سياسيات يتعرضن للتزييف الإباحي العميق بالذكاء الاصطناعي.. تهديد لمشاركة المرأة في الحياة العامة

حجم الخط
0

واشنطن: من الولايات المتحدة إلى إيطاليا، مروراً بالمملكة المتحدة وباكستان، تقع السياسيات بشكل متزايد ضحايا لصور جنسية أو إباحية مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، في منحى مقلق يهدّد مشاركة المرأة في الحياة العامة، بحسب باحثين.

ويرى الخبراء أن هذا الازدياد الكبير في عمليات التزييف العميق، عبر مواد تُنشر من دون موافقة الأشخاص المستهدفين، يحبط الجهود الرامية إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي، مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي منخفضة التكلفة، ولا سيّما تطبيقات تحرير الصور على الهواتف التي تتيح للمستخدمين توليد صور عارية مزيفة لنساء.

وبالنسبة للباحثين، تُستخدم هذه الصور الحميمة كأسلحة حقيقية تهدف إلى الإضرار بسمعة المرأة في المجال العام، وإلحاق الأذى بمسيرتها المهنية، وتقويض ثقة الجمهور وتهديد الأمن القومي، من خلال تأجيج ظاهرة الابتزاز والتحرش.

تُستخدم الصور الحميمة كأسلحة للإضرار بسمعة المرأة في المجال العام، وإلحاق الأذى بمسيرتها المهنية، وتقويض ثقة الجمهور وتهديد الأمن القومي، من خلال تأجيج ظاهرة الابتزاز والتحرش

وفي الولايات المتحدة، حدّدت “أميريكن سنلايت بروجكت” (ASP)، وهي مجموعة أبحاث متخصصة في مجال كشف المعلومات المضللة، أكثر من 35 ألف حالة من عمليات التزييف العميق تطال 26 عضواً في الكونغرس الأمريكي، 25 منهم نساء، على مواقع إباحية.

ويعكس ذلك “واقعاً مظلماً ومقلقاً” بالنسبة للباحثين الذين أظهرت دراستهم، الشهر الماضي، أن سُدس النساء المنتخبات في الكونغرس كنّ ضحايا لمثل هذه الصور المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

وحذرت رئيسة مجموعة ASP نينا يانكوفيتش من أن “النساء العضوات في الكونغرس يتم استهدافهن بهذه المواد الإباحية عبر تقنية التزييف العميق القائمة على الذكاء الاصطناعي بمستوى ينذر بالخطر”.

وأكدت أن “الأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا فحسب، بل إنه هجوم ضد النساء اللواتي يتمتعن بالسلطة وضد الديموقراطية نفسها”.

ولم تنشر ASP أسماء عضوات الكونغرس المستهدفات بالصور المعنية، لتجنّب إثارة المزيد من الاهتمام والبحث عن هذه المواد، لكنها أشارت إلى أنها أبلغت مكاتبهن بشكل سري.

خوض الحرب

وفي المملكة المتحدة، تُعدّ نائبة رئيس الوزراء أنغيلا راينر واحدة من 30 شخصية سياسية بريطانية على الأقل استهدفها موقع ينشر مواد إباحية مولّدة بتقنية التزييف العميق، وفق تحقيق أجرته القناة الرابعة التلفزيونية نُشر في تموز/يوليو.

ويستخدم هذا الموقع، الذي يجذب عدداً كبيراً من الزوار، ولم تكشف القناة عن اسمه لتجنّب الترويج له، الذكاء الاصطناعي لـ”تعرية” حوالى عشر من هذه الشخصيات السياسية، وتحويل الصور الحقيقية إلى أخرى زائفة تظهرهم عراة.

وتُستهدف النساء من خلال تطبيقات وأدوات تعمل بالذكاء الاصطناعي ويمكن استخدامها مجاناً من عامة الناس، ولا تتطلب أي مهارات تقنية، وتسمح لمستخدميها بإزالة الملابس افتراضياً من الصور، أو إجراء عمليات تزييف عميق عبر استعلامات نصية ذات طابع جنسي.

وقد أدى التقدم التكنولوجي إلى ظهور ما يسميه الباحثون “صناعة حرفية” متنامية حول المواد الإباحية المعززة بالذكاء الاصطناعي، حيث يقبل بعض صنّاع المحتوى المولّد بتقنية التزييف العميق الطلبات المدفوعة لإنشاء محتوى يُظهر شخصاً ما يختاره العميل في وضع جنسي مزيف.

وفي إيطاليا، تطالب رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني بتعويض قدره 100 ألف يورو من رجلين متهمين بإظهارها في مقاطع فيديو إباحية مزيفة فبركاها ونشراها على مواقع إباحية أمريكية.

وقالت ميلوني أمام المحكمة، في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بحسب وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا”، إن “هذا شكل من أشكال العنف ضد المرأة”.

وأضافت: “مع ظهور الذكاء الاصطناعي، إذا سمحنا بوضع وجه امرأة على جسد امرأة أخرى، فستجد بناتنا أنفسهن في هذه المواقف، ولهذا أعتبر أنه من المشروع خوض هذه الحرب”.

تثبيط عزيمة النساء

وفي باكستان، حلل صحافيو وكالة فرانس برس مقطع فيديو مزيفاً يُظهر المسؤولة المنتخبة المحلية مينا مجيد وهي تقبّل رجلاً علناً، وهو عمل يُنظر إليه على أنه غير أخلاقي في هذا البلد المسلم المحافظ.

قالت عظمة بخاري، وزيرة الإعلام في ولاية البنجاب الباكستانية، إنها شعرت بأنها “مدمّرة” بعد اكتشاف مقطع فيديو مزيف يضع وجهها على الجسد العاري لممثلة هندية.

وجاء في تحليل أجرته منظمة “تك بوليسي برس” Tech Policy Press غير الحكومية، في عام 2024: “نلاحظ بشكل متزايد التأثير المعوّق لهذه الصور ومقاطع الفيديو المولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي والمستخدمة لمضايقة النساء في السياسة”، محذراً من أن هذا الأمر يرمي إلى “تثبيط عزيمة النساء اللواتي لديهنّ طموحات سياسية”.

في جميع أنحاء العالم، تجاوز انتشار هذه التزييفات العميقة القواعد التنظيمية.

يقبل بعض صنّاع المحتوى المولّد بتقنية التزييف العميق الطلبات المدفوعة لإنشاء محتوى يُظهر شخصاً ما يختاره العميل في وضع جنسي مزيف

يتضمن التشريع الحالي في باكستان “لمنع الجرائم عبر الإنترنت” أحكاماً ضد “المضايقات عبر الإنترنت” تهدف إلى حظر مشاركة الصور أو مقاطع الفيديو من دون موافقة الأشخاص المستهدفين، “بطريقة تُلحق الضرر بأي شخص”. ومع ذلك، لا يوجد في البلاد قانون محدد لمكافحة نشر الصور المزيفة ذات الطبيعة الجنسية.

على الرغم من أن قوانين المملكة المتحدة تجرّم توزيع المواد الإباحية المولّدة بتقنية التزييف العميق، فقد وعدت حكومة حزب العمال بحظر إنشاء مثل هذا المحتوى، ولكن لم يتم تحديد جدول زمني بعد.

كذلك، أصدرت بعض الولايات الأمريكية، بينها كاليفورنيا وفلوريدا، قوانين تجرّم نشر الصور المزيفة ذات المحتوى الجنسي الصريح، ويطالب النشطاء الكونغرس الأمريكي بإصدار قوانين جديدة بشكل عاجل لتنظيم إنشاء هذه المواد وتوزيعها.

وحتى لو كان ضحايا الصور الإباحية العميقة حتى الآن من السياسيين والمشاهير، بينهم المغنية تايلور سويفت، فإن الخبراء يقولون إن جميع النساء، بما يشمل من هنّ خارج الدائرة الإعلامية، معرّضات لها.

وبعد أن أخطرت مجموعة ASP عضوات الكونغرس المستهدفات، تمت إزالة الصور التي أنشأها الذكاء الاصطناعي بالكامل تقريباً من المواقع المعنية، ما يعكس ما يسميه الباحثون “تفاوتا في الامتيازات”.

وأوضحت المجموعة في تقريرها أن “النساء اللواتي ليست لديهن الموارد المتاحة لأعضاء الكونغرس من غير المرجح أن يحصلن على استجابة سريعة من المواقع التي تنشر مواد إباحية عميقة إذا تقدمن بطلب الإزالة بأنفسهن”.

(أ ف ب)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية