بغداد ـ «القدس العربي»: لم يعد الفساد؛ عراقياً، مقتصراً على سرقة الأموال والفساد الإداري والوظائف التي لا تعطى إلا لأصحاب النفوذ والأحزاب ومن تبعهما، بل أن هناك أنواعاً كثيرة من الفساد من الصعب حصرها. اتحادات الأدباء؛ وإن كنا لا نتحدث عن الأموال التي يجنيها المركز العام من أملاكه الخاصة، غير أن فساده مؤشر بشكل واضح في منح هويات عضوية الاتحاد لأي شخص؛ خصوصاً قبل انتخاباته، ما سيضمن أصواتاً جديدة للهيئة الحالية، برئيسها وأمينها ومسؤوليها، وهذا ما يحدث كل عام في حصولهم على أعلى أصوات ممكنة، إضافة إلى الجلسات الأسبوعية غير المدروسة، التي كانت سبباً في انهيار الثقافة العراقية بما يروجون له من كتاب وآراء غير مدروسة.
أما عن وزارة الثقافة، فيكفي الحديث عن مشروع «بغداد عاصمة الثقافة» والأموال التي ذهبت سدى من دون تحقيق أي مشروع يمكن أن يكون بنية تحتية للثقافة العراقية، فلا مسرح بني، ولا دار سينما ولا مؤسسة ثقافية حتى إن كانت بسيطة، غير أنهم تمكنوا من بناء خيمة بسيطة تمزقت بعد أيام في حدائق الزوراء بسعر ثلاثة مليارات دينار عراقي (بحدود مليوني دولار ونصف المليون).
لكن، كيف يمكن قراءة الفساد في المجال الثقافي؟ وهل هناك فساد حقيقي، أم هو ضمن البنية الحكومية العراقية التي يستشري الفساد في مفاصلها؟
مثقفون فضائيون
يشير الكاتب ساطع راجي إلى أن المثقف يشارك في نوعين من الفساد، الأول يكون بنطاق عمله الثقافي الضيق، سواءً بصناعة الأفكار تحت تأثير المكاسب أو بتسويق المنتج الثقافي عبر التخادم الاجتماعي الذي يهمل القيمة الإبداعية لصالح العصبيات والمنافع.
النوع الثاني من الفساد الذي يمارسه المثقف يكون عبر علاقته بالدولة والمال العام، مثل أي مواطن آخر، سواء كان المثقف موظفاً أم مقاولاً. المثقف الموظف؛ مثلاً، يرتكب فساداً مضاعفاً عبر التملص من واجباته الوظيفية باستغلال هالته الثقافية التي تعني؛ أيضاً، قدرته على التشهير بكل من يطالبه بالتصرف كموظف، لكن المثقف غالباً ما يكون موظفاً فضائياً، إذ يرى أنه أعلى شأناً من القيام بواجباته الوظيفية.
ويأسف راجي لأنه لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن المثقف بصفة الموظف الفضائي، وقد يظلم التعميم عدداً كبيراً من المثقفين الموظفين، كما أن المثقف الموظف يتورط بما يتورط به غيره من الموظفين من استغلال للسلطة والتجاوز على القوانين.. ولدينا أيضاً المثقف المقاول، وهو ذلك الذي يقترح فعاليات ثقافية، أو يساهم في تنفيذها، ومثل أي مقاول فاسد يستولي هذا المثقف على المال العام. ولو تم فحص مشاريع وفعاليات «بغداد عاصمة الثقافة العربية» لوجدنا ربما علاقة قوية للمثقفين بحالات الفساد، وهو أمر يتكرر في كثير من الفعاليات الثقافية. ويؤكد راجي أن المثقف في العراق متورط في التيار العام للفساد وارتفاع صوته أحياناً يكون للتغطية على الفشل والفساد الشخصي، وهذا التورط قد يكون أحد دوافع الاستخفاف والتجاهل العام للمثقف، الذي تتنوع مسارات علاقته بالفساد العام.
حديث قاتم
يفتتح الكاتب قيس حسن كلامه بأسئلة تدور حول ما يحدث في كواليس الثقافة والأكاديمية العراقية، متسائلاً عمَّ يعني أن تفتتح مكاتب لبيع رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه؟ وماذا يعني أن يكتب أدباء وشعراء روايات وقصائد لنساء لم تسعفهن موهبتهن لكتابة ورقة واحدة؟ وماذا يعني أن يأخذ أستاذ جامعي رشوة مقابل نجاح طلبته في المادة التي يدرسها، أو من أجل التأثير على أساتذة آخرين أفشلوا الطلبة المرتشين؟ مضيفاً أنه حين يدرسك أستاذ جامعي في اللغة العربية ويخطأ في الإملاء (أكرر في الإملاء وليس في النحو) فعليك أن تعيد النظر بكل المشهد الثقافي.
ويبين حسن أن الحديث يبدو هنا قاتماً متشائماً، هو كذلك فعلاً، «من وجهة نظري أرى أن الفساد رغم أنه لم يختص به قطاع أو مجال، سواء السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، لكن ما يثير الخوف من المستقبل وينذر بالهاوية هو حين تجد مجتمع النخبة أو المثقفين غارقاً في الفساد، أو على الأقل أصابه الفساد في الصميم. المخيف هنا هو تحول المثقف من مهمة الدفاع عن قيم الخير والجمال، إلى صورة من صور الفساد والطائفية والعشائرية والمناطقية وكل القيم البالية». من زاوية أخرى، يعتقد حسن أن وضع المثقف ليس اليوم وليس في العراق فقط هو الأخطر في كل المجالات، فهو يمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام، وتحول هذه القدرة إلى الجانب السلبي المبرر للسوء أو التدهور، فهو يعني أن المجتمع فقد أحد عوامل قوته. لكن الغريب من وجهة نظره هو في ما يخص العرب، أن الأزمة الكبرى والتحولات الخطيرة التي مر به المجتمع العربي بعد ربيعه الدموي، كادت تفقد المثقف العربي اتزانه ويلتبس عليه دوره ومهمته، وأوشك أن ينخرط في سباق طائفي ومذهبي وسياسي، حتى تحول في وقت من الأوقات إلى رجل دين أو رجل سياسة، كأنه لم يستطع أن يجد أرضاً مستقلة يمارس فيها دوره. «الموقف الثقافي العربي من آراء أدونيس من الثورة السورية والربيع العربي عموما حوله إلى خائن ومرتزق وطائفي وووو الخ من أوصاف السلب والشتيمة، فإذا فقد المثقف دوره في الأزمة الكبرى فهذا يعني أننا إزاء دور خطير دور يزيد من العمى والتخلف والانحطاط، إنه الدور الدفاعي أو الآيديولوجي أو التبريري».
عوق الثقافة
لا يقيس الشاعر رياض الغريب، إذا أردنا أن نقرأ الفساد باعتباره ثقافة سائدة في البلد، ذلك الفساد على كافة مفاصل ومؤسسات الدولة العراقية بعد عام 2003 باعتبار أن هذه الثقافة هي ثقافة سائدة ومتعارف عليها في السياق العام للدولة العراقية قبل عام 2003، في بعض المؤسسات التي بقيت، وواحدة من تلك المؤسسات وزارة الثقافة العراقية، وللأسف فإن هذا الفساد اتخذ عدة أوجه، مما أثر على النتاج الثقافي، وتشوه هذا النتاج حتى أصبح مجرد استعراضات ثقافية لا يمكن أن تعد مؤثراً حقيقياً وفاعلاً ومساهماً في التغيير الذي حصل في العراق، هذا الاستعراض الذي يقام في قاعات مغلقة، لا يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثراً.
ويوضح الغريب أن الثقافة لا يمكن أن ينتجها أفراد، بل المنتج الحقيقي للثقافة هي المؤسسات، وأن غياب المؤسسات الحقيقية بسبب هذا الفساد يجعل الثقافة في آخر السلم. مضيفاً أن السؤال عن وجود الفساد من عدمه سؤال لا يمكن الإجابة عنه بنعم أو لا، لأن الفساد استشرى ويمكن متابعة معظم الفعاليات الثقافية والتدقيق في تفاصيلها لتجد أن شبهات الفساد تحوم حولها، وهذا قد عوَّق الثقافة ببعدها المعرفي المؤثر.
ويرى الغريب أنه لا حلم بأفق جديد ومستقبل مقبل إذا لم تتغير تلك العقلية التي تقود أهم مؤسسة منتجة للثقافة، ألا وهي وزارة الثقافة، ويمكن لأي متابع منصف أن يجد حجم الفساد في البيوت الثقافية خارج العراق وما يحدث فيها، حسب بعض التقارير الصحافية، التي تشير لحجم الفساد المستشري في تلك البيوتات، هذا مفصل واحد ونأمل من القيادة الجديدة للوزارة أن تراقب كل شيء وتدقق في كل التفاصيل من أجل إنقاذ المشهد الثقافي العراقي من هذه الآفة التي تنخر جسد البلاد، والأهم في هذا الجسد هو الملف الثقافي.
لكن الشاعر علي فرحان يكشف أن المشكلة تكمن في أن الفساد في المجال الثقافي لا يُقرأ ولا يستطيع المثقف العراقي تشخيصه بسهولة، كون المؤسسات الثقافية التي فشلنا في صياغة بنيتها المأمولة ترعرعت في رحم الفاسدين. في المجال الثقافي ليس بالضرورة أن يكون الفساد مالياً وإدارياً، شأنه شأن السرطان المستشري في بنية النظام العراقي بعد عام 2003، النظام الذي انتظم كخلايا منيعة شديدة التعقيد في حماية واستثمار الفاسدين الذين أسسوا (حكم الفساد) متجلياً وعنيداً في تأبيد ثقافته التي أصبحت هوساً وولعاً لغالبية المتصدين لمشروع بناء الدولة العراقية الجديدة.
فرحان يرى أن الفساد في حقل الثقافة يضحى واضحاً، وهو أخطر بكثير من أي مكان آخر، كونه يبني (لا أقصد أنه ينشئ حتماً)، ففعل البناء الذي يمارسه هو مواصلة إهالة التراب على نصاعة الإبداع العراقي وسلاحه هذه المرة المحاصصة التي جعلت من الثقافة العراقية رقماً مجرداً في سوق السياسة، وهذا بات بيِّناً ومريعاً في وضع حقيبة الثقافة الوزارية بيد الإرهابيين مرة، وبيد السلطة العسكرية مرة أخرى، ناهيك عن جيش الوكلاء والمستشارين والمديرين العامين الذين فشلوا بامتياز، حتى على مستوى الحلم بمشروع ثقافي حقيقي يمسح عن وجه مدننا ومثقفينا فداحة ما خلفت الحروب والاستلابات المتكررة، بل «أجدني لست مغالياً إن قلت إن هؤلاء ساهموا بتأصيل (حكم الفساد) بفشلهم.
المؤسسة الثقافية العراقية؛ بحسب فرحان، فشلت في أن تكون الناطق باسم المثقف العراقي، وفشلت في أن تكون واجهة أو فِعلاً مُحاولاً في خلق الحياة أو إعادة الحياة، وهذا يبرز في المسارح ودور السينما والمطابع المهملة، التي تركت حتى الآن نهبا لخيط الدخان القديم منذ عام 2003. «إنني أرى ولا أقرأ…. الفساد في المجال الثقافي أصيل، كونه ثمرة الحكومات العراقية الفاسدة، والأكثر مرارة أن المؤسسة الثقافية في العراق باتت ابنة شرعية (لحكم الفساد) وإن لم يتلطخ قماطها بالفساد المالي والإداري للحكومة».
مقياس نفعي
من جانبه، يرى الناقد والفنان التشكيلي خالد خضير الصالحي، أن الثقافة الوطنية كلٌّ متراص، تتردى بكل أطيافها وترتقي جميعاً. والعراق اليوم يعيش حالة تردٍّ شاملة لا يمكن فصل الواقع الثقافي عنها. إنها فساد حقيقي، لأنه جزء من الفساد الحقيقي الشامل، ولا نحتاج إلا شيئاً من الشجاعة الطفيفة لفضح مديات الفساد، خاصة في الأماكن التي تتزاوج فيها المؤسسات البيروقراطية الحكومية بالمنظمات الثقافية التي حولت مهماتها إلى مقاولين ثانويين يعملون لصالح البيروقراطيات الحكومية.. «وسطٌ تهيمن عليه خطابات تمويه وتبطين لمصالح ضيقة، مثقفون لا يعرفون رسالتهم النقدية التي لا يمكن بحال أن تتصالح مع الحكومات إلا بثمن موت الثقافي وازدهار الفساد الثقافي والدعوية الضيقة… إن درجة الفساد في الوسط الثقافي يمكن قياسها بمقياس نفعي يقارن حجم الناتج الضحل من فعاليات ثقافية رنانة مقارنة بالإنفاق، الذي يصرف في تنفيذها ومن هذه الفعاليات بغداد عاصمة الثقافة والمرابد وغيرها من المهرجانات المماثلة في المحافظات.. وهي كلها مهرجانات ما زالت تحتفظ بروحها الإعلامية والإعلانية والتعبوية، دونما مردود ثقافي ملموس… وأن استبدالها بمشاريع تأسيس بنى تحتية كدور للنشر أو بناء قاعات عرض أو مسارح أو دور نشر للأدباء لطباعة نتاجاتهم الفكرية والإبداعية سيكون لها تأثير أكبر وملموس على الوضع الثقافي، ولكن دونما جعجعة، وهو الأمر المهم الذي تنتظره الحكومة من مهرجانات كهذه».
المتحصنون
يرى الروائي زيد الشهيد أن الثقافة العراقي الحقيقية تبقى بعيدة عن الفساد وكل الإغراءات التي تطيح بهيبتها، ويبقى المثقفون الأصلاء منزهين من خطيئة الوقوع في بئر المتعة الآنية. أما المجال الثقافي فيبقى مشروعاً يمكن أن يغري البعض في العوم فيه وجني متعة يعتقد البعض أنها الطريق الأوحد إلى الشهرة والظهور وجهاً اجتماعياً.. هذا على المستوى النظري المبني على حكمة النزاهة والأصالة، أما ما يجري من فساد في المجال الثقافي فلا يتعدى حدود البنية اليومية التي يعيشها العراق كحكومة، وقد ابتلي بأحزاب وطبقة سياسية لا تفكر إلا بمصلحتها. فما نراه اليوم ومنذ أكثر من عشرة أعوام هو أبجدية جديدة لا وجود لها في دول العالم المتحضرة والمتخلفة على السواء. والغريب في الأمر أننا لا نلمس برامج معلنة لهذه الأحزاب سوى التهافت على نيل المراكز والاستحواذ على كل ما تراه أمامها. فلا اهتمام ببناء الأسرة العراقية التي تسلك طريق التهشم، ولا سعي لمشاريع اقتصادية تعين البلد على النهوض وتحقق للناس الرخاء المفترض، كون ما يملكه حري به أن يكون مناراً، ومن ثمَّ فلا إيلاء أهمية للثقافة بوصفها البوصلة الدقيقة وعماد سير الأمم نحو البناء الإنساني.
ويضيف الشهيد: إننا كمثقفين تحدونا الدهشة ويثيرنا العجب لما يحصل، ومهما حاولنا الإيماء أو رفعنا الصوت احتجاجاً فلا أحد يعيرك الانتباه أو يسمع ما تقول.. وفي كثير من الأحيان تواجَه بمن يتهمك ويرمي عليك ما ليس فيك، بل ما فيه هو، وهذه طامة كبرى يراد منها تحجيم ثقافة هذا البلد الذي أحد بيارقه المهفهفة في سماء الإنسانية والشعوب هو بيرق الثقافة والمعرفة. «إننا نشهد فسادا مبرمجا على كافة الأصعدة، وإذا أردنا الحكم على الشرائح الاجتماعية والشعبية ونعطيها التقييم نستطيع القول إن الشريحة المثقفة العراقية هي الفضاء الذي لم يتقبل الفساد ولا استدرجت لتسقط في فخ الفوضى التي نعهدها اليوم؛ وأقر بأن المثقفين العراقيين هم المتحصنون بمناعة لم يخترقها فيروس المحاصصة ووباء الفساد».
الشهيد تحدث عن شخصيات ثقافية معروفة، لكنه لم يعرج على المؤسسات الثقافية ومن يديرها، إلا أنه في الوقت نفسه حاول رمي الحجر في بركتنا التي لا تريد أن تتحرك.
الغياب الحقيقي
يرصد الناقد أثير محسن الهاشمي عدَّة جوانب للفساد الثقافي، الأول تمثل في قيادات ثقافية معروفة على الوسط الثقافي متورطة بالفساد وافتضح أمرها. أما الجانب الآخر فيتعلق بالنقابات أو الاتحادات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني التي تتبنى الجانب الثقافي. وهذا الفساد الثقافي بطبيعة الحال ناتج عن فساد في البنية الحكومية العراقية، التي استشرى في مفاصلها كافة نتيجة لغياب القوانين وعدم المحاسبة القانونية. «لنا أن نعي أيضاً ضرورة تغيير جذري لكل مفاصل الحياة وأول الأمر (القانون والثقافة) متى ما رأيت شعباً مثقفاً ستجد قانوناً موحداً، ومتى ما رأيت شعباً موحداً ستجد دولة مستقرة».
ويبين الهاشمي أننا لا نحتاج إلى المزيد من الانتصارات المزيفة! نحتاج مزيداً من الكفاءات، وبدء مرحلة جديدة لتنظيم، لصناعة، لبرمجة (العقل العراقي برمته)، لأن أزماتنا كثيرة، وأهمها غياب دور المثقف الحقيقي وابتعاده عن الساحة السياسية، بسبب مشاكل كثيرة وفقها ابتعد المثقف عن السياسة لكي لا يكون علة عليهم، مثلما كانوا هم علة عليه.
صفاء ذياب