من تونس إلى ليبيا: دروس ممنوعة وغاز مفقود.. والغرياني يستنفر المصريين

على خريطة الإنتاج والاستهلاك، التي لا يقسم العالم الجديد إلا بها تتذيل البلدان المغاربية الترتيب في إثارة الاهتمام، رغم كل الحياة التي تدب، وكل المستجدات التي تهب، وقدرتها على بناء أولويات المواطنين ولا شاهد أفضل من السوشيال ميديا وترينداتها.

الحلم المغاربي

في رحلته نحو استكمال آدميته، يحلم المغاربي عامة بممارسة حقه في السفر كحق أساسي من حقوق الإنسان، ولكنه سيصطدم سريعا بعوائق كثيرة، أولها جواز سفره، الذي يكرسه بشرا من درجة أخرى. لن يمنع الأمر من محاولات في حجز مساحة على خريطة الاستهلاك الكبيرة، هكذا ستعج المعابر الحدودية التونسية عشية العطل بجحافل الباحثين عن ساعات فرح بالقدر المتاح والممكن من الجوار. ليبيون وجزائريون ضجت مواقع التواصل الاجتماعي منذ أيام وككل سنة بصور أعدادهم الكبيرة، رافقتها حملات «الاستغفار» عما يأتونه بين «قليلي الحيلة» من نظرائهم الذين لم يعرفوا للبهجة سبيلا، وتضرعات تونسية، لكن لأسباب أخرى هذه المرة.
للتونسي طقوس خاصة في الاحتفال عامة، شيء من موروث ضارب في القدم، وآخر صقلته التجارب الجمعية الأحدث، لكن لا يبدو أن أزمة الغاز التي عاشتها بعض مناطق البلاد خلال الأسابيع الأخيرة ستخلف ما يسر «التوانسة». إذ عوضت رسائل وأمنيات التونسيين بسنة جديدة ومميزة، رسائل بحث في فائدة أسطوانات غاز. تحولت الصفحات والمجموعات الافتراضية إلى فضاءات تجارة إلكترونية، بل مضاربة، نتيجة الارتفاع الرهيب في أسعار المادة الأساسية والضرورية، خصوصا في المناطق الداخلية في البلاد، كما مطارح للاستفسار، التنفيس وأحيانا السخرية. «نمتلك كل شيء ولا شيء في آن» علق البعض على غنى البلد وسوء التسيير، «إنها أزمة مفتعلة، لا توجد إضرابات، أين الخلل إذا؟»، «إنه استهتار وتقاعس»، «بلاد فيها غاز، ويعبرها أنبوب قادم من الجزائر وشعبها لم يجد أسطوانة غاز» كانت من بين التعليقات التي ترددت بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في البلاد.

لا دروس خصوصية بعد اليوم؟

من نقاط اليومي الجزائري المضيئة إجبارية ومجانية التعليم في البلاد. وتعد وزارة التربية الوطنية الجزائرية اثني عشر مليون تلميذ متمدرس حسب آخر الإحصاءات الرسمية، موزعين على أطوار تعليمية متنوعة من الأقسام الأولى وحتى نهاية التعليم الثانوي. أما من المساحات المعتمة التي قد تكدر صفو تلك النقاط المضيئة فهي ما يعرف بالدروس الخصوصية، وهي حصص تدريسية مدفوعة يقبل عليها التلاميذ من مختلف الأطوار بغية تعزيز معارفهم، تضاعف انتشارها، واتسعت تغطيتها، كما أفرزت بدورها ظواهرها الخاصة، كأساتذة نجوم على السوشيال ميديا، كما الاقبال الكبير عليها من جهة واستهجانها من جهة أخرى.
وتمكنت الدروس الخصوصية من اعتلاء التريند في البلاد خلال الأسبوع الأخير، مزيحة النقاشات المكرورة حول الاحتفالات برأس السنة الميلادية، وأخبار السياسة. أما السبب فقرار نافذ لوزارة التجارة بمنع استغلال الفضاءات التكوينية الخاصة من مدارس للغات وغيرها لتقديم دروس شبه مدرسية لطلاب مختلف المستويات التعليمية، باعتباره نشاطا لا يدخل ضمن صلاحياتها القانونية. لم يكد الخبر يصل السوشيال ميديا» حتى تسبب في إثارة جدل حقيقي. ثمن بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي الفكرة مؤكدين أن المدرسة ستستعيد هيبتها أخيرا، «لقد تحول التعليم إلى تجارة، وتدنى مستوى الطلاب، هذا القرار جيد»، شكك البعض في قدرة الجهات الرسمية على ردعها «هم كثر جدا، ساعات عملهم تتجاوز المواقيت الرسمية»، في حين استنكر البعض اقتصار المنع على مدارس التكوين الخاصة دونا عن المساحات غير الرسمية، التي تنتشر فيها هكذا دروس ويحدث أن تكتظ بطلاب العلم، من محال ومستودعات، بل بيوت خاصة. توقيت القرار تسبب في غضب كثر الذين استهجنوا تطبيقه في قلب السنة الدراسية وكان الأجدر بحسبهم تفعيله قبل البداية الرسمية للدروس.

عباءة الشيخ وكرسي السياسي

المتابع لخريطة التحولات الجيو- سياسية في المنطقة العربية منذ فترة قريبة سيحس تحولا جذريا في صياغة «الأمنيات» الاستراتيجية، التي غلب عليها «التصريح المفرط» ولسنا نعلم أن كان الأمر نتيجة لرعونة ومراهقة سياسية للبعض، أم هو «ريح الزمان» بحسب التعبير الفرنسي.
من أيام ضجت مواقع التواصل الليبية وقبلها المصرية تفاعلا مع تصريحات الصادق الغرياني مفتي ليبيا السابق، والسبب كلمة مصورة للرجل يدعو فيها الشعوب العربية لدعم المصريين للخروج والمطالبة بإسقاط نظام «عبد الفتاح السيسي» في مصر.
لم يكد الرجل ينهي كلمته المصورة حتى اعتلى التريند. في مصر توافق الإعلام الرسمي ورواد السوشيال ميديا على التأسس طرفا والرد على الشيخ. «ليحرر ليبيا أولا»، «خليك في بلدك»، «ميراث الدم» كرر المناوئون للشيخ، أما المدافعون عنه فكرروا أنها «كلمة حق صدرت عن رجل صادق»، «كلمة حق في وجه سلطان جائر»، «لما تستكثرون على شيخ إصدار فتوى، في حين لا يتوقف السيسي عن التدخل والعبث في الشأن الليبي منذ اعتلائه الحكم؟» علق البعض.
شهرة «الغرياني» المفاجئة لم تتوقف عند الأزمة التي تسبب فيها مع الجيران المصريين، بل جاءت تصريحات وزيرة الخارجية «نجلاء المنقوش» التي قررت الخروج عن صمتها والدفاع عن نفسها حول اتهاماتها بالتطبيع مع إسرائيل لتضيف ملحا على جراح رجل الدين الذي ما فتئ يحرم ويجرم التعامل مع دولة الكيان. وكانت المنقوش قد أشارت أنها لم تكن الوزيرة الوحيدة التي التقت بمسؤولين إسرائيليين. تصريحات سرعان ما ربطها رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمواقف «الشيخ الرسمي السابق»، مطالبين منه توضيحات وأحكاما وفتاوى في حق هؤلاء ممن يدافع عنهم.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية