لندن ـ «القدس العربي»: يقترب الباحثون من التوصل إلى «سر السعادة» وذلك بعد آلاف السنين من هذا اللغز المحير الذي أعجز العلماء، حيث لم يكتشفوا السر في كيف يصبح الإنسان سعيداً أو تعيساً.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن الباحثين يقتربون من اكتشاف السر الحقيقي للسعادة أخيراً، حيث اجتمع أكثر من ألف عالم من أكثر من 70 دولة لقيادة أكبر دراسة عن السعادة تم إجراؤها على الإطلاق.
وسيتم تجنيد ما لا يقل عن 30 ألفا من جميع أنحاء العالم للمشاركة في «دراسة السعادة العالمية». كما سيتم تكليف كل مشارك بـ«تدخل سعادة» قصير يومي يتراوح بين روتين اليوغا السريع إلى تخصيص الوقت للاتصال بأحد الأقارب.
ومن خلال تجنيد المشاركين من مزيج من الخلفيات والجنسيات المختلفة، يأمل الباحثون في العثور على بعض الاتجاهات العالمية التي يمكن أن تكشف عن سر ما يجعل البشر سعداء حقاً.
وتقول البروفيسورة إليزابيث دان، وهي عالمة نفس من جامعة كولومبيا البريطانية تعمل على الدراسة: «هدفنا هو أن تكون هذه التجربة الأكبر والأكثر شمولاً والأكثر تنوعاً في مجال السعادة على الإطلاق».
وأضافت: «إذا وجدنا أشياء فعالة عالمياً، أو على الأقل فعالة في أماكن معينة، وحددنا أنواع الأماكن التي توجد بها هذه الأشياء، أو أنواع الأشخاص المستفيدين منها، فسوف يكون ذلك قفزة هائلة إلى الأمام في علم السعادة».
وعلى مدار العام الماضي، قدم أكثر من 1000 عالم مقترحاتهم حول ما ينبغي أن تبحثه الدراسة، وتم تقليص هذه الأفكار الآن إلى 24 تدخلاً فقط مقسمة إلى سبع فئات مختلفة. وسيتم تعيين كل مشارك إما في مجموعة تحكم ستواصل حياتها كما كانت من قبل، أو في مجموعة تتلقى أحد هذه التدخلات.
كما تم تصميم هذه التدخلات بحيث لا تستغرق أكثر من 25 دقيقة في اليوم، ولا تتطلب أي معدات خاصة، ويتم إكمالها بالكامل داخل المنزل.
وتشمل العلاجات تمارين يومية مثل اليوغا أو التدريب المتقطع عالي الكثافة والتغييرات الاجتماعية مثل الاتصال بشخص عزيز أو التحدث مع روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي.
وقال الباحث الرئيسي الدكتور بارناباس سزازي، من جامعة إيتفوس لوراند في بودابست: «يمكن إجراء جميع التدخلات في المنزل، ولا يحتاج الناس إلى أي شخص يراقبهم أو يساعدهم. كان هذا قرارًا واعيًا للغاية من جانبنا».
ومن خلال تسجيل تقييم السعادة المبلغ عنه ذاتياً من كل من المشاركين أثناء إجراء هذه التغييرات، يأمل الباحثون في معرفة ما يحدث فرقًا حقيقيًا في سعادة شخص ما. ولكن ما يجعل هذه الدراسة مختلفة عن التحقيقات المبكرة هو حجم وتنوع حجم العينة.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الدراسات السابقة ركزت عموماً على البلدان «الغريبة» وهي الدول الغربية والمتعلمة والصناعية والغنية والديمقراطية.
ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالسعادة، فإن ما يجلب الابتسامة لشخص من مانشستر أو نيويورك قد لا يكون فعالاً جداً لشخص من مومباسا أو نيودلهي.
ومن خلال توسيع نطاقهم ليشمل أشخاصاً من أكبر عدد ممكن من الخلفيات المختلفة، يأمل الباحثون في التقاط أي اتجاهات تنطبق على شخص بغض النظر عن مكان إقامته.
ويقول البروفيسور دان: «ماذا سنحصل عليه في النهاية؟ سنحصل على أكبر مجموعة بيانات وأكثرها تنوعاً تم جمعها على الإطلاق حول الاستراتيجيات التي تعزز السعادة».
وأضاف دان: «ما مدى فعالية هذه الاستراتيجيات؟ هل تعمل في كل مكان؟ هل يعمل بعضها بشكل جيد للغاية لمجموعة صغيرة من الناس ولا يفعل شيئًا تقريبًا للعديد من الآخرين؟».
وبالفعل، تساعد دراسات السعادة الأكثر تنوعاً العلماء على فهم ألغاز السعادة.
وفي وقت سابق من هذا العام، أجرى باحثون من برشلونة وكندا مسحاً لـ2966 شخصاً من المجتمعات الأصلية والمحلية في 19 موقعاً حول العالم.
ووجدت نتائجهم أن الأشخاص في هذه المجتمعات الأصلية الصغيرة أظهروا مستويات عالية بشكل مدهش من السعادة على الرغم من العيش في فقر نسبي.
وكان النمو الاقتصادي وارتفاع دخول الأسر يُنظر إليه تاريخياً على أنه وسيلة لزيادة رفاهية الناس، وقد أظهرت الدراسات الاستقصائية العالمية أن الأشخاص في البلدان ذات الدخل المرتفع يميلون إلى الإبلاغ عن مستويات أعلى من السعادة مقارنة بالأشخاص في البلدان ذات الدخل المنخفض.
ولكن هذا الدليل قد يتحدى الافتراضات القائلة بأن الناتج المحلي الإجمالي المرتفع، وهو مقياس نقدي لقيمة الإنتاج السنوي للبلد، هو مقياس موثوق للسعادة.
وبدلاً من ذلك، يقترح الباحثون أن عوامل مثل الارتباط بالطبيعة والشبكة الاجتماعية القوية قد تكون أكثر قيمة من الثروة المادية.
وإذا نجح بحثهم، فقد تؤدي دراسة السعادة العالمية إلى رؤى أكثر قيمة حول طرق رخيصة وموثوقة لجعل حياة الناس أفضل بشكل ملحوظ. وبعد اكتمال العمل الأساسي الآن، يبحث البروفيسور دان والدكتور سزازي وزملاؤهم الباحثون عن تمويل لنقل المشروع إلى خطوته التالية.
ووفقاً لخططهم، سيتم نشر تقرير يوضح بالتفصيل أساليبهم المقصودة في مجلة أكاديمية كبرى مع بدء البحث الفعلي بعد ذلك بفترة وجيزة، حسب ما نقلت «دايلي ميل».