جنين ـ «القدس العربي»: يستحضر فلسطينيون عام 2007 للتدليل على لحظة سوداء من تاريخهم السياسي والأمني الداخلي القريب، ومنهم من يستحضر الأيام الأولى التي تلت مقتل المعارض والناشط السياسي نزال بنات (49 عاما) بعد اعتقاله من قبل قوة أمنية من منزله بمحافظة الخليل جنوب الضفة الغربية للتدليل على واقع الحال الأمني وتنامي مشاعر الخوف والقمع السياسي في الضفة الغربية هذه الأيام.
لقد كان عام 2007 بداية الانقسام السياسي الفلسطيني الذي ما زال ماثلا حتى اللحظة، سادت فيه أجواء الاقتتال الداخلي، وبلغت مستواها المرعب، لقد قتل المئات في غزة والضفة، وبقيت تبعات الانقسام حاضرة حتى اللحظة يكتوي بنارها الفلسطينيون.
أما في عام 2021، وتحديدا بتاريخ 24 حزيران/يونيو وقع حدث خلق واقعا كرس الاستقطاب وأوصله إلى مستويات مرتفعة، لقد قتل المعارض بنات، ونزل النشطاء إلى الشارع معترضين ومطالبين بالإصلاح ومعاقبة القتلة، وهو ما ضاعف من حالة القمع السياسي ومظاهر التخوين. لقد عاشت الضفة أياما صعبة احتاجت لأعوام من أجل التخلص من مظاهرها.
اليوم يستعيد الفلسطينيون مشاعر الاستقطاب الحاد وخطابات الكراهية والتخوين وممارسات القمع السياسي، وذلك على إيقاع مظاهر الاقتتال في مخيم جنين التي تجاوزت الشهر، حيث تحاصر أجهزة الأمن الفلسطينية المخيم وتدور الاشتباكات يوميا، مخلفة وراءها ضحايا كثر من مواطنين وعناصر أمن ومقاومين.
ورغم ثقل الحدثين السابقين، وحجم ما كتب عنهما بهدف البحث والدرس، إلا أن الواقع الفلسطيني اليوم يجعل ما يجري في مخيم جنين ثقله أكبر، ومبعث لمزيد من الإحباط والكآبة، فمنذ عام ونصف العام تقريبا يعيش الفلسطينيون تبعات الإبادة الكارثية في قطاع غزة، أما في الضفة فتتفتح شهية الاحتلال الإسرائيلي لمزيد من الضم والسيطرة والتهويد، وهو ما يجعل أثر أحداث الاقتتال الداخلي الفلسطيني أثقل ونتائجه كارثية بشكل أكبر على نسيج المجتمع الفلسطيني أمام تصاعد خطابات الكراهية والتخوين وسقوط الكثير من الضحايا التي كان آخرها يوم الجمعة، أب وابنه سقطا شهداء فيما أصيبت الأبنة بإصابات خطيرة.
مبادرات مجتمعية وسياسية
وأمام ثقل الواقع ومخاطره خرجت العديد من المبادرات المجتمعية والسياسية غير أنها لم تثمر أي اختراق حقيقي. لقد عكست المبادرات حيوية المجتمع الفلسطيني من مؤسسات مجتمع مدني إلى مؤسسات وفصائل وطنية إلى نشطاء ورجال عشائر وأسرى. وأمام تعثر هذه المبادرات ولأجل المشاركة في اقتراح الحلول، نظم المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية «مسارات» ورشة عصف ذهني بعنوان «أحداث جنين.. نحو حلول لتعزيز الوحدة وحقن الدماء» وفيها قدم نشطاء وخبراء رؤاهم الوطنية للخروج من المأزق الذي تمر به الضفة الغربية. وحسب المحلل السياسي هاني المصري فإن ما يجري في مخيم جنين هو حالة من «التدمير الذاتي»، معتبرا أن الأزمة الراهنة جوهرها سياسي وليس أمنيا، وبالتالي الطريق والمسار للحل هو عن طريق حوار وطني مسؤول يتمحور حول ما هي أهدافنا في هذه المرحلة وكيف يمكن أن نحققها، وهذا يتطلب وضع كل شيء بما في ذلك المقاومة والمقاومين تحت التقييم والمحاسبة وأن يحاسبوا إذا خرجوا على القانون.
وتابع المصري: «يتطلب ذلك عدم الخلط بين المقاومين والخارجين عن القانون، وعلى المقاومين ورجال الأمن أن يميزوا أنفسهم عن الخارجين عن القانون»، كما وشدد على أن السلطة الفلسطينية تقع عليها مسؤولية أن تحمي الحريات بما فيها حرية الرأي والتعبير لا أن تقمعها، فحمايتها دليل حيوية وقوة ويزيد القدرة على معالجة المشاكل، والقمع دليل على الضعف والعجز ويفاقم المشاكل.
وأكد المصري على ضرورة ألا ننظر للاقتتال الدائر في مخيم جنين على أنه حدث يقع هناك وفقط، «وفي حال فعلنا ذلك فنحن نكون قد سلكنا طريق الخطأ، فالأمر أكبر من جنين، وما يجري بجنين انعكاس لخلل بنيوي شامل وانعكاس لواقع، ولعدم تطبيق اتفاقات نتوصل إليها».
ورأى المصري أن وأد الفتنة ضروري قبل فوات الأوان، حيث طالب بداية بوقف الحملة الأمنية، وسحب المظاهر المسلحة من الطرفين، ووقف الحصار، وانتشار المقاومين ونزولهم تحت الأرض، وانضباطهم للإستراتيجية الوطنية التي سيخرج بها الحوار الوطني الشامل، الذي يجب ألا يقتصر على الفصائل، وإنما يضم الحراكات والفاعلين وممثلي التجمعات المختلفة، مع التركيز على المرأة والشباب. حوار لا يتناول جنين فقط، وإنما الوضع الفلسطيني الراهن كله، وكيفية مواجهة التحديات والمخاطر وتوظيف الفرص التي هي متاحة وأقرب مما يظن الكثيرون.
وقدم المصري خريطة للحل تتضمن أولًا: تبني إستراتيجية صمود تضمن بقاء الشعب وثباته على أرضه، وإبقاء قضيته حية، وتمسكه ببرنامج الحد الأدنى الوطني. وهذا الأمر في حد ذاته إستراتيجية وطنية مناسبة جدًا في هذه المرحلة، كونها تهدف إلى منع الاحتلال من تحقيق أهدافه، خاصة أن هذه المرحلة هي مرحلة دفاع إستراتيجي وليست مرحلة هجوم إستراتيجي، ويجب أن يسعى الفلسطيني فيها إلى تغيير موازين القوى بشكل تراكمي تدريجي.
أما النقطة الثانية حسب المصري فتنطلق من جزئية أن أي عمل مقاوم منظم بمختلف الأشكال للاحتلال هو حق وواجب وشرف، ولكن يجب أن يأخذ طبيعة المرحلة واحتياجاتها وموازين القوى، وأن المقاومة عمل سياسي بشري واعٍ وليس صنمًا مقدسًا، ومن يمارسه بشر يخطأون ويصيبون، فهو شأنه شأن أي عمل إنساني بحاجة إلى تقييم مستمر وقابل للصواب والخطأ، وخاصة للحسابات والأهداف، ويمكن أن يكون مناسبًا في لحظة وغير مناسب في لحظة أخرى، حيث يكون التركيز على المقاومة المسلحة مناسبًا في وقت وغير مناسب في وقت آخر، ويكون شكل النضال الرئيسي أو أحد أشكاله فقط.
وبالتالي، والحديث للمصري، «يجب أن تكون عمليات المقاومة مدروسة، ولا تدفع إلى حسم الصراع من خلال عمليات استشهادية تستهدف المدنيين لأسباب أخلاقية إنسانية وفي وقت تكون فيه غير قادرة على حسمه فيحسمه الاحتلال. وعلى سبيل المثال، أي دفاع عن النفس في مواجهة اعتداءات من قوات الاحتلال أو من قطعان المستوطنين المسلحين أثناء اعتداءاتهم عمل مشروع، ويمكن أن يؤدي إلى ردعهم وجعلهم يفكرون أكثر من مرة قبل العدوان على منازل الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم. أما إطلاق الرصاص على سيارة عسكرية محصنة أو برج محصن أو على مستوطنة من مسافة بعيدة أمر غير صحيح، لأنه يستدعي ردة فعل فورية تؤدي إلى خسائر كبيرة من الفلسطينيين من دون خسائر تذكر في صفوف المحتلين».
أما النقطة الثالثة في الحل الذي يقدمه المصري تتعلق بالمقاومة التي وكي تحقق أهدافها يجب أن تستند إلى إستراتيجية وطنية مسلحة بتوافق وطني، يشمل توقيتها وشكلها وأهدافها، وتستند إلى عدالة القضية الفلسطينية وتفوقها الأخلاقي؛ أي تمتنع عن استهداف الأطفال والنساء والمدنيين، وتميز نفسها عن الفوضى والفلتان الأمني والخارجين عن القانون، ولا تستهدف أي هدف فلسطيني، مثل مقرات السلطة مهما كانت الأسباب.
وختم أنه «ليس هناك أسوأ من الاقتتال الذي يفتح طريق الحرب الأهلية التي إذا اندلعت لن تبقي ولا تذر، وعلى المقاومة أن تبتعد عن أي عمل ارتجالي يمارس من قبيل الثأر أو لصالح تنظيم أو مجموعة أو مركز قوى، أو لصالح أجندات إقليمية خارجية تمكن العدو من البطش بالمقاومة والمقاومين، وتمكنه من تنفيذ مخططاته المعادية».
وجود المقاومة أو الفلتان الأمني
وحسب الناشط السياسي عمر عساف، فإن الأولوية اليوم هي «وقت شلال الدم في مخيم جنين»، معتبرا أن وقف الاقتتال في مخيم جنين «يحب أن يكون أمرا آنيا، مع أهمية أن يتم تقديم معادلة إما وجود المقاومة أو الفلتان الأمني» معتبرا «هذه الثنائية أمرا مرفوضا من الجميع».
وبرأي عساف أن الجهد الشعبي الذي قام به المؤتمر الشعبي الذي يمثله هو التواجد في الميدان، فـ»الميدان هو مكان الضغط الأول، حيث يمكن أن يحد من تفاقم الأزمة. وكان اقتراحنا أن يكون التواجد في منطقتين، الأولى جنين بصفتها مكان الحدث، والثاني رام الله بصفتها مصدر القرار السياسي».
ورأى أن هناك أهمية كبرى في محاولة حماية المخيم وإقناع الإخوة في الأجهزة الأمنية والمقاومين في المخيم بالتوقف عن حالة الاقتتال. وشدد على أنه وأمام تقديم الكثير من المبادرات نرى أن هناك مبادرة «الوفاق» صالحة لكونها متوازنة وتعمل على إيقاف شلال الدم.
وأضاف أن المطلوب اليوم، أولا وقف إطلاق نار في مخيم جنين، والثاني: تقديم الخدمات للمخيم المحاصر والذي تغيب عنه خدمات المياه والكهرباء، وثالثا، الشروع في حوار وطني تجاه هذه الحالة للوصول في أسبوع لميثاق شرف وطني.
ورأى أن المبادرات جميعها اصطدمت بالمستوى السياسي الأول في السلطة الفلسطينية، حيث كانت ترفض التعاطي معها، وهو ما يوجب ضرورة تكثيف الضغط على هذا المستوى.
وأن هناك إمكانية لخطة للضغط تتمثل بالعناصر التالية: أن يكون العمل لتنفيذ اعتصامات في كل محافظات الضفة، إلى جانب أن تبادر 150 شخصية فلسطينية مقدرة لإعلان اضراب مفتوح عن الطعام، إضافة إلى تنظيم حشود تتجه إلى مدينة جنين تنطلق من كل محافظة، وكذلك التواصل مع أعضاء اللجنة التنفيذية، وأعضاء المجلس الوطني في الداخل والخارج.
واعتبرت القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتورة مريم أبو دقة أن الاقتتال في مخيم جنين يمس المشروع الوطني كله، وليس فصيلا أو فردا. وهو ما يحتم ضرورة الإعلاء من الشأن الوطني وتقديمه على أنه أهم من الحزبي، في ظل أن الجميع تحت المقصلة، والعدو لا ينام ولا دقيقة من مؤامرة بهدف القضاء علينا.
وطالبت الناشطة السياسية فيحاء عبد الهادي بضرورة إنجاز المزيد من الضغوط الجماعية والمجتمعية لوقف حالة «الاقتتال المشين».
وطالبت المؤسسات الـ60 التي وقعت على «مبادرة الوفاق» بضرورة العمل من أجل تكثيف الضغط على الطرفين من أجل قبولها، وتقديمها للمواطنين والمجتمع ليقف خلفها من أجل ضمان السلم المجتمعي.
ورأت أن هناك ضرورة لتكثيف الضغط الشعبي والمؤسسي، بحيث يتسع ويمتد كي يخلق التأثير في كل المكونات وصولا إلى الجهات الرسمية. معتبرة أن السؤال الرئيسي اليوم هو: كيف يمكن أن تتمدد المبادرة لتكون قادرة على التأثير؟