«البنى الخفية» للتاريخ: الصحراء والساحل (1 – 2)

تستلهم هذه المقالة منهج فرناند بروديل التاريخي، وتأخذ في الاعتبار حياته (1902-1985) الغنيّة المثيرة للتأمل، فهذا الكاتب الذي كان يعرّف نفسه بكونه «مؤرخا من أصل فلاحي»، مارس مهنة التدريس في مدينتي قسنطينة والجزائر العاصمة في الجزائر، خلال فترة الاستعمار الفرنسي، أي أنه عايش حياة المستوطنين الفرنسيين والمستعمرين الجزائريين، واعتقله الألمان عام 1940 حيث وضع تحت الإقامة الجبرية في ألمانيا نفسها حتى عام 1945، أي أنه عايش حالة ظرف وجود بلاده محتلة في وضعية السجين تقريبا، ولكنه، في تلك الفترة نفسها، أعدّ رسالة دكتوراه ناقشها عام 1947 موضوعها: «البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني».
انضم بروديل لمجلة «الحوليات»، التي صدر أول عدد منها في عام 1929، كمدير مساعد، وكان هناك تطابق بين توجه دراسته حول المتوسط، مع توجهات المجلة التي أصبح مديرها منذ عام 1967، وقدمت المجلة أفقا جديدا لعلم التاريخ تدرس بما يمكن ان نسميه «البنى الخفية» للتاريخ، التي تقرأ سيرورته عبر التبدلات العميقة، التي تتم خلال المدى الطويل الذي يستغرق أجيالا عديدة، ضمن مناهج انفتحت على علوم الجغرافيا والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والأنثروبولوجيا، وكذلك علوم مثل الآثار والأيقونات، ليس في صنع التاريخ المحلي لبلد فحسب، بل كذلك في صياغة «قواعد الحضارات».

أحوال سوريا: الزمن الجغرافي

يمكن لهذا المنظور أن يفيد في قراءة أعمق لأحوال سوريا المعتملة حاليا، وفي ضوء الجدل الهائل القائم على اصطدام واشتباك الهويّات والثقافات والمجتمعات والديمغرافيا والأيديولوجيات والحضارات. تؤثر البيئة الجغرافية لأي بلد، حسب منهج بروديل، على مجريات التاريخ البعيد، لتتراكب بعدها على معطيات الاجتماع والاقتصاد والذهنيات المتشكلة في ما يأتي التاريخ السياسي ـ العسكري الحدثي كمرحلة ثالثة. وبناء على ذلك فهناك تعدد للأزمنة، فهناك زمن سريع للأحداث، وزمن ممتد للحقب التاريخية، وزمن بطيء للحضارات. تاريخ المدى الزمني الطويل، حسب هذه المنهجية، هو «تاريخ التغيرات البنيوية الجوهرية».
يمتد الزمن الجغرافي طويلا، أما في الزمن الاقتصادي الاجتماعي ـ الثقافي فتتشكل الإمبراطوريات والحضارات والتجمّعات والمجموعات، ويكون «أسرع من التغيّر في البيئة»، ويكون زمن تاريخ الأفراد المتبدّل بسرعة (أي ما نعيشه الآن) هو «زمن السطحيات والمظاهر الخادعة».
يؤلّف البحر المتوسط دائرتين، تشكل الصغرى منهما سواحله التي تضم «عوالم متشابهة» من اليونان وإيطاليا إلى إسبانيا، في الشمال، إلى سواحل شمال افريقيا في الجنوب، والساحل السوري في الشرق، وهي عوالم تتبادل «المنتجات والبشر والأفكار» وتتشابه في طبائعها الجغرافية والزراعية. تغتني العوالم المتوسطة بعدد سكانها وإمكاناتها، وكل عالم فيها له حدوده التي تجعله أسير حيزه الجغرافي، وعندما تنجز أشباه الجزر الكبرى (ايبيريا، إيطاليا، المغرب، شمال افريقيا، آسيا الصغرى) وحدتها السياسية، تصبح عدوانية حين تقوى، وتحتل حين تضعف، ومثال ذلك «إن احتلال البربر لإسبانيا في القرن الثامن كان قد سبقه نمو ديموغرافي هائل في المغرب».
تمتد دائرة المتوسط الأكبر، «متوسط التاريخ»، إذن لتصل إلى حدود البحر الأحمر والخليج العربي، الذي هو حيّز ـ حركة يمتد في كل الاتجاهات. تتناظر في هذا الحيز الصحارى في الجنوب والشرق، مع الأودية الغنية في الشمال والغرب. الصحراء، هي وجه المتوسط الآخر، وهي تلامس البحر من ثلاث جهات: الصحراء الليبية، والسورية، وصحراء شمال البحر الأسود. الصحراء، حسب بروديل، هي صلب حضارة الإسلام، وركيزة تجانسه البشري.
في الصراع بين ضفتي المتوسط، يشير بروديل إلى أثر حركة الاجتماع والاقتصاد على البيئة، فيعزو تراجع البحرية الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي، إلى الانخفاض الكارثي في حجم الأراضي الزراعية، وعندما استنفدت عمليات بناء السفن في القرن السادس عشر الثروة الغابية المتوسطية (شمالا وجنوبا) كانت الغابات حول البحر الأسود وبحر مرمرة وخليج أزمير، تساهم في صعود العثمانيين، واشتداد قوتهم البحرية.

تسامح الإسلام واستقبال الوافدين

من جهة أخرى أدى اتساع الصحارى والمساحات المقفرة إلى جعل الجنوب والشرق خزانا لتربية المواشي والخيول وكان هذا عنصر قوة للجيوش الإسلامية، ويرى بروديل، إن قلة عدد سكان تلك البلدان يفسر تسامح الإسلام واستقباله الوافدين، وكانت كل هذه العوامل أسبابا في وجود عالمين متواجهين على صعد الجغرافيا والتاريخ وأنماط الحياة اليومية. دخل عنصر اجتماعي ليساهم في اختلال التوازن بين حيّزي شمال وجنوب المتوسط، وهو نقصان عدد السكان، ففي القرن السادس عشر كان عدد سكان بلدان المتوسط الأوروبية 38 مليونا، يقابلهم 22 مليونا في البلدان الإسلامية، وفي عام 1930 بلغ عدد بلدان المتوسط الأوروبية 113 مليونا، يقابلهم 83 مليونا في البلدان الإسلامية.
شهد القطب الجنوبي من المتوسط اندفاعتين بدويتين استمرتا قرونا، الأولى هي اندفاعة الإسلام ابتداء من القرن السابع، والثانية هي اندفاعة الأتراك من صحراء آسيا الباردة ابتداء من القرن الحادي عشر. أما سكان الجبال، حسب بروديل، فيظلون «على هامش الحضارات التي هي صنيعة المناطق المنخفضة»، وتدفع كثافة أعدادهم، وشحة الموارد، الكثير منهم إلى مغادرة مواطنهم والالتحاق بالمدن، ليصبحوا مهاجرين فيها أو جنودا في ممالكها.
وتنبه ملاحظة مهمة لبروديل إلى تنوّع طرق التداخل بين البيئي والاجتماعي والثقافي، فعند محاولة العثمانيين وقف زحف قبائل التركمان الزاحفة من وسط آسيا وتحضيرهم، هربت القبائل الشيعية منهم إلى بلاد فارس، ما سيعطي أثرا كبيرا للثقافة على السياسة في القرون اللاحقة (وهو ما سيكون موضوع مقالة أخرى)، ينضاف إلى الحدث المؤسس للصراع السنّي ـ الشيعي في الفضاء العربي.
مفيد هنا أيضا تطرّق بروديل لما يسميه «قدر اليهود»، الذين كانوا يشكلون «خصما صغيرا» في أوروبا، «لكنه يمتلك إمكانيات هائلة وغريبة»، أما سبب الحقد الغربي عليهم والعداء لهم، برأيه، فهو أنهم كانوا يشكلون شبكة تجارية مهمة في العالم الذي انتشروا في أرجائه كلها، منبها إلى تلازم الاضطهادات والطرد بحركة الظروف الاقتصادية.
مهم أيضا ما تحدثه «أشكال الحرب»، التي لا تكف عن خلخلة حياة البشر وتمزيقها، وإلى أن الحضارات المتوسطية، إضافة الى الحروب الخارجية، كانت تنهك نفسها بحروب داخلية لا تنتهي، وكانت الحروب بين المسيحية والإسلام «تعقبها دائما حروب داخلية».

كاتب من أسرة «القدس العربي»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية