شحوب القضية الفلسطينية في الإبداع!

حجم الخط
0

تعد القضية الفلسطينية، التجسيد العملي لما يمكن أن نطلق عليه (الهشاشة الفكرية) التي تعيشها الأمة العربية، وهو ما عبر عنه الأدب بجلاء لكل متابع.
.. بدت أعراض الوهن، إبان الحكم العثماني في فلسطين، ثم مع وطأة الانتداب البريطاني، ثم الوجود الصهيوني، فبدت عورات فراغ سياسي وعسكري نظرًا لغلبة ثقافة كيانات ضيقة هشة، أو هي قبيلية، ثم تغلب واقع على الأرض الفلسطينية بعد 48، حيث ضمت الأردن الضفة الغربية، وضمت مصر قطاع غزة، بعد أن أعلنت دولة الكيان العبري الجزء الباقي من الأرض الفلسطينية.. وتجلى الانقسام الفلسطيني، بانفصال غزة عن الضفة الغربية.
وإن جاء الربع الأخير من القرن العشرين، وإلى الآن بالعديد من الظواهر: الانتفاضة الأولى والثانية عامي (1987 و2000)، ثم التصدي للعدوان على غزة عامي (2008 و2014).. مرورًا باتفاقية «كامب ديفيد» و»واوسلو» و»إعلان السلطة الفلسطينية»، ثم محاولات إعلان دولة فلسطين خلال الفترة الحالية. واللافت والمثير للسؤال:
«لماذا بدت القضية الفلسطينية شاحبة في الإبداع «المصري» تحديدًا، والعربي عمومًا، إلا من القليل من الأعمال الفلسطينية (حاليا) وبدرجات متفاوتة.

رؤية إبداعية مبكرة للقضية الفلسطينية

رواية «الوارث» للروائي خليل بيدس، بعد إعادة إصدارها عام 2011 (بمعرفة أول مكتبة رقمية فلسطينية لصاحبيها فؤاد العكليك ورمزي الطويل)، نشرت الرواية عام 1920. أهمية الرواية في كونها تتناول الشخصية (اليهودية)، وصورت الواقع الفلسطيني مبكرًا والشأن السياسي من خلال الحديث عن الحرب العالمية.
كما جاء الإبداع الروائي، وقد عبر في بعضه بالرمز، وفي بعضه الآخر بالتصريح المباشر لمعاداة الوجود الصهيوني المتنامي في البلاد.
رواية «مذكرات دجاجة» عام 1943، لإسحق موسى الحسيني، ورواية «أحاديث الولد مسعود» عام 1984، لطلعت سقيرق، وإدراجهما في منظومة البحث عن الذات والهوية الفلسطينية. وبدت أغلب الآراء النقدية تشير إلى كونهما تعبران عن حالة التشتت وفقد الهوية، ولا تشيران إلى وعي الروائيين بمفاهيم الهوية والتعبير عنها مباشرة.
لقد اتسمت السنوات السابقة على نكبة 48 بقدر كبير من الحراك السياسي والعسكري، وراج الشعر وهو ما تجلى مع إصدار الأعمال الكاملة لبرهان الدين العبوشي الشاعر والرائد في مجال المسرح الشعري الفلسطيني عام 2009.. ومن جيله المناضلون الأدباء الفلسطينيون: «محمود عباسي- توفيق فياض- نجوى قعوار». وأصيب الإبداع عموما بالصدمة بعد عام النكبة (1948)، حتى أنه صدرت أول رواية بعدها عام 1955 رواية «صراخ في ليل طويل» لجبرا إبراهيم جبرا.. والروايات الصادرة في الخمسينيات حصريا ثلاث روايات: «المتسلل» لتوفيق معمر، «ثمن النصر» لمجهول»، «بتهون» لتوفيق معمر. ومع الستينيات كان البحث عن الطريق والمقاومة.
.. ما أن بدأت أحداث معارك 1967، وعلى الرغم من كل نتائجها العسكرية.. كانت تلك النتائج نفسها سببًا لمخاض جديد.. وتعددت الأعمال الإبداعية.. مثل رواية «إلى الجحيم أيها الليلك».. لسميح القاسم، حيث عرض البعد التاريخي قبل وصول العبرانيين، ويتذكر الراوي طفولته، مقابل شخصيات العدو.
كما بدت تجربة الأسر والأسير.. في رواية «عناق الأصابع» للروائي عادل سالم، كما تجلى في الانتفاضة الأولى: «الحواف»/عزت الغزاوي، «زغاريد الانتفاضة»/ محمد وتد، «الجراد يحب البطيخ» لراضي شحاتة، «البالوع»/ أحمد يعقوب، «نجوم أريحا»/ ليانة بدر».. وغيرها.
والانتفاضة الثانية: رواية/ نصوص «البالوع».. وقائع الموت والحياة، للروائي أحمد يعقوب.. وأيضا تجلت القدس في المكان والأحداث في رواية «مدينة الله» لحسن حميد.

ملامح تنوع السرد والرؤى في
الرواية الفلسطينية بعد عام 67:

.. السرد التلقائي الصريح وأحيانا المباشر.. أقرب إلى أدب الاعتراف أحيانا.. التصوير الحميم والعاطفي.. النظرة الشمولية للكاتب، من دون الاهتمام بالربط بين جزئيات العمل أو شخوصه، اللهم إلا من القضية/ التجربة الجامعة.. لا تخلو الأعمال (غالبا) من خصوصية «الزمكانية» لموقع الأحداث وزمانها.. استخدام المفردات والتركيبات القريبة إلى الواقع الحياتي.. تصوير وقائع نضالية/مقاومة.. لم تخل الروايات من كون الآخر (العدو الصهيوني) يمارس «العنف»، وإلى حد القمع.. الروايات تقدم حلولا، سواء بممارسة المقاومة، أو الصمود للقمع، أو بتبني أيديولوجيا ما..
إذا كان الإبداع الفلسطيني في الستينيات يكشف «البحث عن طريق ما للخلاص»، فتلك الروايات التي نشرت في السبعينيات وما بعدها، تكشف «العثور على الذات الفاعلة والمقاومة».. لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ 1948.. حتى أن الدارسين رصدوا استحضار موضوع «سقوط الأندلس» في الشعر الفلسطيني قبل الانتفاضة.

هشاشة الأدب الراصد للقضية
الفلسطينية (غير الفلسطيني)!

■ رواية «ابتسامة على شفتيه» ليوسف السباعي: صدرت عام 1970، حاول من خلالها السباعي كشف جانب من عتداءات العصابات الصهيونية على القرى الفلسطينية. «عمار» بطل الرواية فقد ابتسامته والروح المرحة، حتى مع زبائن محل الأقمشة الذي يملكه والده في القرية. يرجع ذلك لشعوره بالعجز والمهانة أمام ما حدث لعائلته أمام عينيه وهو طفل صغير.
■ رواية قصيرة «الله معنا» لإحسان عبدالقدوس: يذهب الضابط «عماد» للمشاركة في حرب فلسطين بعد أن يودع خطيبته ابنة عمه التاجر الثري. يصاب «عماد» ويتم بتر ذراعه، يعود مع عدد من الجرحى والمشوهين، وهذا يؤدي إلى حركة تذمر بين رجال الجيش، وأن هناك رجالا وراء توريد الأسلحة الفاسدة للجيش منهم والد نادية. يتكون مجموعة من الضابط الأحرار الذين أخذوا على عاتقهم أن ينتقموا لوطنهم، يطلب «عماد» من «نادية» البحث في أوراق والدها على دليل يؤيدهم، وعند القبض على والد نادية يموت إثر إنفجار قنبلة يدوية فاسدة. وتنتهي الأحداث بالإطاحة بملك البلاد وتحرير الوطن.
■ رواية «حالم بفلسطين» لراندا غازي: شاهدت راندا غازي الفتاة الإيطالية المصرية السمراء – التي لم يكن عمرها قد تجاوز الخامسة عشرة ربيعًاً- الطفل الفلسطيني محمد الدرة يقتل أمامها على شاشة التلفزيون برصاص جندي إسرائيلي…
ثماني روايات لبشرى أبوشرار.. وهي كاتبة ولدت في فلسطين، ثم التحقت بالجامعة في مصر، حيث تزوجت وأقامت حتى اليوم، تحمل الجنسية المصرية، تمثل الكاتبة جانبا من الصورة التي نبحث عليها.. فقد تبنت في ثماني روايات لها فلسطين الحلم والمكان. أما روايتها الثامنة «دارا» فصدرت عام 2013 وهي القرية التي ولدت فيها، تمثل نمودجا لابتعاد القلم الإبداعي عن جوهر القضية الفلسطينية، اللهم إلا من المشاعر والتناول الشعري بلا أحداث حقيقية ومتنامية، أو فعل ما على الأرض من أجل استرداد الحق المسلوب في فلسطين.. وهو الأمر الذي لا يقلل من قيمة العمل الفنية بقدر ما أنه يعبر عن تحول القلم الإبداعي إلى رصد وإنشاء مجموعة من المشاعر الجياشة.. وهنا بيت القصيد: أين فلسطين الآن ومنذ أكثر من عقد في الإبداع المصري والعربي أيضا؟

هل هناك تشكل جديد في الرؤية
إلى القضية الفلسطينية في الأدب؟

■ رواية «باب الشمس» (عام 1998): وصل «يونس» وهو في حالة احتضار إلى المستشفى، وشخص الأطباء الحالة بـ»جلطة في المخ» ص14 ليبدأ السرد الروائي بلسان «خليل» الراوي العارف بكل التفاصيل التي نريد نحن القراء معرفتها، حيث البطل شبه ميت، والبديل يوفر تاريخ يونس وابيه وكل أهل بلدته بل تاريخ فلسطين وما جرى لها!
أما وقد اعتدت إسرائيل على لبنان واحتلت بيروت عام 1982، فلا حل إلا بالبحث عن حل جذري على الأقل في رأي الراوي، حيث يقول:
«القضية لا تعني تحرير الوطن فقط، بل تحرير الإنسان» (ص 53).
«الكلام القديم مات، ونحن بحاجة الآن إلى ثورة جديدة. اللغة القديمة ماتت، ونحن مهددون بالموت معها، لا نحارب ليس لأننا لا نملك السلاح، بل لأننا لا نملك الكلام» (ص 458)، بل وطالب بالكثير الواجب الإلتفات إليه: تحرير منظمات المقاومة من أخطائها.. أخطاء المقاومة هي أخطاء كل الفلسطينيين.. ومن نتائجها وصول الإسرائيليين بيروت. إن أهمية تلك الرواية أنها طرحت جانبًا خفيًا وخطيرًا في القضية الفلسطينية، خصوصا أنها بقلم فلسطيني.. ماذا يتبقى من القضية إذا اعتبرت في حالة احتضار كما «يونس»، بينما الحي البديل «خليل» يجلد ذاته ولا يتردد في بث روح غير انهزامية على كل حال، فقد طالب بلغة جديدة أو لنقل توجه جديد.. ولكنها مقهورة. ما هو الطريق المفترض بديل المقاومة لوجود العدو أولا؟ وغيره من الأسئلة من غير إجابة!

ملاحظات أخيرة:

ما دلالة هذا الشحوب في الإبداع المعبر عن القضية الفلسطينية من حيث الكم في مصر والعالم العربي، ومن حيث الكيف في الرؤى والتوجه في الرواية الفلسطينية؟.. ما كل هذا الكم من تأنيب الذات وجلد الذات؟ هل يسعى إلى موت القضية أم الاستسلام بالحالة السياسية الفلسطينية المشتتة على الأرض في المكان وفي التوجه وطريقة توظيف الخطاب؟ تبدو شخصيات الروايات الفلسطينية الآن، موجوعة غير فاعلة، إما هائمة وحالمة وإما محبطة.

كاتب مصري

السيد نجم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية