لماذا لم يعيدوا العمال الفلسطينيين أهالي الضفة الغربية للعمل داخل إسرائيل رغم التداعيات الاقتصادية الثقيلة الوزن؟ يرى حاييم بيباس، رئيس بلدية “موديعين” ورئيس مركز الحكم المحلي، أن الجواب هو اعتبارات الحكومة السياسية، أو للدقة أجزاء منها، تمنع ذلك.
يتهم بيباس في ذلك رئيس “الصهيونية الدينية”، وزير المالية سموتريتش. كيف يستوي إقرارهم إعادة العمال خلف الخط الأخضر للعمل في مستوطنات الضفة في حين أن ممثلهم في الحكومة لا يقول شيئاً، بل يمنع عودة العمال إلى داخل الخط الأخضر؟ “لا خوف أمنياً هناك؟ ربما يريدون تكثيف بناء المستوطنات وليس داخل الخط الأخضر”، يتساءل بيباس وربما حتى يقرر.
فور نشوب الحرب وعدت الحكومة بجلب 150 ألف عامل أجنبي، لكن هذا لم يحصل. حسب معطيات مركز الحكم المحلي والمقاولين، يوجد إبطاء 50 في المئة في مستويات البناء وفي تسليم المباني العامة مع التشديد على مؤسسات التعليم. “في هذه اللحظة، كلهم نائمون – وزارة المالية، الإسكان، التعليم. قبل أيلول بقليل سيستيقظون، والنتيجة – عشرات آلاف الأولاد سيتعلمون في السنة القادمة في الكرافانات”، يحذر بيباس. على حد قوله، يصعب على السلطات المحلية تمويل كلفة البناء التي ازدادت بنحو 40 في المئة، لأن كلفة العامل الأجنبي تصل إلى ضعف كلفة العامل الفلسطيني. إضافة إلى ذلك، فإن الدولة تخسر عشرات مليارات الشواكل من مداخيل الضرائب وتسويق الأراضي للبناء بسبب الجمود في الفرع.
وماذا بشأن الأمن أو إحساس الأمن بعد 7 أكتوبر؟ يعرض بيباس خطة مفصلة لجلب عمال فلسطينيين مع تصريح عمل – ممن فحصهم “الشاباك”. في الخطة يشير إلى تسفيرات مركزة إلى مواقع بناء محددة، ودوريات أمن تراقب، ومسؤولية زائدة من المقاولين على العمال. وثمة بحث يظهر أن عدد العمليات التي نفذها عمال مع تصاريح عمل على مدى 20 سنة كان هامشياً. يعطي جهاز الأمن لبيباس ولخطته إسناداً مع التشديد على الإشراف والرقابة المتشددين على الداخلين، وعلى المتابعة لأرباب العمل وإغلاق دائرة على عودتهم إلى المنطقة، إضافة إلى ذلك، ثمة رقابة على أرباب العمل الذين يبيتون ويسفرون. وهم يقترحون تغييراً للمعايير لتقليص الاحتمال للانخراط في الإرهاب (العمر، المزايا العائلية وغيرها).
ثمن مضاعف
أصبح الاتهام يوجه أساساً إلى وزير المالية سموتريتش الذي يرفض إعادة الفلسطينيين إلى العمل في إسرائيل. على حد قوله، يدور الحديث عن قوة خطيرة تذكر بمفهوم مغلوط لدى محافل الأمن التي كانت مع إدخال عمال فلسطينيين من قطاع غزة وإعطاء تسهيلات اقتصادية. في بيان نشره أول أمس، جاء أنه يعمل على تخفيض كلفة العاملين الأجانب لتسريع الأعمال في فرغ البناء. “لم أعد مستعداً للتجاهل والعودة إلى دخول مكثف للفلسطينيين إلى إسرائيل. هذا ليس صحيحاً أمنياً ولا قومياً واقتصادياً. يجب إدخال آليات بناء جديدة، لكن الإدمان على الرخيص والمعروف ليس حلاً، خصوصاً حين يحوم التهديد الأمني”. في محيطه يشددون- لن نعود إلى مفهوم “الهدوء مقابل الهدوء”، طريقة “سيكون على ما يرام”. كما يقولون هناك إن سموتريتش عارض أيضاً عودة العمال إلى المستوطنات – لكن الصلاحيات هناك في يد قائد المنطقة الوسطى الذي أقر الخطوة.
يختلف جهاز الأمن مع سموتريتش، ويشير إلى تصاعد ظاهرة دخول الماكثين غير القانونيين إلى نحو 40 – 50 ألفاً في اليوم بسبب هذه السياسة. خط التماس فالت الآن تماماً. لكن “إذا أعدنا العمال، ستكون لنا رقابة على الداخلين وعلى دخول الماكثين غير القانونيين، الذين لا رقابة عليهم”، يقول مصدر أمني كبير.
وحسب المصدر إياه، فإن “ما لم ينجح في قطاع غزة ينجح حالياً على الأقل في الضفة. في القطاع فشلنا في فهم أن المواجهة هي مع نظام إسلامي لحماس عمل كل الوقت على خطة الاجتياح وزعيم نجح في خداعنا وخداع جهات أخرى في المنطقة. أما في الضفة فالوضع مختلف. نحن في المنطقة ونعرف كيف نحبط معظم العمليات”.
وكيف يرتبط هذا بالجانب الاقتصادي؟ “انتبه لما يحصل في الضفة منذ 7 أكتوبر. لقد أمل السنوار في أن تكون هذه واحدة من الجبهات التي تعمل ضد إسرائيل. لكن من ينفذون العمليات هم مخربو “الجهاد” وحماس، وكذا خلايا من متطرفي “فتح”، في طولكرم أساساً. أعمال إخلال بالنظام قليلة وعلى نطاقات ضيقة. لكننا نخشى من أن يؤدي الوضع الاقتصادي المتفاقم إلى تصعيد”. على حد قوله، بدون استقرار وأمن اقتصادي، يكون تحريض الناس على الانشغال بالإرهاب “أسهل”، لأن المال والسلاح في هذه العوالم يمكن الوصول إليها بسهولة في مناطق الضفة. من هنا الخوف الحقيقي.
البطالة تؤدي إلى التصعيد؟ المعنى العملي لهذه السياسة هو إنتاج السلطة الفلسطينية. حسب تقرير البنك الدولي، هبط هذا الإنتاج في الضفة بأكثر من 23 في المئة في النصف الأول من العام 2024 (وفي القطاع بـ 86 في المئة). الأجر في القطاع العام في السلطة انخفض بما لا يقل عن 60 في المئة بسبب العجز الهائل، واضطرت السلطة لاقتراض المال من الأسواق المالية لدفع الرواتب وتمويل عملهم.
إن وقف تشغيل قرابة 100 ألف عامل في إسرائيل، معظمهم في فرع البناء بعد بدء الحرب، هو سبب أساس للأزمة. هؤلاء العمال أدخلوا قبل الحرب إلى الاقتصاد الفلسطيني أجراً بمقدار نصف مليار شيكل في الشهر، مال حرك الاقتصاد وانتقل بعضه بالضرائب إلى ميزانية السلطة. معدل البطالة المقدر الآن في الضفة يقترب من 40 في المئة مقابل 17 في المئة في النصف الأول من العام 2023.
الفلسطينيون ليسوا المتضررين الوحيدين من ذلك. فحسب تقرير بنك إسرائيل، تضرر الاقتصاد الإسرائيلي بعشرات مليارات الشواكل بسبب غياب العمال الفلسطينيين وشلل فرع البناء والبنى التحتية. وجاء في التقرير أن وقف عمل الفلسطينيين أدى إلى “مس خطير على نحو خاص في فرعي الزراعة والبناء، حيث يشكل الفلسطينيون نحو ثلث إجمال العاملين وأغلبية العاملين في “الأعمال الرطبة””. ولم يؤدِ عمل الحكومة للتغطية على النقص إلى نتائج، ويقضي بنك إسرائيل بأنه “لا حل واسع النطاق لنقص العمال في فرعي البناء والزراعة غير العمال الفلسطينيين”.
رغم معارضة سموتريتش والضرر الاقتصادي المتراكم، ليس متوقعاً للسياسة تجاه العمال الفلسطينيين أن تتغير قريباً. لكن جهاز الأمن يقدر بأن التغيير ربما يأتي بعد دخول ترامب إلى منصبه، ربما كجزء إلى الطريق للوصول إلى صفقة إقليمية شاملة، تلك التي حظيت بلقب “الصفقة الكبرى”.
داني زاكن
إسرائيل اليوم 26/12/2024