بابل في نصوص الشاعرة البريطانية جني لويس

للشعراء ثقافات مختلفة، وهواجس متنوعة، تُبنى وفق الفكر أو الوعي أو الثقافة التي تجذّرت على مرور سنوات؛ وفي الأخير تكون الكلمة المُنتجة خلاصة ما تجسّد في عقل الشاعر ووعيه، فليس هناك نصّ بريء حسبِ رؤية بارت، بمعنى أن النصوص نتاج ثقافات مُتجسدة وحاضرة.
تُضفي قصائد الشاعرة البريطانية جني لويس Jenny Lewis ، بسمات لا يمكن الاستغناء عنها، نجدها مُتشكّلة ومبنية، فضلاً عن هيمنتها فيها، ومن تلك السمات، المرجعيات الثقافية التي يمكن أن تكون جزئيات مهمة، تُشكّل في نهايتِهَا النصّ وفق المضمون والشكل والأداء.
تأثّرت الشاعرة جني لويس بالتاريخ العراقي، فأُعجبت بمدينة بابل الأثرية، وكتبت نشيدها المميز (نشيد كلكامش) جسّدت فيه رؤيتها حول بابل، بوصفِها المدينة الأثرية القديمة والمهمة، التي قدّمت الكلمة والمعرفة للعالم؛ حتى صارت بابل تُشكّل الروح المنغمسة في شعرها، وكلماتها، وخطابها الأدبي، إذ بدا لها تأريخ بابل المُرتسم الرئيس في ما تُخطّط وتكتب؛ لذلك نجد ملامح بابل وما يدور حولها من التأريخ يهيمن في نصوصها:
ممرٌّ بين الأشجارِ، مطروقٌ تماماً،
مُقطَّعٌ بضوءِ فأسٍ: هالاتُ خمبابا السبعُ المُشعَّةُ
تختفي بعيداً: تتحوَّلُ السماءُ المسائيَّةُ إلى كبريتيَّةٍ
فوق بابلَ، في احتفاليةِ بزوغِ الهلال..
أكّدت الشاعرة صورة البطل، إذ أعطت أهمية للبطل التاريخي؛ لأنها تعدّه المُنقذ للخلاص من الواقع، فهي تقدّم تشخيصا دقيقاً لمشكلات الواقع، ومن ثم تحاول معالجته من خلال شعرها، الذي تُرجم إلى العربية، وطبعته دور نشر عراقية. أرادت لويس في رسالتها الشعرية على مستوى اللغة المقروءة، أو على مستوى الخطاب المرئي الذي صورته ونشرته على اليوتيوب، كـ»نشيد كلكامش»، أن تبحث عن البطل الحقيقي، بوصفهِ البطل الواقعي لا الوهمي، المتمثل بالبطل (كلكامش):
في البدءِ، ظننتُ أنكَ كنتَ سراباً
لكنْ؛ وعلى عجلٍ، جعلتَني مأواكَ
كلكامش جنبَ جدارِ أوروك
وقد لفَّ خيطاً من الصوفِ حولَ قلبِ أينانا
هي تبحث عن البطل الذي تنتظره، ومن ثم تخاطبه، وتجعله بطلاً موازياً لذاتها، بوصفه مُنقذاً لمأساة مجتمع يستحق العيش في أفضل حال؛ لأنه من أحفاد التاريخ الأول في العالم، أحفاد بابل، وأحفاد البطل كلكامش كما ترى:
يا كلكامش؛ عدْ للمنزلِ!
بلدُكَ بحاجةٍ إليكَ كما المطرُ
يا كلكامش؛ عدْ للمنزلِ
أحتاجُ جيناتَكَ ثانيةً بجانبي
حاولتْ لويس أن تبحث عن بطلٍ مُعاصر مُنقذ على هيئة البطل كلكامش، يُسْهم في الخلاص من السوء الذي عاناه العراقي على مرّ الأزمنة:
كلكامشي؛ ابقَ آمناً في أوروك
وقد بنيتُ لكَ داخلَ القلعةِ سماءً
اتعظْ من ألمِكَ وحَيرتِكَ
وانظرْ إلى الضوءِ؛ مستمراً، إلى ما لانهايةٍ
تُضفي الشاعرة لغة الأمل على نصوصها، وهي تخاطب كلكامش بضمير التملك، فتؤكد الأمن، وترسم سماء، وتوجّه النصيحة بالاتعاظ من الألم والحيرة، ومن ثم توجّه بالنظر إلى الضوء، ويعني التبصر إلى النور، إلى الأمل، وهذه هي البداية الحقيقية للخلاص من الظلام والمعاناة، استمراراً إلى ما لا نهاية.
تأثّرت لويس بالأمكنة التاريخية في العراق، إذ جاءت أهمية المكان في كتاباتها، بوصفهِ أثراً خالداً له قيمته المعنوية التي يجب العناية به؛ فذكرت الأمكنة العراقية الأثرية، والتي كان لها الأثر الجليّ في صناعة التاريخ والحضارة، كبابل، ونيبور، وأكد، وأوروك وغيرها، ومن ثم تعتبر تلك الأمكنة لها سماتها التي يجب أن يُفتخر بها، فهي أمكنة عامرة للآن بما بناه الإنسان الأول من بناء مادي، وآخر معنوي، ينحصران ضمن خلق حياة تنبض بالكتابة والعلم والمعرفة:
اقْرَأْ آثارَ أقدامِنا، على الطريقِ الطويلِ، خارجَ بابل
فهي ستُخبرُكَ
كيف توقّفَ النهرُ، كيف غدتِ الأسماكُ في عُلَبٍ
وكيف كان للهواءِ مذاقُ الرخامِ، وكيف قاتلتْ رئاتُنا كي تتنفسَ
كأنَّها تحوَّلتْ إلى حَجَرٍ
كذلك تسعى الشاعرة إلى التأكيد على الزمن الشعري، من خلال استحضارها للتاريخ العراقي القديم الذي تأثرت به، إذ تحاول لويس الجمع بين الزمان والمكان؛ تحت زمكانية موحدة، أو ما يُسمى بــ(الكرونوتوب) حسب المصطلح المعروف لباختين، فهي، أي الشاعرة تفترض في «نشيد كلكامش» وجود التاريخ القديم بزمانهِ ومكانهِ، تحت زمكانية الحاضر؛ من أجل زمكانية المستقبل بصورة أكثر عفوية، بمعنى أنها تستحضر الزمان والمكان في الحاضر؛ لأجل معالجاته، ومحاولة خلق مستقبل جديد:
كَرَهَ انليلُ الحربَ. كَرَهَ الضجيجَ المُلوَّثَ، والتنافرَ.
حَذِرَ منهم في المدنِ – أولئك الذين يعيشونَ في الشوارعِ الخلفيَّةِ
والأماميَّةِ، أولئك الذين يعيشونَ في ظلِّ زقورتِهِ
تأثّرت لويس بكلّ شيء في العراق؛ حتى تعلّقت صور الحياة في ذهنها، قرأتْ عن تاريخ العراق، شاهدتْ وسمعتْ وتابعتْ كلّ ما حدث للعراق، وما مرّ به من تحولات، فكتبت عن الخوف والقلق والموت، مؤكدة ذلك بضرورة البحث عن حياة أكثر أمناً، وأفضل شأناً:
يا كلكامش، إنّكَ تتجهُ لقبرِكَ مبكراً،
أنتَ مدجّجٌ بالسُخطِ
حتى أنَّ حياتَكَ قد تنتهي في أي لحظةٍ –
مقطوعةً كَقَصَبَةٍ في سريرِ القَصَبِ
الشابُ البهيُّ، الصبيّةُ المحبّبةُ –
قد يقطعُهما الموتُ في ومضةٍ، إِرْباً إِرْباً
تُقدّم الشاعرة لويس صورة جليّة عن العراق، فتحدّثت في قصائدها عن صورة نهري دجلة والفرات، بوصفهما نهرين عظيمين:
عيناكِ؛ النهرانِ التَوْأَمُ
دجلة والفرات
هما سربانِ عظيمانِ، يلتفَّان خللَ الليلِ
يعكسُهما حقلٌ من النجومِ.
وهكذا، حاولت لويس أن تُعطي لنا دروسا في الأثر والتأثير، إذ قدّمت صورة واضحة عن العراق، بعدما تأثرت به، بتاريخهِ، وأبطالهِ، وحكاياتهِ، فصار شغفها العراق، وصار جلّ قراءاتها تاريخ العراق، وراحت تسمع وتشاهد وتتابع أحداث العراق، وما تأثر به من حروب وموت وما شابه، حتى بدأت تكتب عن معاناتهِ ومأساتهِ، مُقدّمة الحلول والمعالجات المناسبة لأجل بلاد تخلو من الحروب، وتعيش بأمن وسلام. للشاعرة لويس رؤية واضحة عن العراق، وكلّ ما يتعلّق به، بماضيه وحاضره، وتأمل أن يكون مستقبله ناصع البياض، تاركاً الحزن والسواد، فالموت لا يُليق به، كما ترى. ووفق ذلك، كلّ ما نقرأه من شعر يخصّ الشاعرة جني لويس، ينصبّ تحت صور العراق، باحثة عن قيم عُليا في تجلياته، ومهتمة برؤى مُغايرة في صفاته، وكأن العراق بلدها الأول، فهي تُجسد إنكليزيتها في واقعها، وتشكل عراقيتها في شعرها.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية