هذه الشابة، التي والدتها بالتبني هي وزيرة الصحة الجزائرية السابقة، روت قصتها في كل مكان، دافع داود على “فرنسا إنتير”. الجميع يعرف [هذه الشهادة] في الجزائر، وخاصة في وهران». في المقابل تؤكد سعادة عربان، أنها قد استقبلت من قبل كمال داود وزوجته في بيتهما قبل النشر، مكررة رغبتها في عدم أن تصبح مادة لرواية، وأنها قد عُرض عليها مشاركة الأرباح المحتملة لاقتباس سينمائي مستقبلي للقصة. الكاتب يرفض الرد على هذه الاتهامات في حواره مع صحيفة “ليبيراسيون”. يتجاهل الجدل بمقارنة تاريخية: «سألني أحدهم: “هل ما تقوله هذه الفتاة صحيح؟” بالطبع هذا صحيح. إنها ضحية من ضحايا الحرب. لكنني قابلت العشرات منهن! كأنك تكتب رواية عن النساء محلوقات الشعر بعد الحرب. إذا جاءت واحدة منهن قائلة: “هذه قصتي”، ماذا يمكنك أن تقول؟ نعم، هذه قصتك، لكن لا، ليست قصتك وحدك”.
يقول داود إنه يشعر بالألم في المقام الأول من أجل رفيقته. «لما رأوا أن التهجمات عليّ لم تؤثر فيّ، قرروا مهاجمة زوجتي». داود يعرب عن أسفه ويتحدث عن إحساس بالتكرار: بعد عامين من صدور روايته الأولى، “ميرسو.. تحقيق مضاد”، الحدث الذي فتح له أبواب العالم الأدبي، حُكم عليه غيابيا بتهمة “العنف الزوجي” ضد زوجته الأولى. تم نشر الحكم بسرعة من قبل وسائل الإعلام الجزائرية، لكنه ظل غير متاح للمعني بالأمر، حيث أخبره قاضٍ بعد أشهر من الذهاب والإياب أن الملف قد “فُقد”.
بالنسبة للكاتب، فإن استغلال قضية سعادة عربان يعكس قبل كل شيء الانحراف الديكتاتوري في بلاده: «في الديمقراطية، عندما يشعر شخص ما بأنه مظلوم من قبل عمل فني، فإنه يلجأ إلى العدالة. لكن عندما يكون لديك نظام يستغل جميع وسائل الإعلام في هذا البلد ضد المؤلف، فهذه سياسة، وليس لها علاقة بالعدالة».
في تزامن لافت، جاءت مراسم تسليم جائزة غونكور بعد أسبوع من زيارة ماكرون للمغرب، برفقة وفد يضم في طليعته الكاتب المغربي- الفرنسي الطاهر بن جلون، عضو لجنة التحكيم. بينما يثير وضع الصحراء الغربية التوترات بين باريس والرباط والجزائر
ويُذكر تقرير “ليييراسيون” أنه في تزامن لافت، جاءت مراسم تسليم جائزة غونكور بعد أسبوع من زيارة إيمانويل ماكرون للمغرب، برفقة وفد يضم في طليعته الكاتب المغربي- الفرنسي الطاهر بن جلون، عضو لجنة التحكيم. وبينما يثير وضع الصحراء الغربية التوترات بين باريس والرباط والجزائر، اعترف رئيس الدولة الفرنسية بـ«السيادة المغربية» على هذا الإقليم المتنازع عليه منذ نصف قرن، مما أخرج فرنسا من حيادها في هذا الملف، مضيفًا مزيدًا من التراب على العلاقات الفرنسية الجزائرية المتدهورة. «بالنسبة للزعماء الجزائريين، الذين لا يرون العالم إلا من خلال عدسة المؤامرة، الأمر محسوم: الصدفة لا وجود لها، يحلل كزافييه دريانكور، السفير السابق في الجزائر تحت قيادة نيكولا ساركوزي وإيمانويل ماكرون، الذي أثارت علاقاته مع مارين لوبان استياءً في Quai d’Orsay (قصر الرئاسة الفرنسية). جائزة غونكور كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، كان عليهم أن يفعلوا شيئا»، يواصل من يؤكد أنه تناول العشاء مع صنصال عشية اعتقاله في الجزائر.
في الواقع، فإن اعتقال كاتب “قسم البرابرة” عند نزوله من الطائرة في الجزائر العاصمة، في 16 نوفمبر 2024، يأتي بعد اثني عشر يوما من تتويج كمال داود. لكن، كما يشير احتجازه بتهمة «المساس بأمن الدولة»، فإن صنصال يدفع ثمن تصريحاته الأخيرة حول الصحراء الغربية في الموقع الفرنسي اليميني المتطرف «فرونتييرز». صنصال قال إن الغرب الجزائري كان جزءا من المغرب في زمن الاستعمار الفرنسي. وهذا خط أحمر بالنسبة للجزائر. ومع ذلك، فإن الابتهاج الذي أبدته وسائل الإعلام التابعة للنظام أمام صرخات الفزع من “فرنسا الماكرونو- صهيونية” يكشف كل شيء عن السياق الدبلوماسي النتِن.
في سن الرابعة والخمسين، لم يتخيل داود يوما ما أن يحتفل بمثل هذا التكريم من خلال قيادة حملة لإنقاذ صديقه بوعلام صنصال، وهو توأم أدبي لا يتمتع بنفس الهالة في الجزائر، بينما كان يسعى جاهدا للرد على “القتلة المأجورين الأيديولوجيين” للنظام. «كما تعلمون، التحدي الوحيد هو: هل يمكن أن تكون كاتبا جزائريا، الآن وفي المستقبل، يواصل حديثه في ممرات غاليمار. في الجزائر، تغلق المكتبات، ويتعرض آخر الناشرين لضغوط هائلة. الواقع هو أنه يوجد حاليا في الجزائر استيلاء ثقافي يجري أمام أعيننا. يتم طرد الكتاب ليحل محلهم الإسلاميون». بيار أسولين، عضو لجنة تحكيم جائزة غونكور، يروي أنه بمجرد ظهور اسم كمال داود بين المرشحين النهائيين للجائزة، وجد علبة بريده الإلكتروني مغمورة برسائل من مثقفين أكثر أو أقل غموضا “مخلصين للنظام الجزائري”، يحذرونه من “الحذر من كمال داود”: «كانت حقًا حملة منظمة، لقد بذلت الأجهزة السرية الجزائرية جهدا كبيرا». في مجلة “لوبوان” وفي إذاعة فرنسا الدولية، روى داود كيف كانت دعوة مشؤومة من أحد عناصر المخابرات لتناول «فنجان قهوة» في عام 2023 هي الشرارة التي جعلته يغادر الجزائر لفرنسا. إلى جانب التدنيس المزدوج، الذي لم يُعاقب عليه أحد، لقبر والده.
طفل مسرة، القرية صغيرة بالقرب من مستغانم في شمال غرب البلاد، يعلم أنه لن تطأ أقدامه قريبا شوارع وهران، مدينته المفضلة. في باريس، حيث استقر في صيف عام 2023، يشعر أصدقاؤه بالقلق. يقول دواد «إن تتويجي بجائزة غونكور قد منحني فرحة كبيرة، ولكن في نفس الوقت، شعرت على الفور أنه سيكون هناك رد فعل عكسي، وأنهم سيجعلوني أدفع الثمن»، تقول الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني، المقربة من داود، والتي تم تتويجها بنفس الجائزة في عام 2016: “إنه شخص معقد للغاية، وقليل من الناس يفهمونه تماما. إنه في الوقت نفسه مظلم وماكر، بل وحتى متألق، إنه رجل بين سرديتين، ونظامين من القيم على كل ضفة من ضفاف البحر الأبيض المتوسط”.
بالنسبة لفارس لونيس، الكاتب الجزائري المقيم في فرنسا، وهو ناقد دقيق لداود، فإن “مواضيع كمال هي تلك التي يتبناها حتى اليمين المتطرف: الإسلام، انعدام الأمن، التاريخ الاستعماري… وبما أنه جزائري، فإن كل ما يقوله يتم تعليبه”.
منذ عام 2014، يكتب الصحافي السابق عمودا أسبوعيا في مجلة “”لوبوان”، التي ترى فيه “كاتب الأوقات الوحشية”. بعض مقالاته تكشف، وفقًا لمنتقديه، عن قرب فكري مع الكتلة الرجعية. وهكذا ففي مقالة له يعتبر داود النائبة الأوروبية من حزب التجمع الوطني (اليميني المتطرف) مليكة سوريل (جزائرية الأصل)، رمزا لـ«قصة نجاح» لأنها تجرؤ على القول إن الهجرة كما تُمارَس اليوم تمثل «الخضوع» الإيديولوجي والديني، وتشكل خطرا كبيرا، بينما هاجم داود النائبة الأوروبية المتمردة ريما حسن (فلسطينية الأصل)، التي اعتبرها «أيقونة التحرير الوهمي لفلسطين» و«تتبنى موقف الضحية». بالنسبة لفارس لونيس، الكاتب الصحافي الجزائري المقيم في فرنسا والذي ينشر بشكل خاص في جريدة الوطن وOrient XXI، وناقد دقيق لداود، فإن “مواضيعه المتكررة اليوم هي في الواقع تلك التي يتبناها اليمين المتشدد، بل وحتى اليمين المتطرف: الإسلام، انعدام الأمن، التاريخ الاستعماري، الضواحي”. لكن، يضيف لونيس «بما أنه جزائري، فإن كل ما يقوله يتم تعليبه”.
هل يمكن فصل الكاتب عن الجدل؟ تستهل ليلى سليماني حياتها بشرح أنها تقرأ «فقط نصوص داود الأدبية»: «بيننا، لا نتحدث إلا عن قراءاتنا، لا أعرف ما الذي يكتبه في افتتاحياته» على العكس، يعتبر بيار أسولين، الداعم منذ فترة طويلة لداود، أن الجانبين من شخصية الكاتب لا ينفصلان، حتى في مناقشات جائزة غونكور. «القاعدة تقضي بأننا لا نحكم إلا على النص». لكن بالطبع، لن نتظاهر كما لو أن التزاماته لا وجود لها. سمعته تسبقه وتتداخل مع استقبال نصوصه. خاصةً أن الأدب والسياسة يتداخلان في أعماله. “الحوريات”، ليست كتابا خفيفا عن جزر البهاماس! ما يعمل عليه هو نفس المواضيع التي تناولها في مقالاته: الإسلاموية، الدكتاتورية العسكرية، وضع المرأة في أرض الإسلام، إلخ. لكن من الصحيح أن بعض أعضاء لجنة التحكيم أرادوا وضع نضالاته على مسافة».
يشير التقرير إلى أن أولئك الذين يعرفونه منذ فترة طويلة يتحدثون عن ازدواجية مضاعفة: كمال السابق (الأدب، النجاح، الضغوط) وكمال اليوم، ثم داود الوهراني (الكاتب الجريء) وداود الباريسي (الكاتب الافتتاحي الجاد قليلاً). «مع كمال، نحن في قلب العلاقة بين فرنسا والجزائر»، يفسر سفيان حجاج، ناشره الجزائري في دار “برزخ”، التي تأسست في عام 2000 بالجزائر، وصديقه القديم، الذي تكتب العلاقة معه بالنقاط المتقطعة منذ عام. كان هناك استنزاف للجزائر في داخله. وكمال لا يقتصر على الحلول الوسط. هذا هو جوهر أسلوبه الراديكالي: يكتب تحت تأثير الغضب. معه، لا مجال للتراجع».
في مقالة له اعتبر داود النائبة الأوروبية من الحزب اليميني المتطرف، مليكة سوريل (جزائرية الأصل)، رمزا لـ«قصة نجاح» لأنها تقول إن الهجرة تشكل خطرا كبيرا، بينما هاجم النائبة الأوروبية المتمردة ريما حسن (فلسطينية الأصل)، واعتبرها «أيقونة التحرير الوهمي لفلسطين»
صديق آخر، وهو كاتب، أبعده الزمن والجغرافيا ومواقف كل منهما، هو أكثر قسوة: «كمال هو اليوم حليف “ليبرالي” لماكرون، مستعد للتقرب من بعض أطروحات اليمين المتطرف، لا سيما في مسائل الهجرة والإسلام، وهذا هو الآن شكل “التجاوز” لديه». صديق كمال يأسف عليه ويقول: «كان ذا جاذبية هائلة» ويقبل «النقد برحابة صدر»: «لقد وضع موهبته، التي لا يمكن تجاهلها، في خدمة النفوذ والنجاح». ويضيف: «أجد ذلك محزنا. ربما أبكي شخصا لم يعد هو منذ فترة طويلة، وربما لم يكن موجودًا أبدًا».
داود، من جهته، يرفض أن يُهاجم بسبب مواقفه في “لوبوان”. في ممرات دار “غاليمار” حيث تستمر المحادثة مع “ليبيراسيون”، يتداخل دفاعه عن صنصال مع دفاعه عن نفسه: «ما يحدث لنا ليس له علاقة باليسار أو اليمين الفرنسي». فعند فريق نحن فرنسيان، وعند الفريق الآخر، نحن عرب سيئون. كيف يمكننا أن نعيش ونكتب؟ نسمع أن “بوعلام من اليمين المتطرف”، بينما هو في السجن! والباقي هو ثانوي. نحن لسنا بهارات أو إضافات للنقاش السياسي الفرنسي! نحن في بلد حر، حيث يمكننا الكتابة والنشر! وعلاوة على ذلك، ليس هناك فقط بوعلام وكمال. هناك كتّاب عرب آخرون، لا نتحدث عنهم، اضطروا للقدوم إلى هنا [فرنسا]. وهم لا يريدون التحدث، بالضبط، حتى لا يقعوا في هذا الفخ”.
داود، الذي قال في عام 2018 لـ”ليبيراسيون” إنه كان سيصوت لماكرون «دون تردد» لو استطاع، لم يرفض مع ذلك أن يتولى دور المثقف شبه الرسمي للقضية الجزائرية بتكليف من الرئيس الفرنسي (كان ماكرون منح داود الجنسية الفرنسية عام 2020). هناك قرب بين داود وماكرون اللذان ولدا بعد استقلال الجزائر عام 1962، وكان ذلك واضحا في الزيارة الرسمية لماكرون إلى الجزائر في عام 2022 (“رحلة غريبة”، كما قال داود)، انتهت بوجبة عشاء جمعتهما في مطعم بوهران، الذي أُغلق كعقوبة من قبل السلطات الجزائرية.
تصل هذه العلاقة إلى ذروتها في مقابلة طويلة أجراها رئيس فرنسا مع الكاتب، في مجلة لوبوان، دائمًا، في يناير 2023، بعنوان: «لا أعتذر للجزائر وأشرح لماذا». على الرغم من أن المؤرخ بنجامين ستورا قد عمل بجد على التقرير الكبير الذي من المفترض أن يهدئ مسألة الذاكرة بين البلدين، إلا أن داود هو الذي تم اختياره. «الرئيس يكن إعجابا كقارئ لكمال داود، الذي يعتبر أيضًا وسيطًا نحو الجزائر»، يؤكد مستشار في الإليزيه. لم تكن التبادلات بين الرجلين قد جفت. «إنه بالنسبة له كاتب مهم، مدافع كبير عن التنوير»، المستشار يواصل: “الرئيس في حديث دائم مع الكثير من الناس، داود يأتي في المقدمة”.
من بين “قرائه” يوجد أيضا عدد من المفسرين الدقيقين، الذين يتعقبون في أدق زوايا سيرته الذاتية العديد من المناطق المظلمة. بالنسبة للبعض، فإن غموض عمله يظهر حتى في الطبعات الجزائرية والفرنسية لروايته الرئيسية “ميرسو… تحقيق مضاد”، التي صدرت في عام 2013. وهي إعادة كتابة رواية الغريب لألبير كامو من وجهة نظر هارون، شقيق “العربي” الذي قُتل على يد ميرسو الكاموي، وكان موضوعا لتفسيرات نظرية دقيقة. الكتاب، الذي يعد بمثابة ولادة داود الروائية بكل تعقيداتها، مستوحى من مقالة غاضبة نُشرت في صحيفة لوموند عام 2010 تحت عنوان «ضد-ميرسو أو “العربي” المقتول مرتين». داود يضع الجزائريين والفرنسيين في مواجهة بعضهم البعض.
تربط ماكرون بكمال داود علاقة وثيقة، وكان منحه الجنسية الفرنسية عام 2020، وهو من قرائه، وبالنسبة له داود كاتب مهم، مدافع كبير عن التنوير. ويقول مسستشار لماكرون “إن الرئيس في حديث دائم مع الكثير من الناس، و داود يأتي في المقدمة”.
يرى صاحب دار النشر “برزخ” في هذا النص مادة لرواية. صدر الكتاب في عام الذكرى المئوية لميلاد ألبير كامو، ثم في فرنسا لدى دار نشر أكت سود، في عام 2014، في نسخة معدلة بناء على طلب ورثة الفيلسوف الشهير الذين طالبوا بتعديلات على النص. عنوان ألبرت كامو، في 93، شارع ليون، في الجزائر – الذي هو، لدى داود، عنوان القاتل – يتم حذفه. التعبير «ألبير مورسو»، وهو اختصار لألبير كامو وميرسو، الذي يربط الكاتب بالقاتل، حيث يختفي لصالح الاسم الأخير فقط «ميرسو». من هنا إلى رؤية كبح البعد النقدي للمشروع الأصلي لكمال داود، كما يدعي بعض الكتاب والباحثين في الأدب؟ «هذه التعديلات طفيفة ولا تؤثر على جوهر وشكل الكتاب، يؤكد سفيان حجاح، الذي يقول إن “أولئك الذين ينشرون هذا التفسير يسيرون في طريق خاطئ”.
عند صدوره في فرنسا، تم الإشادة بـ”ميرسو، ضد التحقيق” من قبل ج. م. ج. لو كليزيو (الحاصل على جائز نوبل) كـ”رواية تتساءل عن عما نغض الطرف عنه في تاريخنا الذي لا يزال حاضرًا”. في نفس العام، كادت الرواية أن تفوز بجائزة غونكور بفارق ضئيل (صوتين) – سيفوز داود بجائزة غونكور للرواية الأولى، كتعويض. ريجيس دوبري، عضو الأكاديمية، قال حينها إنه صوّت لصالح رواية داود “لأنها مؤثرة، هذه الطريقة التي يعترف بها كاتب جزائري بكامو كمعلم، دون تصفية حسابات”. هل يكفي لإعطاء الحق لأولئك الذين يرون في محو الطبيعة النقدية للرواية شرطًا مسبقًا لـ«داود مانيا»؟ بالنسبة لكوثر حرشي، مؤلفة أطروحة حول تكريس الكتاب الجزائريين الناطقين بالفرنسية، فإن تصريح دوبري يثبت «وجود قراءة سياسية تشترط الاعتراف بكمال داود في فرنسا”.
فضول آخر يشير تقرير “ليبيراسيون”: “يا فرعون”، رواية نشرها داود عام 2005، لكن لم تعد تظهر في سيرته الذاتية الرسمية. «الأفكار التي يدافع عنها كمال داود اليوم في “حوريات” هي على النقيض تماما، يشير الكاتب الجزائري فارس لونيس. يتناول السرد مسألة الجرائم المرتكبة ضد المدنيين (خلال الحرب الأهلية الجزائرية)، والتي تُنسب في الغالب إلى الحكومة والعسكر. بينما في “حوريات”، من الصعب تحديد المسؤولية الحكومية والعسكرية في مثل هذه المجازر، ولا يقتل سوى الإسلاميين بحجة أن العنف متأصل في الإسلام والعرب، فيما يتجاهل داود استبداد النظام وسياساته المعادية اجتماعيا، والتي يزدهر فيها التطرف الديني. خبير عميق في أعمال داود يضم صوته إلى فارس لونس: «محو رواية “يا فرعون” من بيبلوغرافيا داود هو على الأرجح نكران». من الممكن تماما أن يعتبر أن هذا النص لم يعد جيدًا، وأنه لم يعد يخدم وجهة نظره الأيديولوجية. الصديق الذي خاب أمله في داود، والمذكور سابقا، والذي يطالب بالخصوصية، يضرب على الوتر الحساس: «كان كمال نوعًا من المتحدث باسم الطبقة الوسطى العلمانية المريضة بالإسلاموية وسلطة العشائر في آن واحد.» لكن اليوم، في انتقاده للإسلاموية، لا يميزه عن صنصال سوى موهبة أسلوبية أكبر».
“يا فرعون”، رواية نشرها داود عام 2005، لكن لم تعد تظهر في سيرته الذاتية الرسمية. «الأفكار التي يدافع عنها كمال داود اليوم في “حوريات” هي على النقيض تماما. في الأولى، الجرائم المرتكبة ضد المدنيين (خلال الحرب الأهلية الجزائرية)، تُنسب في الغالب إلى الحكومة والعسكر. بينما في “حوريات”، لا يقتل سوى الإسلاميين
الكاتب يتحرر من نصوصه السابقة، حتى لو تطلب الأمر القيام بتحولات بزاوية 180 درجة، كما في القضية الفلسطينية. ففي عمود له في 2009، يستخدم داود لغته المدمرة ليُدين عمى العالم تجاه القصف الإسرائيلي المغلق على غزة بمقال بعنوان («تلفزيونات الغرب، لا جثث، إذن لا جريمة!»)، ملخصا الصراع بين الجيش الإسرائيلي وحماس بأنه صراع بين «جيش مزود بأحدث المعدات ومجموعات قليلة السلاح تدافع عن ربع وطنها، غير الموجود الآن». عندما اندلعت حرب أخرى في غزة بعد بضع سنوات، لم يكن داود عام 2014 متفقًا مع داود عام 2009، وكان يعتقد أن «المأساة الفلسطينية قد تم “تعريبها” و”أسلمتها” بشكل مفرط» في نفس العام، هُدد الكاتب بفتوى من قبل واعظ سلفي على فيسبوك. داود اتهُم بـ«الهرطقة» بعد ظهوره في برنامج “On n’est pas couché” على قناة France 2 الذي يحظى بمتابعة كبيرة على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وقوله: “إذا لم نفصل في ما يسمى بالعالم العربي في مسألة الله، فلن نتقدم».
بداياته ككاتب عمود في جريدة “لوكوتديان دورون” في وهران عام 1996، كانت “شاقة، حيت كان يعاني من الطول وصعوبة الكلمة”، كما يتذكر في كتابه “استقلالياتي”. داود يكتب على جهاز ماك الخاص به، كثيرا، لينتقم من الصمت، ويضاعف تعاونه الصحافي مع صحف أخرى، بكتابة حتى خمسة نصوص في اليوم، ويؤكد أسلوبه القصير، المؤثر، بلا قيود، ويصبح أكثر بورجوازية. سنوات الألفين هي سنوات حرية شبه كاملة، «دون ثقل الظهور الإعلامي، دون التفسيرات المبالغ فيها، المحاكمات، والإفراط في الطلبات أو الإعدامات العلنية». تحت قلمه، الجزائر هي مهزلة يطلق النار عليها وفقًا لهوسه- الجنس، مكانة المرأة، الإسلاموية، العقائد. داود هو الكاتب البارز في أول صحيفة في ثاني أكبر مدينة في البلاد، والتي يصل سحبها إلى 200,000 نسخة. حريته في التعبير، وشراسته تجاه بوتفليقة، تسبب قشعريرة في جسد صاحب العمل الذي يوقف مقالاته وأحيانًا يقيدها خوفًا من فقدان المعلنين الذين غالبًا ما يكونون قريبين من السلطة. وداود ينشر نصوصه الممنوعة على صفحته في فيسبوك. ولا بأس إذا تلقى رسائل من إسلاميين يصفونه بـ”اليهودي”.
يقول الصحافيان إن الكاتب ليس من النوع الذي يصمت. فقد نشر مقالة حول الاعتداءات الجنسية في مدينة كولون الألمانية ليلة 31 ديسمبر 2016، والتي تُعزى إلى “بؤس العالم العربي الإسلامي الجنسي”، وقد أثار ذلك جدلاً حاداً. وهاجمه خمسة عشر أكاديميا، متهمين الروائي بـ«الإسلاموفوبيا»، وكتبوا في عريضة لهم في لوموند”: «كمال داود يعيد تدوير الصور النمطية الاستشراقية الأكثر تقليدية». عند الاتصال به، لم يرغب أحد الموقعين في العودة إلى تلك الحادثة: «لقد عانينا كثيرًا في عام 2016». رد الفعل لم يتأخر، حيث أدان الكاتب باسكال بروكنر “كلاب حراسة الفتوى، المتنكرين في هيئة باحثين”. يخرج داود من هذه السلسلة، التي تمتد حتى في المجلات الأنغلو- ساكسونية «The Daoud Affair» (قضية داود)، كما عنونها في مجلة London Review of Books، منهكا. يعلن اعتزاله الصحافة. شعر داود بالتهديد، فانتقل إلى حي حديث في وهران، إلى إقامة محصنة وسط المسؤولين الكبار، والجنرالات الذين يرمزون لـ”النظام”، كما يُطلق عليه في الجزائر، حيث التداخل المعقد للمصالح السياسية والنفطية والعسكرية. «كان يجب رؤيتهم، خلال النهار، لا يوجهون له التحية، وفي المساء، بشكل سري، يطلبون منه توقيعات»، يتذكر السفير الفرنسي السابق في الجزائر دريانكور.
شعر داود بالتهديد، فانتقل إلى حي حديث في وهران، وإلى إقامة محصنة وسط كثير من المسؤولين الكبار، والجنرالات الذين يرمزون لـ”النظام”
بعد حادثة “كولون”، لم يتوقف داود عن التشدد في موقفه “كنبي شر” ويقدم الجزائر كفزاعة لعالم إسلامي قادم، كما لو أن المبالغة، بدلاً من التوازن، كانت الرد الوحيد الممكن على الانتقادات، سواء كانت موجهة من قبل النظام، أو بشكل أكثر دقة، من قبل مثقفين، عرب أو غير عرب، الذين كانوا يعتقدون أنهم رأوا فيه نموذجًا جديدًا، يتجاهل ما بعد الكولونيالية، ويقع في ممارسة كراهية الذات. للأسف، ربما مدفوعًا برغبته في الاستفزاز، أعلن داود منذ عام 2018 أنه “غربي”، كما لو كان يختار جانبًا. تخسر نصوصه الفكاهة ما تكسبه من شعرية أحيانًا متعجرفة. «كمال داود اكتسب الثقة، وقد وجد مكانه في النقاش العام»، يعلق أسولين. زادت الضغوط، وكل هذا يجعل من رواية “حوريات” ليست مكتوبة بنفس الحبر الذي كُتب به “ميرسو”. في حملته الترويجية للكتاب هذا الصيف، يصرح داود، بين نقطة اللاعودة ووداع الوطن الأم: «لدي متلازمة أبولينير، أنا أكثر فرنسية من الفرنسيين». مشيرا إلى مقولة الشاعر غيوم أبولينير، الذي وُلد في بولندا ثم حصل على الجنسية الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى.
ويختم معدا القرير بالقول: “كان الكتاب يُباع بشكل جيد جداً قبل جائزة “غونكور”، وقد تجاوزت مبيعاته 240,000 نسخة حتى الآن. على قدر مجده والجدل الذي أثاره. بعد المؤتمر الصحفي في غاليمار، يتجه الكاتب نحو الخروج، والعالم على كاهله. يستدير إلينا. كما في ومضة، يظهر داود اللاعب، صاحب النكات الحادة، الذي يتحدث عنه أصدقاؤه القدامى، في لمحة ساخرة: «أنتم تعلمون، أنا أعرف لمن تحدثتم، أنا أراقبكم مثل النظام”.