حرب المئة عام على فلسطين: اقتناء بايدن كتاب رشيد الخالدي يثير جدلا حادا

أثارت صورة الرئيس جو بايدن وهو يغادر محلا لبيع الكتب حاملاً نسخة من كتاب «حرب المئة عام على فلسطين: تاريخ الاستعمار الاستيطاني والمقاومة، 1917-2017» للمؤرخ الفلسطيني الأمريكي رشيد الخالدي، جدلا واسعا وانتقادا لاذعا من الناشطين المؤيدين لإسرائيل والمساندين للفلسطينيين معا. وصفته صحيفة «نيويورك بوست» بـ»الإهانة الأخيرة» بينما أدان إسماعيل الخالدي، نجل المؤلف، تصرّفَ بايدن في تغريدة على منصة إكس، واصفا إياه بـ»مجنون إبادة جماعية».
نُشر الكتاب لأول مرة في عام 2020، وحقق نجاحا باهرا، حيث ظل في قائمة الكتب الأكثر مبيعا لمدة 39 أسبوعا. ويروي هذا الكتاب – الذي تتخلله صور من أرشيف المنطقة – قصة النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي من خلال ستة فصول رئيسية رسمت معالم تاريخ المنطقة. فما الذي تضمنته فصول هذا المؤلَّف يا ترى؟ وما رأي المؤرِّخ نفسه في مبادرة الرئيس الأمريكي؟

بذور التهجير: وعد بلفور والانتداب البريطاني
في الفصل الافتتاحي بعنوان «إعلان الحرب الأول 1917-1939»، يصور لنا الخالدي تأييد بريطانيا الرسمي لـ»الوطن القومي للشعب اليهودي» في فلسطين ـ الذي تم الكشف عنه في إعلان بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر/تشرين الثّاني عام 1917وما تبعته من أعمال طرد منهجي للسكان العرب الأصليين. كانت فلسطين آنذاك تخضع للانتداب البريطاني، فاستغلت الحركة الصهيونية تلك الظروف لوضع حجر الأساس لمشروع تحويل فلسطين من منطقة ذات أغلبية عربية إلى دولة ذات أغلبية يهودية. ويشير الخالدي في هذا الفصل إلى وعود بريطانيا المتناقضة للعرب والصهاينة، وتكتيكات «فرِّق تسود» ما أدى إلى تقويض الوحدة الفلسطينية، والقمع الوحشي للثورة العربية الكبرى في الفترة الممتدة من 1936 إلى 1939. وقد مهدت هذه التطورات الطريق للاضطرابات الشعبية التي بلغت ذروتها لاحقا في ما صار يعرف باسم النكبة عام 1948.

ولادة الصراع: التقسيم واندلاع النكبة
في الفصل الثاني، يعرض الخالدي تصويرا مفصّلا للأحداث البارزة التي شهدتها المنطقة في عامي 1947 و1948 وكان لها عميق الأثر في التحولات التي شهدتها المنطقة ومسار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ويشير إلى تبني الأمم المتحدة خطة التقسيم، التي اقترحت تجزئة فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية منفصلتين. قبلت القيادة اليهودية الاقتراح توا بينما رفضه العرب الفلسطينيون رفضا قاطعا، بحجة أنه قرار ظالم لا يأخذ في الحسبان أنهم يشكلون الأغلبية. ويصور الفصل أعمال العنف والفوضى التي أعقبت انسحاب بريطانيا، والتي بلغت ذروتها بتأسيس دولة إسرائيل والحرب العربية الإسرائيلية التي أعقبت ذلك. ويعرض الخالدي بدقة الآثار الكارثية التي لحقت بالأهالي الفلسطينيين في أعقاب ذلك ونزوح ما يناهز 700 ألف فلسطيني، في ما أصبح يُعرف بالنكبة. ومن خلال هذا السرد المفصل لهذه الأحداث المصيرية يسلّط الخالدي الضوء على الدور الذي لعبته هذه الأحداث في ترسيخ الانقسامات العميقة، وإرساء أسس الصراع العربي الفلسطيني – وهو اليوم أحد أطول الصراعات في عالمنا.

حرب الأيام الستة نقطة التحول
في الفصل الثالث بعنوان «إعلان الحرب الثالث 1967»، يلقي الخالدي الضوء على أبرز الأحداث التي طبعت ما أصبح يُعرف بـ»حرب الأيام الستة» وتأثيرها العميق في نفوس الفلسطينيين والمنطقة. يصوّر الأحداث الرئيسية التي مهدت لاندلاع هذه الحرب، بما في ذلك قيام القوات المصرية بإغلاق مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية في 22 مايو/أيّار 1967، وما تبعه من تعبئة في صفوف الجيوش العربية. ففي 5 يونيو/حزيران 1967، شنت إسرائيل ضربة جوية استباقية، ما أدى إلى هزيمة قوات مصر والأردن وسوريا المشتركة في ظرف ستة أيام. من نتائج هذه الحرب احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، ما يُعدُّ توسعا إقليميا عظيما. ويسلط الخالدي الضوء على إحباطات التنظيمات الفلسطينية مثل فتح، التي لجأت إلى حرب العصابات بعد فشل الدول العربية في مواجهة الدولة العبرية. وينتقد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، الذي حصر قضية الصراع في إطار النزاعات بين الدول، متجاهلا الحقوق الفلسطينية. ويؤكد الخالدي أيضاً على الدور الذي لعبته هذه الحرب في إرساء دعائم العلاقات بين الولايات المتحدة إسرائيل وتعزيز الدعم الأمريكي لإسرائيل. في المقابل، ساهمت هذه الحرب في إحياء الهوية الثقافية والسياسية للشعب الفلسطيني في ظل التشريد والاحتلال.

غزو ​​لبنان عام 1982
يرحل بنا المؤرخ بعد ذلك إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي ليحطّ بنا في لبنان، من خلال فصل الكتاب الرابع بعنوان «إعلان الحرب الرابع». نشهد في هذا الفصل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي كان له بالغ الأثر في مسار القضية الفلسطينية. بدأ الغزو بقصف جوي مكثف لبيروت في الرابع من يونيو، أعقبه حصار وحشي لبيروت الغربية من السادس من يونيو إلى الثاني عشر من أغسطس/آب، ما أسفر عن مقتل أكثر من 19 ألف شخص، كثير منهم من المدنيين. وبعد ضغوطات دولية، أُجبرت منظمة التحرير الفلسطينية على الانسحاب من بيروت. وعلى الرغم من تأكيد الولايات المتحدة سلامة المدنيين، أعقبت هذا الانسحاب مذبحة صبرا وشاتيلا المروعة (16-18 سبتمبر/أيلول)، حيث قتلت ميليشيات كتائب تدعمها إسرائيل أكثر من 1300 مدني فلسطيني ــ وتظل إلى يومنا هذا وصمة عار في سجل هذه الحرب. ينتقد الخالدي العنف العشوائي الذي رافق الغزو، وتواطؤ الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل، وفشل المجتمع الدولي في الرد بفعالية.
ومن جهة أخرى نرى الكاتب يشيد بقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والمقاومة والتأقلم مع الواقع. فبعد الانسحاب، سعت الحركة الفلسطينية لتركيز النضال في الأراضي المحتلة في وقت بدأ الشرق الأوسط يشهد صعود تنظيمات إلى الواجهة على منوال حزب الله، فاسحا المجال لصراع أوسع في الشرق الأوسط.

الانتفاضة الأولى واتفاقات أوسلو
بعد ذلك ينتقل بنا الكاتب من خلال فصل «إعلان الحرب الخامس» إلى الحقبة البارزة الممتدة من عام 1987 إلى عام 1995، التي شهدت انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى وصولا إلى اتفاقات أوسلو. اندلعت الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأوّل 1987 بعد مقتل أربعة فلسطينيين في حادث سيارة في غزة وسرعان ما تطورت إلى انتفاضة شعبية عارمة على الاحتلال الإسرائيلي. انطلقت الانتفاضة تحت إشراف القيادة الوطنية، بمشاركة النساء والشباب، الذين استخدموا الاحتجاجات والعصيان المدني لتحدي الهيمنة الإسرائيلية. قد أثار الرد الإسرائيلي، بما في ذلك حملة القمع القاسية التي شنها وزير الدفاع إسحاق رابين في أوائل عام 1988، إدانة دولية وغيّر التصورات العالمية للصراع. أعقبت الانتفاضةَ اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل وإصدار إعلان الاستقلال الفلسطيني في عام 1988. تجسّد ذلك لاحقا من خلال توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993 حيث اعترف كل طرف بالآخر اعترافا رسميا. ويشير الخالدي إلى أن عملية أوسلو رسخت ديناميكيات الاحتلال بالفشل في ضمان السيادة الفلسطينية، ما أدى إلى تهميش السلطة الفلسطينية وحصر نفوذها في تنفيذ السيطرة الإسرائيلية.

النضال الفلسطيني من 2000 إلى 2014
في فصل الكتاب الأخير بعنوان «إعلان الحرب السادس»، يصوّر لنا الخالدي الأوضاع التي شهدتها الأراضي المُحتلة في الحقبة المضطربة الممتدة من 2000 إلى 2014 وخيبة الأمل الفلسطينية العميقة بعد ومضة الأمل التي لاحت في الأفق بتوقيع اتفاقات أوسلو. ويسجل اندلاع الانتفاضة الثانية، التي أضرمت نارها زيارة أرييل شارون للحرم الشريف. تصاعدت الاحتجاجات إلى مواجهات عنيفة أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا الفلسطينيين، وعودة المقاومة المسلحة. وينتقد الخالدي فشل قمة كامب ديفيد عام 2000 في تبديد المخاوف الفلسطينية، ما أدّى إلى توتر العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. الفصل أشبه بعدسة كاميرا تلتقط مشاهد معاناة الفلسطينيين وسط القيود الشديدة المفروضة على حركة الأهالي والنشاط الاقتصادي، والعمليات العسكرية المدمرة في غزة، وصعود حماس كرد فعل على عجز منظمة التحرير الفلسطينية. ويؤكد الخالدي أيضا دور الولايات المتحدة في هذا الصراع حيث ساهمت السياسة الخارجية الأمريكية في تهميش الحقوق الفلسطينية.

لا خطر على الوجود الفلسطيني
يختتم الخالدي كتابه بالتأكيد على بقاء الشعب الفلسطيني، رغم كل المخططات الرامية إلى محوه، مؤكدا أنّ الحركة الصهيونية جاءت متأخرة وبعد فوات الأوان، لكي تشكّل خطرا على الوجود الفلسطيني. يستشهد في ذلك بكلمات إقبال أحمد الذي قال، «كان شهر أغسطس 1947 بمثابة بداية إنهاء الاستعمار، عندما انجلى الحكم البريطاني عن الهند. وفي تلك الأيام التي كان يطبعها الأمل والوفاء، وقع استعمار فلسطين. وهكذا، في فجر نهاية الاستعمار، عدنا إلى أقدم وأشد أشكال التهديد الاستعماري».
ويرى الخالدي أنّ التوقيت لا يخدم المخططات الصهيونية. ففي ظل ظروف مختلفة، أو في عصر آخر، «ربما كان استبدال السكان الأصليين ممكنا لو كنا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، ولو كان الفلسطينيون قليلين مثل المستوطنين الصهاينة/ أو مدمرين تماما مثل الشعوب الأصلية في أستراليا وأمريكا الشمالية». فالمقاومة الدائمة للشعب الفلسطيني تؤكد أن المشروع الصهيوني، كما لاحظ المؤرخ توني جودت، «وصل متأخرا جدا»، حيث جلب «مشروعا انفصاليا خاصا من أواخر القرن التاسع عشر إلى عالم قد مضى نحو الأمام».
سُئل الخالدي مؤخرا عن رده على مبادرة الرئيس الأمريكي جو بايدن اقتناء نسخة من كتابه، فقال، «رد فعلي هو أنه جاء متأخرا بأربع سنوات»، منتقدا ضمنيا فشل الرئيس في اتخاذ إجراءات صارمة لإنهاء معاناة الفلسطينيين خلال عهدته، وهو موقف يتقاسمه كثيرون أمثال سامر خلف، محرر موقع «ديفكتور. كوم» الذي كتب مقالا بعنوان «الكتاب التاريخي المقبل عن فلسطين سيضم جو بايدن»، وهو زعيم القوة العظمى الوحيدة في العالم الذي اكتفى في نهاية حكمه بقراءة معاناة الشعب الفلسطيني بدلا من إنهائها.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية