الأمم المتحدة- “القدس العربي” ووكالات: عقد مجلس الأمن الدولي أولى جلساته لعام 2025، بناء على طلب من رئيس المجلس لشهر كانون الثاني/ يناير السفير الجزائري عمار بن جامع. وجاءت الجلسة الطارئة على خلفية قيام إسرائيل بتدمير مستشفى كمال عدوان يوم 27 كانون الأول/ ديسمبر 2024 واختطاف رئيس المستشفى الطبيب حسام أبو صفية.
ودعت الجزائر ثلاثة متحدثين لتقديم إحاطات للمجلس هم: فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، والدكتور ريك ىبيبركورن ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، والدكتورة تانيا حاج حسن من منظمة “أطباء بلا حدود. كما تحدث خلال الجلسة ممثلو كل من مصر وإسرائيل وفلسطين.
مهاجمة المستشفيات جريمة حرب
قال تورك في مداخلته عن طريق الفيديو إن كارثة حقوق الإنسان في غزة مستمرة أمام أعين العالم “لقد قتلت وسائل وأساليب إسرائيل في الحرب عشرات الآلاف من الناس، وأحدثت نزوحا واسع النطاق، وألحقت الدمار بالمنطقة. وقد أثار هذا مخاوف شديدة بشأن الامتثال للقانون الدولي”. ولفت إلى التقرير الذي صدر حديثا عن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والذي يغطي الفترة ما بين 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى 30 حزيران/ يونيو 2024 ويوثق أنماط الهجمات على المستشفيات، بدءًا بالضربات الجوية الإسرائيلية، تليها غارات القوات البرية، واحتجاز بعض المرضى والموظفين، والإزالة القسرية لآخرين، وانسحاب القوات، مما يجعل المستشفى غير صالح للعمل بشكل أساسي. كما يوضح التقرير بالتفصيل عمليات قتل المرضى والموظفين والمدنيين الآخرين.
وقال تورك إن حماية المستشفيات أثناء الحرب أمر بالغ الأهمية ويجب على جميع الأطراف احترامه في جميع الأوقات “إن تدمير المستشفيات في مختلف أنحاء غزة يتجاوز حرمان الفلسطينيين من حقهم في الحصول على الرعاية الصحية الكافية. فقد وفرت هذه المستشفيات ملاذاً آمناً لآلاف الأشخاص الذين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه”.
وأشار تورك إلى الدمار الذي ألحقته هجمات الجيش الإسرائيلي يوم الجمعة الماضي بمستشفى كمال عدوان، آخر المستشفيات العاملة في شمال غزة. وقال: “إن ذلك يعكس نهج الهجمات التي يوثقها تقرير مكتبه ويشير إلى إجبار بعض الموظفين والمرضى على الخروج من المستشفى، بينما يحتجز آخرون منهم المدير العام للمستشفى في ظل تقارير كثيرة عن التعذيب وإساءة المعاملة”.
ودعا مفوض حقوق الإنسان إلى ضرورة أن تُميز العمليات العسكرية دائما بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والالتزام بالمبادئ الأساسية للتمييز بين الأهداف، والتناسب، واتخاذ الحيطة أثناء شن الهجمات. وقال: “إن الفشل في احترام تلك المبادئ يعد انتهاكا للقانون الدولي الإنساني. إن شن الهجمات بشكل متعمد على المستشفيات والأماكن التي يُعالج بها المرضى والجرحى – بالنظر إلى أنهم ليسوا أهدافا عسكرية – جريمة حرب. وتحت ظروف معينة فإن التدمير المتعمد لمنشآت الرعاية الصحية قد يصل إلى أن يكون شكلا من أشكال العقاب الجماعي الذي يعد أيضا جريمة حرب. إن ارتكاب تلك الأعمال كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي على سكان مدنيين، قد يصل أيضا إلى درجة الجرائم ضد الإنسانية”.
وذكر تورك أن إسرائيل في معظم الحالات تدعي أن المستشفيات تستخدم لأغراض عسكرية من الجماعات المسلحة الفلسطينية. وقال إنه تلقى للتو رسالة من السفير الإسرائيلي يؤكد فيها أن مستشفى كمال عدوان كان يستخدم لأغراض عسكرية من حماس وأن القوات الإسرائيلية اتخذت تدابير فائقة لحماية حياة المدنيين فيما كانت تنفذ عملياتها بناء على معلومات استخباراتية موثوق بها. وأضاف: “إن إسرائيل لم تقدم معلومات كافية لإثبات الكثير من تلك الادعاءات، التي غالبا ما تكون غامضة وواسعة النطاق، وفي بعض الحالات يبدو أنها تتناقض مع المعلومات المعلنة”. وأضاف أنه إذا تم التحقق من تلك الادعاءات فإنها ستثير مخاوف جادة بشأن استخدام جماعات مسلحة فلسطينية وجود المدنيين بشكل متعمد لحماية نفسها من الهجمات، بما يصل أيضا إلى جريمة الحرب. وقال “إنني أدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشاملة وشفافة في جميع الهجمات الإسرائيلية على المستشفيات والبنية الأساسية للرعاية الصحية والعاملين في المجال الصحي بالإضافة إلى الادعاءات بإساءة استخدام تلك المنشآت”.
سبعة في المئة من سكان غزة قتلوا أو أصيبوا
لخص ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، الدكتور ريك بيبركورن، الوضع في غزة بالقول إن نحو 7% من سكان القطاع قُتلوا أو أصيبوا بجراح منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023. وأضاف أن أكثر من 25% من المصابين المقدر عددهم بـ 105 آلاف، يعانون من جراح غيرت حياتهم ستتطلب جهودا مكثفة لإعادة التأهيل ومساعدات طبية تكنولوجية مدى الحياة.
وقال بيبركورن، الذي كان يتكلم عبر الفيديو أيضا، إن المستشفيات، مرارا وتكرارا تصبح ساحات للمعارك بما يجعلها غير قادرة على تقديم خدماتها ويحرم المحتاجين من الرعاية المنقذة للحياة. وأضاف أن القطاع الصحي في غزة يُفكك بشكل منهجي ويُدفع إلى نقطة الانهيار في ظل الشح الحاد في الإمدادات الطبية والمعدات والمتخصصين. وأشار إلى أن 16 مستشفى فقط من بين مستشفيات غزة الستة والثلاثين، لا تزال تعمل بشكل جزئي، بقدرة سريرية تبلغ 1822 فقط، بما يقل بكثير عن احتياجات التعامل مع الأزمة الصحية الهائلة في قطاع غزة.
وقال ممثل منظمة الصحة العالمية إن عمليات الإجلاء الطبي بطيئة جدا من القطاع، وإن أكثر من 12 ألف شخص بحاجة إلى نقلهم خارج غزة لتلقي العلاج. وأشار إلى أن استمرار الوتيرة البطيئة الحالية يعني أن إجلاءهم – بمن فيهم آلاف الأطفال – سيستغرق من 5 إلى 10 سنوات.
وأضاف بيبركورن أن “منظمة الصحة العالمة وشركاءها يفعلون كل ما يمكن لتمكين المستشفيات والخدمات الصحية من مواصلة العمل”. وتطرق إلى العراقيل والقيود أمام إدخال الإمدادات إلى غزة وبأنحاء القطاع. وقال إن 40% فقط من مهمات منظمة الصحة العالمية خلال عام 2024 في غزة قد تم تيسير تنفيذها، بما أثر بشكل مباشر على قدرة المنظمة على توفير الإمدادات للمستشفيات ونقل المرضى من الحالات الحرجة ونشر فرق الطوارئ الطبية. وأضاف “يستمر تدهور الوضع الصحي والإنساني في شمال غزة المحاصر منذ نحو 90 يوما، مستشفى العودة فقط لا يزال يعمل بالحد الأدنى مع عدم وجود مرافق للرعاية الطبية الأولية في المنطقة”.
وقال بيبركورن إن مستشفى كمال عدوان، المستشفى الرئيسي في شمال غزة، توقف عن العمل بعد مداهمة الأسبوع الماضي والهجمات المتواصلة منذ أكتوبر 2024. وأعرب عن قلق منظمة الصحة العالمية بشأن مدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية الذي ألقي القبض عليه أثناء المداهمة، ودعا إلى إطلاق سراحه على الفور. كما دعا بيبركورن إلى السماح بالوصول العاجل إلى المستشفى لتقييم الأضرار وتحديد ما إذا كان من الممكن إصلاحها، وحث على تيسير نقل المعدات الطبية من كمال عدوان إلى مستشفى العودة والمستشفيات الأخرى في مدينة غزة. وقال: “ورغم التحديات الهائلة، قال بيبركورن إن النظام الصحي في غزة لم ينهار وإن كان قد تأثر بشدة رغم كل الصعاب، العاملون في المجال الصحي ومنظمة الصحة العالمية وشركاؤها حافظوا على استمرارية الخدمات بقدر الإمكان”.
وقال إن استعادة العمل بمستشفى الشفاء ومجمع ناصر الطبي – بعد تدميرهما – مثال بارز على صمود النظام الطبي في غزة والتفاني الملهم للعاملين به بدعم من منظمة الصحة العالمية وشركائها. وذكـّر بوضع الحماية الخاص الذي تتمتع به المستشفيات تحت القانون الدولي الإنساني بسبب عملها المنقذ للحياة. وجدد دعوات منظمة الصحة العالمية لضمان دعم مستشفيات شمال غزة لتستأنف عملها، وتعجيل وتيرة الإجلاء الطبي، والسماح بالوصول المستمر للمستشفيات وزيادة تدفق المساعدات إلى غزة وبأنحائها، والوقف العاجل والدائم لإطلاق النار.

السفير الجزائري عمار بن جامع
إسرائيل تستهدف تهجير فلسطينيي غزة
بدوره، أكد مندوب الجزائر الدائم لدى الأمم المتحدة عمار بن جامع أن العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة يهدف إلى تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه عبر سياسة التطهير العرقي، مطالبا بمساءلة دولية عن الانتهاكات المرتكبة بالقطاع.
وقال مندوب الجزائر إن “العدوان الإسرائيلي المستمر ضد الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة يحمل هدفا واضحا ومقلقا وهو دفع الشعب الفلسطيني للخروج من أراضيه عبر سياسة تطهير عرقي واضحة”.
وأضاف أن إسرائيل تستهدف “إطفاء الأمل في قلوب وعقول الشعب الفلسطيني، وإنكار وسائل بقائهم على أرضهم”، من خلال تدمير البنية التحتية الأساسية، وفي مقدمتها المستشفيات.
واستدل بإحصاءات صادرة عن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والتي كشفت عن “نتائج مدمرة” لحرب الإبادة الإسرائيلية على النظام الصحي في غزة.
ومن بين هذه الإحصاءات، حسب المندوب الجزائري، تنفيذ الجيش الإسرائيلي 136 ضربة جوية على 27 مستشفى على الأقل و12 مرفقا طبيا آخر خلال حرب الإبادة المتواصلة، ما تسبب بخسائر جسيمة.
وأكمل بن جامع سرد الإحصاءات، مبينا أن 53 بالمئة من مستشفيات غزة أصبحت غير قابلة للتشغيل، فيما لم يعمل بالكامل سوى 6 مراكز من بين 138 مركزا صحيا للإسعافات الأولية بالقطاع. وأشار كذلك إلى تضرر 130 سيارة إسعاف جراء الإبادة الإسرائيلية بغزة.
ولفت مندوب الجزائر إلى أن الإبادة الإسرائيلية بغزة خلفت كذلك “استشهاد 1057 من العاملين الصحيين وأكثر من 14 ألف مريض بحاجة ماسة للإجلاء الطبي العاجل إلى خارج القطاع”.
وشدد على أن نصوص القانون الدولي واضحة بشأن ضرورة حماية المستشفيات والوحدات الطبية ووسائل النقل في جميع الأوقات، وأنه “لا يجوز أن تكون هدفا للهجوم”.
وأدان ما وصفه بـ”التجاهل التام لسيادة القانون في غزة”، قائلا: “ما نشهده وكأن القانون الدولي غير موجود”.
واختتم مندوب الجزائر كلمته بالدعوة إلى “إجراء تحقيقات شاملة وشفافة حول جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان التي وقعت” في غزة.