موقف غير عادي حصل لوزير التجارة الشهر الماضي، فبعد أن دخل سوق الخضار المركزية في بلدة توزر في الجنوب التونسي، في زيارة وصفت بالمفاجئة والعفوية، تجمع حوله بعض الاهالي وكشفوا له بالمختصر المفيد فصول تمثيلية هزلية أعدت على عجل قبل قدومه.
قالوا له بالصوت العالي، وعلى مرأى ومسمع من كل وسائل الإعلام التي جاءت لنقل الزيارة، إن «الاسعار المعتمدة غير صحيحة، وقد وقع التنبيه على الباعة للتخفيض فيها قبل حلولكم في السوق، وعندما تغادر أنت سوف تعود الامور إلى نصابها…». أكثر من ذلك واجهه واحد من الحاضرين بسؤال فلسفي بالغ الصعوبة والتعقيد عن دواعي دفع الناس لضريبة الكذب، وقال له، من دون لف ولا دوران، وبحسب ما نقلته اذاعة «شمس أف إم»: «سيدي الوزير هذا كذب على المواطن».
الوزير الذي لم يعلق على الموضوع ولم يكلف نفسه عناء الرد قال للصحافة ما انتظرته من مسؤول في مثل موقعه الحكومي وهو «إن الاسعار مقبولة وفي المتناول، مقارنة بباقي اسواق المحافظات الاخرى»، ثم أُغلق الملف ليواصل زياراته لباقي المحافظات. هل كان يدرك في قرارة نفسه أنه طرف في المسرحية، بل واحد من أبطالها الرئيسيين، ففضل لاجل ذلك أن لا يخوض في التفاصيل الصغيرة التي قد تحرجه وتحرج غيره، أم كان على العكس تماما غير مدرك لها، واعتبر الامر مجرد ردة فعل بائسة وحقودة من بعض المعارضين، الذين استغلوا نعمة الديمقراطية للتشويش على عمل الحكومة وتشويه صورتها أمام الرأي العام؟
لا أحد بإمكانه التنبؤ بالجواب، لكن الامور تمضي في تونس بالاسلوب نفسه. زيارات مكوكية لا تتوقف لكبار المسؤولين للقرى والمحافظات، ثم مجالس وزارية وقرارات ومشاريع، وفي النهاية لا شيء على الإطلاق يدل على أن هناك على الارض ما يشعر الناس أن حياتهم قد تتغير يوما ما نحو الأفضل.
حتى شركات سبر الآراء التي تتهم في العادة بانحيازها وفقدانها للمصداقية، لم تستطع الاستمرار طويلا في تجميل الصورة، فقد أكد مدير عام شركة «سيغما كونساي» وهي واحدة من بين تلك الشركات المعروفة لإذاعة «اكسبريس أف إم» على أنه، وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسته الشهر الماضي، فإن «اكثر من سبعين في المئة من التونسيين غير راضين عن الوضع الاجتماعي، واكثر من ثمانين في المئة منهم غير مرتاحين للوضع الاقتصادي. اما ما يفوق الستين في المئة من المستجوبين فلا يبدون مطمئنين بوجه عام لسير الأمور في البلاد». ما الذي يعنيه ذلك؟ بوادر ثورة اجتماعية أخرى، كما يقول أمين عام اتحاد الشغل، النقابة الاكثر نفوذا وقوة في البلاد، أم تلاعب مقصود بالمشاعر الشعبية لمزيد الضغط على الحكومة حتى ترفع الراية البيضاء وتستسلم نهائيا لمشيئة النقابات؟
في كل الاحوال يبدو أن امرا واحدا يوحد السياسيين ورجال الاعمال والسماسرة والتجار، وحتى كبار النقابيين، وهو الغش الديمقراطي.. فهو الوجه الوحيد الذي يقبل به معظم التونسيين ولا يبدون خجلا أو انزعاجا منه على الاطلاق، بل يجدون له المبررات والدوافع وينجذبون اليه بقوة، رغم اختلاف الغايات والاهداف. ولعبة الغش تبدأ في الظاهر بسوق السلع والبضائع، لكنها تصل بشكل هادئ وسلس إلى سوق السياسة والسلطة. ويستلم الافراد نصيبهم من الغش، بحسب مواقع النفوذ وقدرتهم على استعراض مهاراتهم في ابتكار اسرع الطرق واكثرها تحقيقا للمهمة بأدنى التكاليف. ولأن الامر مرتبط بالديمقراطية، فلا بأس أن يحشر الاعلام انفه في الموضوع، لكنه بدون أن يتخطى حدودا معلومة ومحددة بدقة.
أما المثال العملي الاقرب والاكثر شهرة على ذلك فهو فضيحة لحوم الحمير التي بدأ الاعلان عنها رسميا قبل شهور، بعد أن استفاق التونسيون على حقيقة صادمة، وهي أن جزءا مهما من اللحوم التي كانت تباع لهم على أنها لحوم ابقار، لم تكن بالاصل سوى لحوم حمير. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «آخر خبر» الاسبوعية في الرابع عشر من الشهر الماضي فان سكان العاصمة وحدها يلتهمون سنويا ستة آلاف حمار تقدم لهم لحومها في بعض المطاعم ومحلات الشواء. ولان الكشف عن بعض المخازن السرية لتلك اللحوم والاعلان عن حجز كميات كبيرة منها لم يكن كافيا، بدون توابل او بهارات إعلامية، فقد ظهرت بعض الوجوه المعروفة على شاشات القنوات التلفزيونية لتبدي استغرابها، لا من حجم الغش، بل مما وصفته تهويلا ومبالغة، ولتؤكد بالمقابل على أن لحوم الحمير تباع في فرنسا وهي جيدة ولذيذة، بل هي الطعام المفضل للسادة البيض في الضفة الشمالية. وها هو طبيب يعمل في معهد التغذية يضيف بعد ذلك لصحيفة «الصباح» المحلية أن «التركيبة الغذائية للحوم الحمير هي التركيبة الغذائية نفسها لباقي اللحوم الحمراء، وهي تحتوي على نسبة كبيرة من البروتينات بمعدل عشرين غرام بروتين في المئة غرام لحم، كما أنها غنية بالاملاح المعــــدنية والفيتــــامينــات، وفيها كل المكونات الاساسية لمختلف اللحوم. كما اكدت دراسات وبحوث اعدت في تونس، أن التونسي يستهلك لحوم الحمير ولم يثبــت طبـــيا انها مضرة بالصحة…». فما الإشكال إذن؟ فهذا الغش الديمقراطي يباركه الطب، وحتى وزير التجارة، لا يرى الامر يستحق كل تلك الضجـــة فمعــــاليه يقول في تصريح لاذاعة موزاييك بعد زيارة لمحافظة سوسة «إن لحوم الحمير تباع في تونس منذ سنوات في محلات مرخص لها والإشكال يكمن فقط في عدم امتثال بعض القصابين المختصين في لحوم الحمير للتراتيب وشروط حفظ الصحة».
ما يعنيه ذلك أن ما حصل هو مجرد مخالفات صحية بسيطة قد تسوى بدفع غرامات مالية، ثم يغلق الملف مثل غيره من الملفات الأخرى. ويبقى بعد ذلك على التونسيين أن لا يتعللوا أبدا بأن أكل لحوم الحمير محرم في الإسلام أو أنهم تعرضوا لغش شبكات إجرامية باعت ضمائرها للشيطان، وقد يجدون في النهاية أن الحل العملي الوحيد امامهم في المستقبل هو في البشرى التي زفها لهم السفير الامريكي في تونس في حوار على قناة الحوار التونسي، من أن هناك رغبة في أن تفتح محلات ماكدونالدز الشهيرة للاكلات السريعة فرعا لها قريبا في البلد. لا دخان من دون نار، إذن بعد أن هرم البسطاء وأكلوا لحوم الحمير من اجل تلك اللحظة التاريخية التي يطعمهم فيها العم سام من اكلاته المعولمة، بدلا من الاكلات المحلية المشوهة. لكن الامر لن يقف بالتأكيد عند ذلك الحد فلا احد بامكانه الهروب من تلك الدائرة الجهنمية، سواء كان محبا للحوم او كان على النقيض نباتيا. غير أن أخطر أنواع الغش على الاطلاق، التي لا يلقي لها الناس بالا هي عمليات الغش التربوي والاخلاقي لاجيال الشباب، التي تجعل المستقبل يبدو أمامهم قاتما وشديد الضبابية. فلأجل عيون النقابات لا ترى وزارة التربية حرجا في التخفيف من شروط اسعاف التلاميذ بالنجاح في امتحانات الثانوية العامة ولا تفعل بالمقابل شيئا لوقف غول الدروس الخصوصية الذي يلتهم سنويا وبحسب دراسة حديثة خمسمئة مليون دينار من الميزانيات العائلية، ثم قبل ذلك وبعده لا تجد الشجاعة الكافية لرفض زيادات في أجور المدرسين قدرت بمئة وخمسين مليون دينار، أي ما يقارب السبعة والسبعين مليون دولار، في وقت يصرح فيه وزير المالية بأن الحكومة ستلجأ مجددا للاقتراض من الخارج بسبب زيادات غير متوقعة في الاجور. ما يهم وزير التربية هو أن ينتهي العام الدراسي وتوزع شهادات التفوق على الطلاب، أما كيف وبأي ثمن، وهل أن ما جرى كان نوعا من الغش الخطير فلا احد يهتم أو يرفع صوته بالاحتجاج قبل غرق السفينة.
لقد أعدم ديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ اون، وزير دفاعه بسبب ما قيل إنها «غفوة» دلت على «قلة احترام الزعيم». اما في تونس فيبدو أن غش الديمقراطية يعدم يوميا آمال التونسيين في أن يتخلصوا نهائيا والى الابد من سطوة العصابات ولا يبقى لهم في تلك الحالة من حل سوى أن يسلموا امرهم لله، أو يكشفوا بعض فصول مسرحيات الكوميديا السوداء التي يصادفونها أمامهم مثلما فعل أهالي توزر مع وزير التجارة. لكن هل يغير ذلك شيئا على أرض الواقع؟ يقول المثل الصيني «إن تضئ شمعة خير من أن تلعن الظلام» ومن المؤكد أن هناك تونسيين يشعلون شموعا كثيرة، رغم شدة السواد وقلة الضوء.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية