غالبية الأموال الموجهة لأفريقيا مسجلة خارج القارة: إلى متى يتواصل الاستنزاف؟

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: أكدت دراسة مالية تحليلية صدرت للتو أن ما لا يقل عن 60 في المئة من الأموال المخصصة للاستثمار في أفريقيا مُسجلة خارج القارة، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا معاكسا لتوجيه التمويلات اللازمة لتطوير مشروعات البنية التحتية وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة في أفريقيا من التمويلات.
وتولى إعداد هذه الدراسة الممولة من مؤسسة «ماستركارد»، فريق من الخبراء الدوليين، العاملين لحساب هيئات عدة بينها «سماواتي كابيتال» و«ستافورد للمحاماة».
وأوضحت الدراسة «أن الأموال الموجهة للاستثمار في أفريقيا، تتمركز في دول مثل لوكسمبورغ وديلاوير ودبلن، التي تُعتبر وجهات مالية عالمية أكثر من كونها مرتبطة بأفريقيا».
ورغم أن هذه المناطق تحظى بسمعة كجنان ضريبية وأماكن آمنة للاستثمار، إلا أن الأموال الموجهة لدعم مشاريع البنية التحتية وتطوير الشركات الأفريقية غالبًا ما تبتعد عن القارة نفسها، وهو ما يعكس ضعف البنية الاقتصادية الهيكلية في العديد من الدول الأفريقية.
من خلال هذا الواقع، يظهر أن القارة الأفريقية لم تتمكن بعد من أن تصبح جاذبة للمستثمرين الدوليين بشكل فعال؛ فالمستثمرون يفضلون المناطق التي تتمتع بأنظمة قانونية مستقرة، حيث يُحترم القانون وتُنفذ العقود بسهولة، وهو ما توفره دول مثل لوكسمبورغ وسنغافورة.
وفي المقابل، تعاني العديد من الدول الأفريقية من عدة مُعرقِلات بينها بطء الإجراءات البيروقراطية، وقوانين غامضة، واضطرابات اقتصادية كبرى، ما يجعلها بيئة غير جاذبة للاستثمار على المدى الطويل. ونتيجة لهذا الواقع، تواجه أسواق مثل أسواق الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل 80 في المئة من الوظائف الرسمية في القارة، صعوبة كبيرة في الحصول على التمويل اللازم.
فقد ذكر تقرير 2024 الخاص برصد توجيه الأموال في أفريقيا، أن العجز في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، بلغ 940 مليار دولار، ما يجعل هذه الشركات تدور في حلقة مفرغة، بين قلة التمويل، وقلة النمو، وقلّة الجاذبية.

استثناءات تُبشر بالخير

على الرغم من هذا الواقع، فإن أفريقيا ليست غائبة تمامًا عن ساحة الاستثمار؛ فعلى سبيل المثال، استطاعت جزيرة موريشيوس أن تُحقق مكانة مرموقة كمركز مالي، حيث تجذب اليوم حوالي 20 مليار دولار من الاستثمارات بفضل نظامها الضريبي المرن، وتشريعاتها الواضحة، وفتح أبوابها أمام الاستثمارات الدولية.
وفي جنوب أفريقيا، يُعتبر سوق صناديق التقاعد من أبرز اللاعبين، حيث قام «منتدى مالكي الأصول» في جنوب أفريقيا بتعبئة أكثر من 500 مليون دولار لتمويل مشروعات محلية.
ويعكس هذا النجاح قدرة جنوب أفريقيا على الاستفادة من قطاعها المالي القوي ومن الكفاءات الموجودة في السوق.
أما رواندا، فقد اختارت التخصص في مجالات مثل التكنولوجيا والتأثير الاجتماعي، عبر مركز كيغالي المالي الدولي وهو خيار جريء بدأ يُؤتي ثماره.
رغم هذه الاستثناءات، لا تزال معظم دول القارة في حالة من الجمود. على سبيل المثال، لم تتمكن نيجيريا، أكبر اقتصاد أفريقي، من جذب الاستثمارات على الرغم من امتلاكها أصولًا عامة تقدر بحوالي 43.6 مليار دولار.
أما دول مثل كوت ديفوار وتوغو في غرب أفريقيا فهي تحاول أن تبرز كمراكز إقليمية، لكن التقدم لا يزال محدودًا.

التغيير ممكن

من أجل تغيير هذا الاتجاه، لن تكون الكلمات وحدها كافية، بل يجب على الدول الأفريقية تبسيط قوانينها، وتأمين العقود، وتعبئة رؤوس الأموال المحلية.
ويمكن للصناديق الوطنية للضمان الاجتماعي، وصناديق التقاعد، والبنوك العامة أن تلعب دورًا محوريًا في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة والبنية التحتية والمشروعات المبتكرة.
وتتجاوز أصول صناديق التقاعد الأفريقية 600 مليار دولار حاليًا، وقد تصل إلى 7300 مليار دولار بحلول عام 2050، ما يجعلها أداة مهمة لتحفيز الاستثمارات الخاصة.
وقد أثبتت دول موريشيوس، وجنوب أفريقيا، ورواندا أن التغيير ممكن؛ ولكن طالما أن الغالبية العظمى من الدول الأفريقية باقية خارج الأضواء الدولية، فإن القارة ستظل تدفع ثمن تهميشها الاقتصادي.
وقد توصل الخبراء معدو الدراسة التحليلية إلى خلاصة مفادها أن أفريقيا لم تعد تستطيع تأجيل مسألة بناء مستقبلها الاقتصادي، ويجب أن تبدأ الآن في الاعتماد على مواردها الذاتية لتحقق التحول الذي طال انتظاره.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية