سقوط صنم الفكر القومي العروبي

حجم الخط
0

انس محمود الشيخ مظهر الإحساس بالانتماء إلى قومية معينة هو شعور جمعي عند كل شعوب المعمورة ويختلف من شعب إلى شعب آخر حسب ظروفه السياسية ماضيا وحاضرا، وفي الأغلب هو شعور فطري اقرب للعاطفة (أو من الأفضل أن يكون كذلك)، ولكن عندما يستغل هذا الشعور وينزلق إلى اتجاهات متطرفة عنصرية فهنا يكمن المقتل. وما سوف نبحثه في هذه الاسطر لا يعني عدم الاعتزاز بالانتماء لقومية معينة ولا نقصد أن لا يصل الشعور بالانتماء هذا إلى حد التضحية بالنفس في سبيل الحفاظ على خصوصية كل قومية إذا ما تعرضت لتهديد معين من قبل أطراف أخرى، ولكن عندما تستغل الوطنية من اجل القومية ويستغل الدين في صالح القومية فهذا لا يعني إلا إحساسا شوفينيا موغلا في العنصرية على الآخرين محاربته وبكافة الوسائل.فمراحل نشوء الفكر القومي عند الشعوب العربية تظهر ان القوميين العرب قد نما عندهم الفكر القومي في نفس الوقت الذي كانوا يقدمون فيه لشعوب الارض دينا سماويا أخرجهم من جزيرة العرب إلى المناطق المحيطة بها حتى وصلوا إلى أواسط أوروبا غربا والصين شرقا. بمعنى اخر فان نشوء الفكر القومي العربي لم يكن سببه حماية العنصر العربي من تهديدات خارجية وإنما للسيطرة على الشعوب الأخرى. فقد استغل الامويون والعباسيون الكثير من اسس الفكر الاسلامي ووضعوا الكثير من الاحاديث التي نسبوها للرسول عليه الصلاة والسلام لتدجين الشعوب الأخرى وترسيخ دعائم حكمهم عليها. فمن منا لا يستغرب عندما يقرأ الحديث المروي عنه صلوات الله وسلامه الذي يقول (أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي) هل يعقل أن الرسول الذي يقول لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى يأتي بعد ذلك ليفرض على الشعوب الأخرى حب العرب لأنه عربي ومنذ متى كان الرسول شخصا قوميا حتى يقول ذلك؟ وهل العرب شعب معصوم لايخطئ حتى يأمر الرسول المسلمين بان يحبوهم (باعتبار الحديث المروي لم يخصص حالة بحد ذاتها وإنما حالتها عامة) .؟ واستطاع بنو أمية وبنو العباس الحفاظ على حكمهم لعقود طويلة من الزمن الى ان غزا المغول بلاد المسلمين واسقطوا الخلافة العباسية، وفي أكثر فترات الدولة العباسية ضعفا كانت الشعوب الأخرى تدع الخليفة العربي في منصبه رغم ضعفه وقلة حيلته.هذا بالنسبة للفكر العربي القومي في بداياته أما في العصر الحديث فقد كان العرب أول من انقلبوا على الدولة العثمانية التي كانت تمثل اخر الخلافات الاسلامية بتحالفهم مع بريطانيا المستعمرة ضدها رغم انها كانت تعتبر مع كل مساوئها آخر اثر للفكر الديني الجامع لكل الشعوب المسلمة، وما نراه الان من دول عربية متعددة ما هي الا نتاج هذه العمالة العربية للمستعمرين البريطاني والفرنسي . وتشكلت بعدها أحزاب قومية مثل حزب البعث والأحزاب الناصرية لتحول الشعور القومي العربي هذه المرة إلى نظريات سياسية مقولبة تمتلك الكثير من الشعارات العقائدية وأصبح العرب بذلك القومية الوحيدة التي تؤدلج الفكر القومي لهذه الدرجة المتطرفة من المبادىء التي لم يذهب اليها أي شعب من شعوب العالم الاخرى. وبمرور الوقت ولدت هناك أجيال عربية كثيرة امنت بهذا الفكر القومي المتطرف مع انه لم يقدم لهذه الأجيال إلا الشعارات وتسلقت بواسطته الكثير من الدكتاتوريات إلى سدة الحكم ليكتشف هذا الشعب اخيرا بأنه قد أوهم بفكرة القومية العربية وإنها ليست سوى نظريات غير قابلة للتحقيق فانقلبوا ضدها فيما نراه الان من ثورات عربية ضد الحكومات التي كانت تتبنى هذا الفكر القومي المتطرف مثل حكم القذافي الذي كان يلقب بأمين الأمة العربية أو سوريا بشار الأسد التي كانت تلقب بأنها عرين العروبة أو قبلهم نظام صدام حسين الذي كانوا يلقبونه بأمل الأمة العربية، كل هذه الأنظمة تلاشت بواسطة نفس الشعوب التي كانت هذه الأنظمة تعدهم بالازدهار والتقدم عن طريق تطبيق النظريات القومية، ويجب أن نذكر هنا إن نظرة خاطفة للإنتاج الفكري لمنظري القومية العربية يعطي الانطباع الحقيقي على مدى غوغائية هذه الأفكار وهشاشتها واعتمادها فقط على الصيغ المعقدة البعيدة كل البعد عن الفحوى التربوي لأمة مثل الأمة العربية والتي يتبين إنها نابعة من فكر مريض معقد موغل في الفنتازية.ومن يتابع مسار الثورات العربية سيتأكد إن هذه الشعوب قد سئمت بالفعل من الشعارات الجوفاء هذه ونستدل على هذا الكلام بالنقاط التالية : – اننا لم نشهد أيا من الشعارات القومية المتطرفة فيها باستثناء شعارات معينة لم تخرج عن كونها تأييدا لثورات شقيقة أخرى في دول عربية أخرى وهذا لا يعتبر شعورا مبالغا به بقدرما هو شعور فطري بالانتماء القومي غير المرفوض.- كذلك فإننا لو دققنا في الحراك السياسي لهذه الثورات نلاحظ إنه لم يستطع أي حزب قومي ان يقود هذه الثورات بل تحولت الشعوب العربية هذه الى الاحزاب الاسلامية لتقود ثوراتها. – وهناك نقطة أخرى جديرة بالذكر في هذا الصدد وهي أن الأنظمة العربية التي كانت تدعي بأنها قومية كانت دائما تتهم أنظمة دول عربية أخرى بأنها هي الواقفة ضد آمال الشعوب العربية في الوحدة وبان هذه الشعوب لو خيرت في أمرها فسوف تدعوا إلى الوحدة العربية، بينما نلاحظ إن كل الشعوب التي أزاحت حكامها لم تدع إلى أي شكل من أشكال الوحدة العربية ولم تكن الشعارات القومية هي دافعها ولا أول همها بل الهم الأول هو الدافع الاقتصادي الخالي من أي أيديولوجية قومية، فماذا يعني أن تدفعك اسباب اقتصادية للقيام بثورة بينما لم تستطيع الأفكار القومية دفعك للقيام بنفس الثورات مع أنها قد مرت عليها فترة طويلة؟ ألا يعني هذا إن الفكر القومي العربي بصيغته المتطرفة هي ابعد ما تكون عن هذه الشعوب وأنها في واد والشعوب العربية هذه في واد آخر؟وحقيقة فإننا لا نستطيع أن نعتبر أن هناك قومية عربية خالصة أو نقية… لان استغلال بعض القوميين العرب للدين الإسلامي ومحاولاتهم إذابة الشعوب الأخرى في بوتقة العروبة كان سلاحا ذا حدين، صحيح انهم من جهة استطاعوا أن يركعوا بقية القوميات إلى القومية العربية باسم الدين ولكنهم في نفس الوقت خسروا وجود شيء اسمه الشعب العربي (النقي). فلو عملنا دراسة مبسطة عن عدد سكان شبه الجزيرة العربية عند بدء الفتوحات الإسلامية مقارنة بعدد سكان المناطق التي خرجوا إليها والتي كانت يسكنها غير العرب فسوف نجد أن نسبة الذين ينتمون للقومية العربية الآن هي أضعاف مضاعفة عن نسبة الزيادة الطبيعية عند الشعوب الأخرى، فالمعروف إن المناطق التي فتحها العرب (المسلمون) كانت عامرة بالسكان ولم تكن خالية منه ولم يهاجروا من مناطقهم بعد الفتح الإسلامي فأين هؤلاء الآن ولماذا نسبتهم الآن كشعوب غير عربية هي اقل من النسبة الطبيعية للزيادة السكانية إذا ما قارناها بالزيادة السكانية غـــير الطبيعية للعرب الذين خرجوا من الجزيرة؟ الجواب هو إن الكثيرين ممن اسلموا انسلخوا من قومياتهم الأصلية تشرفا بالإسلام وذابوا في القومية العربية مختارين، ومن المعروف إن القبائل العربية في وقتها كانت تضم أي شخص يأتيهم من خارج القبيلة بهدف الحماية أو الضيافة أو أي سبب آخر ومن الطبيعي ان الأجيال اللاحقة في هكذا حالات يصبحون ضمن النسيج الاجتماعي لتلك القبائل وينتسبون اليها … هذه النقطة وأسباب أخرى عديدة تجعل من الصعب علينا القول بان هناك قومية عربية نقية وإنما هي ثقافة عربية تشرب منها العربي وغير العربي من خلال الدين الإسلامي كون العربية هي لغة الإسلام والقرآن، والثقافة العربية هذه لا تعني بأي حال من الأحوال أن هناك عرقا عربيا نقيا كشعب.’ كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية