لندن- “القدس العربي”: رأت الكاتبة شذى إسلام، المقيمة في بروكسل والمعلقة على الشؤون الأوروبية، أن المسلمين الأوروبيين ملعونون لو لم يندمجوا وملعونين لو اندمجوا في الحياة الغربية. وتناولت في مقال نشرته صحيفة “الغارديان” أن النقاش الجديد في الخطاب المعادي للإسلام، هو أن المسلمين الذين يندمجون في مجتمعاتهم هم كارهون للغرب أيضا.
وقالت إن الحديث عن تصاعد العداء ضد المسلمين في مختلف أنحاء أوروبا يعني سماع وقراءة تعميمات متكررة عن المسلمين في أوروبا البالغ عددهم 25 مليون نسمة. فـ “نحن ــ جميعنا ــ متدينون جدا ومن السهل أن ننجذب إلى التطرف والإرهاب. ونحن نعيش في مجتمعات موازية، كما أن النساء المسلمات وبخاصة المحجبات هن ضحايا للقمع الأبوي المتعصب أو نحن جنود راجلة في حملة لاستبدال الأوروبيين البيض الأصليين”.
المسلمون الأوروبيون ملعونون لو لم يندمجوا وملعونون لو اندمجوا في الحياة الغربية
وتابعت “مرة تلو الأخرى، تأمر الحكومات الأوروبية المسلمين بالاندماج: الدخول، أي الخروج من الظل والانضمام إلى التيار الأوروبي السائد المشمس و”ينبغي لنا أن نكون أقل “غربة”، وأكثر أوروبية، وأن نتبنى “القيم الأوروبية” (أي منها لم يتضح بعد، ولكن شرب البيرة وأكل لحم الخنزير من بينها)، والحصول على التعليم، ثم ــ وبعد ذلك فقط ــ المشاركة بنشاط في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في “مجتمعاتنا المضيفة” التي، وفقا لفيكتور أوربان رئيس وزراء المجر هي مسيحية بحتة”.
ولكن الأمور تسوء، حسب الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية التي نشرت قبل فترة نتائجها القاتمة، مسجلة زيادة عالية في العنصرية المعادية للإسلام في كل أنحاء أوروبا، حيث يعاني نصف مسلمي أوروبا تقريبا من التمييز العنصري القائم على الدين والعنصر ولون البشرة أو أصول المهاجر، وكذا التوترات المجتمعية التي سجلت خلال الـ 14 شهرا ومنذ اندلاع الحرب في غزة. وبالتأكيد زادت المشاعر العنصرية المعادية للمسلمين دفعة منذ إطلاق إسرائيل حربها على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. وكذا إصرار بعض الحكومات الأوروبية على مساواة أي نقد لإسرائيل بمعاداة السامية.
وتقول الكاتبة إنها اكتشفت وهي تبحث في الهيجان الأخير المعادي للإسلام في هولندا، بعد العنف الذي اندلع بين مشجعي فريق مكابي تل أبيب والسكان المحليين، وعثرت على تحول صارخ وأكثر خبثا في الرواية الحضارية التقليدية الأوروبية المتمحورة حول الذات. فالنص الضمني يشير إلى اختفاء التمييز بين “المسلمين الأشرار” و”المسلمين الأخيار”. فالمسلمون الذين اندمجوا في الحياة العامة وأصبحوا يشكلون جزءا من التيار الرئيسي، باتوا مشكلة مثل الذين يفترض أنهم غير متكيفين وغير اجتماعيين.
ويقدم النقاش الحاد واللاذع في هولندا صورة عن هذه المشكلة في الخطاب المعادي للإسلام. فقد زعم غيرت فيلدرز، النائب اليميني المعادي للإسلام في مجلس النواب الهولندي، والذي يترأس بشكل غير رسمي التحالف الحكومي الحاكم، مخطئا وبدون دليل أن “المغاربة” هم المسؤولون عن العنف في هولندا. وهدد بترحيل وسحب الجنسية من الأشخاص الذين يعتبرون مسؤولين عن التحريض. وأكد رئيس الوزراء الهولندي ديك سخوف قائلا: “علينا التخلص من معاداة السامية” من خلال “الاندماج الجيل وتربية أفضل للأطفال والتعليم”.
وقررت نورا أشهبار، وزيرة الدولة للإعانات، وهي من أصل مغربي الاستقالة احتجاجا على ما رأته تعليقات عنصرية أطلقها أعضاء الحكومة.
وقد تقدم حزب الحرية والديمقراطية، وهو واحد من أربعة أحزاب في حكومة الإئتلاف باقتراح برلماني يطلب من الحكومة “الحفاظ على تفاصيل المعايير والقيم الثقافية والدينية للهولنديين من أصول مهاجرة”. وفي وسط الحرب الكلامية، قال المعلق المخضرم في صحيفة “تيلغراف” ويرد داك أن
“المشكلة الحقيقية” مع المسلمين في هولندا، وبالضرورة في كل أنحاء أوروبا، هي أن معاداة السامية و”كراهية الغرب” مغروسة حتى في “المسلمين المندمجين جيدا ومن يتمتعون بمستوى عال من التعليم ويشغلون مناصب، ويكتبون أعمدة في الصحف ويعملون في الجامعات”.
وتصدت المؤرخة المغربية- الهولندية نادية بوراس لمزاعم داك وضحدتها. وقالت في مقابلة إن مثل هذه التصريحات “الخبيثة” كانت تهدف إلى إبقاء المسلمين في حالة دائمة من “الغربة”، على الرغم من أنهم ليسوا كذلك. وأضافت: “إنها تهدف إلى تأديبهم وإذلالهم، ومن الواضح الآن، معاقبتهم بسحب جنسيتهم إذا لم يفعلوا ما تريد”. ونقلت الكاتبة عن محمد شحيم، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الاشتراكي الهولندي قوله إن هذه التصريحات هي أيضا وسيلة لتقويض إنجازات المسلمين ودورهم ونفوذهم. وأضافت أن مختصا مؤثرا في مجال الاتصالات في الاتحاد الأوروبي ببروكسل أخبرها بأن المسلمين يناضلون من أجل الاعتراف بهم و”بغض النظر عن مدى إتقان شخص ما للغة أو حصوله على الدرجات العلمية أو تبنيه قواعد اللباس الصحيحة، فإن بعض الساسة الانتهازيين سيعثرون على شيء ما ويقولون إنه ليس إلا “شاذا عرقيا” غير متوافق مع القيم الأوروبية”.
المناقشة حول المسلمين الأوروبيين باتت تعبر عن نبرات قاتمة ولم تعد مقتصرة على الساسة اليمينيين المتطرفين. فالاتهامات الموجهة إلى المسلمين بأنهم يعيشون غربة دائمة هي نسخة جديدة مما قيل ذات يوم عن يهود أوروبا
وتعلق إسلام أن هذا محبط بما فيه الكفاية، ولكن المناقشة حول المسلمين الأوروبيين باتت تعبر عن نبرات قاتمة ولم تعد مقتصرة على الساسة اليمينيين المتطرفين. فالاتهامات الموجهة إلى المسلمين بأنهم يعيشون غربة دائمة هي نسخة جديدة مما قيل ذات يوم عن يهود أوروبا. ويتفق فريد حافظ، عالم السياسة النمساوي، مع هذا الرأي قائلا: “الآن، أصبح المسلمون متهمين بعدم التكيف، وأصبحوا “الآخر” في أوروبا”. وتقول الناشطة في مجال حقوق الإنسان شذى الريحاوي، التي تعيش في ألمانيا: “بات الأمر أشبه بأننا يهود أوروبا الجدد”.
وتابعت المعلقة “مع بداية العام الجديد أقول لنفسي إن هذا العام سوف يمر أيضا وسيعتاد الأوروبيون على العيش في ظل التنوع، وسيجد اليمين المتطرف هوايات أخرى، وسوف يتوقف الساسة الأوروبيون عن أحاديثهم السامة التي تثير الانقسام بلا مبالاة”. و”كثيرا ما أفقد الأمل، فالرد العنيف يزداد سوءا دائما بعد وقوع حادث إرهابي مثل الهجوم الأخير في ماغديبرغ، والذي يستغله أولئك الذين عزموا على وضع كل الناس من أصول إسلامية، أيا كانت خياراتهم الإيديولوجية، تحت الشك”. و”مع ذلك، أعتقد أنه في يوم جيد سوف تتغير المواقف مع زيادة عدد المسلمين الذين يتحدثون بصراحة، ويشقون طريقهم إلى أعلى السلم الاجتماعي”. وعلى حد تعبير شحيم، يوضحون أننا “نعرف حقوقنا الأساسية ونعرف القانون ونحن ناجحون”. وعندما يحدث ذلك، قد يتم الاعتراف أخيرا بالمسلمين الأوروبيين كأفراد ومواطنين بكل تنوعهم المعقد بدلا من اختزالهم في رسوم كاريكاتيرية تبسيطية وقوالب نمطية شرقية. و”ربما لن نعود حينها ملعونين إذا اندمجنا أو ملعونين إن لم نندمج”.