ترى هل تصرخ النخلة عند الذبح؟

للنخيل عندي منزلة وهوى، يضرب بجذوره في عمري، ويبسط ظلال سعفه على أيامي، خاصة نخيل (بستان جويسم) الذي يمنح طبيعة ضفاف الغراف عند مدينة (الغازية) رسوخاً وأبدية.
النخلة فيه، فرعها في الهواء، منطلقة، محددة، لا تميل مع الهوى، لا تنحني للأعاصير، سامقة كأنها إشارة التوحيد، منها استوحوا شكل المسلات فقدسوها، عدّوها شجرة الفردوس، وفي سفر التكوين هي شجرة المعرفة، وذكر النخل وثمره في نقوش ومدونات بابل وسومر، الملك سليمان نقشها على خاتمه، وحفرها الإغريق على نقدهم.
وأرفع تكريم، أنها الشجرة التي آوت إليها السيدة العذراء في مخاضها، وهزّتها فتساقط عليها رطباً جنيا.
لم أكن أعرف هذا كله في طفولتي، لكنني كنت أعرف رائحة التبغ في ملابس أبي، وأعرف رائحة الخبز الأبدية في عباءة أمي، عندما كنت أمضي أقرأ في قراءة الصف الأول ” زير… زيران.. قرد.. قردان.. قدري دقّ بابنا” كلما تهادى الغراف جنوباً كانت تزداد كثافة النخيل، تقصر المسافات بين أشجاره، يقترب.. يقترب حتى يكاد السعف يلامس الماء، وعن الأفق خط متصل منها، رشيق، باسق أنثوي المشهد، للسعف حضور راقصات رشيقات قادمات من أزمنة سحيقة البعد، كنت دائماً أحلق إلى النخيل، أطبع حضورها في ذاكرتي الأولى.
لا شيء في النخلة يذهب هدراً، النخلة لا تعرف الهباء، لا تجعل من خدّها للإنسان مداساً، وتجعل من قلبها الجمّار طعاما وشرابا سائغا ومشعا، يطلق روحه كالحمامات من أبراجها، ومن جسدها مأوى وملبساً ومعبراً وناراً ووقوداً ودفئاً، ومن أطرافها أدوات، مفردات توشي بفيء الزخارف المكللة بالضوء الباهر.
يأخذني الحنين إلى الناعور، في طرفيه خشبتا نخيل، هذا الخشب يمكث في الماء، حتى إذا كرّت السنون، وركضت الأيام في إثر الأيام، عدت إلى موقع الناعور فلم أجد في الزيارة الأولى إلا بقايا، أما الساقية فبدت لي حفرة بلا عمق، يكاد الردم أن يسويها بالأرض، أما ما افتقدته فرائحة خشب النخيل المبتّل بالماء، وعبير الطين، وصرير الناعور، في زيارة تالية لم أجد لكل هذا أثراً، احتزت بقايا النخل من الرؤوس، النخل يموت كالإنسان حين يذبح من النحر، امتد الحجر والإسمنت على ما تبقى من حيطان طينية يسندها أنين الرغبة الأبدية.

ترى هل تصرخ النخلة عند الذبح؟

يقولون: إذا دقّ أحدهم مسماراً في جذعها تبكي وتذرف دمعاً مالحاً، ويقولون إنها تستغيث، حينما تمتد الحبال حول عنقها لتشنقها، يمتد عنقها من فزع، تتنفس ناراً تجتاح أوردتها، النهر حزين له صدى منحاز لها، والجلاد يضحك من وهم ويركلها.
هل صحيح القول “قاطع النخلة عمره قصير”؟ بينما لساقي النخلة سبعون حسنة! صوت (جويسم) يرنّ في أذني، فيسمعه القلب.. يأتي إليّ يعاتبني:
نسيتَ حكاياك؟ لماذا تركت البستان وحيداً؟
لم يكن بعدُ لاسمي معنى في هذا البستان، كنت أعرف النخلات واحدة. واحدة. أسلك طريقي بين مئات المتشابه منهن، المتجاور، المتساوي في الطول، لكني أذكر واحدة بعينها، كانت تنبثق من الأرض بميل ثم تصعد في الهواء، تعال عند نخلات (الديري)، كان أبي يضع حفنات منه في أكياس ويهديها إلى الأقربين.
ما أنا إلا ثمرة من ثمار هذا النخل الذي لا أعرف مصيره الآن، لو نجحت في الوصول إلى نخلة واحدة باقية منه، لسعيت وإن كانت في أقصى الأرض وجثوت عند ترابها.
تخطفنا رغبة في البكاء! تذرفنا دمعة من هديل اليمامات في سيرة الوجع الخالدة.
تجرفنا صبوة لزيارة (السيد ظاهر) عند الفجر في ليلة المحية ونحن نردح:
يا نايمين الليل ياكفارة
أنتم شبعتم نوم واحنه سهارة
قلت: أثرتَ جراحي، وأججت جمر عذابي، وتسألني: كنت منشغلاً في سواي.
الأرض طواها العطش يا (جويسم)، فمن أيما نبع تعشوشب القفار؟ من أيما سماء يهطل غيم؟ مدائن الطين الخراب تيبست وجفّ ريقها، لا مفرّ لها إلا أن تموت ميتة معجّلة، بلا قراءة أو بسملة، كما أراد صناع الموت.
الجلادون يستدرجون النخيل فيقطعون جذوره ليسرقوا سعفه، ثم ينحروه من أعلى الرقاب!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية