صفقة الصلب اليابانية المرفوضة وماذا تخبرنا عن اتجاه واشنطن إلى سياسة «الانغلاق القومي»

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

من تناقضات السياسة الاقتصادية الأمريكية منذ مطلع القرن الحالي أنها تدعو إلى فتح الأسواق الخارجية بينما هي تغلق أسواقها المحلية وتحصنها، وأنها تتغنى بالتنافسية بينما صناعاتها تتخلف وراء أسوار الحماية، وأنها تدعو للانضباط المالي في العالم مستخدمة مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي، بينما هي غارقة في العجز المالي الداخلي (الميزانية)، والخارجي (التجاري). جديد هذه التناقضات هو قرار الرئيس الأمريكي بايدن، بينما هو يستعد لإخلاء مكتبه في البيت الأبيض لساكن جديد/ قديم هو دونالد ترامب، بوقف صفقة استحواذ شركة نيبون اليابانية للصلب على الشركة الأمريكية للصلب. هذا القرار يعتبر تدخلا سياسيا سافرا في أمر يرتبط بالعلاقات الاقتصادية بين شركتين تنتميان إلى دولتين حليفتين. اليابان في حقيقة الأمر ليست مجرد دولة حليفة للولايات المتحدة، بل إنها أكبر مستثمر في سندات الخزانة الأمريكية، أي انها أكبر مساهم في سد العجز في الميزانية الأمريكية، كما أنها ثاني أكبر مستثمر أجنبي مباشر في قطاعات الاقتصاد الأمريكي وعلى رأسها الصناعات التحويلية، أي انها من المساهمين الرئيسيين في تحقيق النمو الأمريكي. ومن ثم فإن قرار وقف الصفقة، التي تستهدف من حيث المبدأ تعزيز قوة صناعة الصلب الأمريكية في مواجهة المنافسة الشرسة من الصين التي تستحوذ على ما يقرب من 55 في المئة من إنتاج الصلب في العالم، أدى إلى ردود فعل غاضبة في كل من البلدين.

واشنطن وإضعاف الاقتصاد الياباني

تاريخيا، فإن العلاقات الاقتصادية بين البلدين، الولايات المتحدة واليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي علاقة متوترة تختلط فيها المنافع مع تضارب المصالح، وصلت إلى درجة أن واشنطن اتبعت استراتيجية متعمدة لإضعاف الاقتصاد الياباني في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. ورغم أهمية اليابان المحورية استراتيجيا كجزء من خط المواجهة الأمريكية مع الصين، فإن قرار بايدن بوقف صفقة استحواذ شركة الصلب اليابانية «نيبون ستيل» على شركة الصلب الأمريكية «يو إس ستيل» يعكس تنامي قوة «المصلحة القومية الأمريكية» في سياسة الولايات المتحدة مع العالم، بما في ذلك أقرب حلفائها، كما يعني غلبة اعتبارات تلك المصلحة على ما عداها، بصرف النظر عن مبادئ حرية السوق والليبرالية الاقتصادية. الأكثر من ذلك أن القرار يميل إلى جعل دول العالم المختلفة، بما فيها الدول الحليفة، مجرد خادمة لتحقيق المصالح الأنانية للولايات المتحدة. وفي هذا السياق فقد وصل الأمر بالرئيس المنتخب إلى عرض ضم دولة بأكملها هي كندا لتصبح الولاية الأمريكية رقم 51 وتكف عن كونها دولة مستقلة. كما وصلت هذه النزعة القومية بالرئيس المنتخب إلى التهديد بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، والسيطرة على قناة بنما، بحجة أنانية ساذجة، هي أن الولايات المتحدة في حاجة إلى كل منهما. ما يحدث في صناعة الصلب الأمريكية هو مجرد مظهر واحد من مظاهر النزعة الحمائية القومية الجديدة التي تقود السياسة الأمريكية. ووفق قرار بايدن، فإن استحواذ «نيبون» على «يو إس ستيل» من شأنه «أن يضع أحد منتجي الصلب الأمريكيين تحت السيطرة الأجنبية، ويشكل مخاطر على أمننا القومي، وسلاسل التوريد الحيوية». هذه الحجة لا تستقيم مع حقيقة أن الولايات المتحدة هي أكبر مستورد للصلب في العالم، وهو قطاع تسيطر عليه الصين بلا منافس تقريبا، وأن تشجيع إقامة تحالف أمريكي – ياباني في هذه الصناعة وليس العكس، يأتي في مصلحة الولايات المتحدة واليابان.
قرار بايدن ينسجم مع السياسة الاقتصادية القومية الضيقة الأفق التي اتبعها ترامب خلال فترة رئاسته الأولى. ولا يجب أن ننسى ان الرئيس المنتخب الذي سيتولى الحكم في البيت الأبيض اعتبارا من 20 من الشهر الحالي، هو الذي بدأ في الآونة الأخيرة إجراءات حماية الصناعة الأمريكية ضد المنافسة الخارجية بإقامة سور جمركي عازل ضد واردات الصلب والألومنيوم في عام 2018. ففي الأول من آذار/مارس 2018، أعلن ترامب عن نيته فرض تعريفات جمركية بنسبة 25 في المئة على واردات الصلب ومنتجاته و10 في المئة على واردات الألومنيوم ومنتجاته من كل دول العالم. وفي تغريدة نشرها في اليوم التالي، أكد أن «الحروب التجارية جيدة، ومن السهل الفوز بها». وفي الثامن من الشهر نفسه وقع مرسوما بفرض التعريفات الجمركية. وكما أن قرارات زيادة الرسوم الجمركية الحمائية تعتبر انتهاكا لمبدأ حرية التجارة، فإن قرار بايدن بوقف صفقة الاندماج يعتبر انتهاكا لمبدأ حرية انتقال رؤوس الأموال، خصوصا بعد أن كانت اللجنة المختصة بفحص ملف الاستحواذ قد وافقت على الصفقة. ورغم رفع الرسوم الجمركية لحماية صناعات الصلب والألومنيوم في عام 2018، فإن نزيف الخسائر الصناعية لم يتوقف، وزادت أعباء تشغيل شركة الصلب الأمريكية إلى الحد الذي يهدد استمرار قوة العمل المشتغلة في الشركة التي يبلغ عددها حاليا 22 ألف عامل (مقابل حوالي 350 في ذروة قوة الشركة خلال الحرب العالمية الثانية)، حين كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت أكبر منتج للصلب في العالم. أما الآن فإن الصين هي التي تحتل هذا المركز، تأتي بعدها الهند، ثم اليابان، ثم الولايات المتحدة في المركز الرابع. الصناعة الأمريكية في واقع الأمر لا تعاني من المزاحمة الخارجية، لكنها تعاني من انخفاض الكفاءة ونقص القدرة على المنافسة. وقد كان أحد دوافع هذه الصفقة إقامة تحالف ياباني – أمريكي في صناعة الصلب، للوقوف في وجه الاحتكار الصيني (55 في المئة من الإنتاج العالمي).

تأثير سلبي على الاستثمار الأجنبي

ترك قرار وقف الصفقة «نيبون» و«يو إس ستيل» أثرا سلبيا مباشرا على أسهم كل من الشركتين. أسهم «يو إس ستيل» خسرت مباشرة 6.5 في المئة من قيمتها في السوق بعد إعلان قرار بايدن بوقف الصفقة. وأغلقت أسهم «نيبون ستيل» منخفضة بنسبة 0.75 في المئة. وفي بيان مشترك، وصفت الشركتان قرار بايدن بأنه «غير قانوني»، وقالتا إنهما ستتخذان كل الإجراءات المناسبة لحماية حقوقهما القانونية. وفي حال فشل الصفقة نهائيا، تستحق الشركة اليابانية رسوم فسخ بقيمة 565 مليون دولار. لكن الأهم من ذلك هو الأثر السلبي الذي خلفه القرار على مناخ الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة.
الصين اعتبرت قرار وقف الصفقة «يمثل استعراضا مذهلا للقومية الاقتصادية»، يستند إلى مخاوف الأمن القومي والحاجة إلى حماية سلاسل التوريد الحيوية المحلية. ووصفته بأنه «أكثر من مجرد رفض للاستثمار الأجنبي؛ إنه إعلان بأن العمود الفقري الصناعي الأمريكي ليس للبيع، حتى لأقرب حلفائها». كما قالت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية إنه من خلال إبقاء الصلب الأمريكي في أيدي الولايات المتحدة، فإن أدارة بايدن «رسمت خطا في الرمال، يعلن أن صناعات معينة بالغة الأهمية بدرجة لا يمكن السماح بالسيطرة عليها من قبل كيانات أجنبية.»
أما بالنسبة لليابان، فإن قرار بايدن هو بمثابة جرعة دواء مُرّة يصعب بلعها. فقد وعدت شركة «نيبون ستيل» بعدم خفض الطاقة الإنتاجية في مصانع شركة «يو إس ستيل» لمدة 10 سنوات، واستثمار ما يقرب من 3 مليارات دولار لتوسيع طاقة الإنتاج. ولكن توسلات الشركة اليابانية ذهبت سدى؛ فواشنطن تتعامل مع طوكيو على أنها تابعة لها. فكيف يمكن السماح لشركة تابعة لدولة أجنبية بالسيطرة على واحدة من الصناعات الاستراتيجية في أمريكا؟ ويراقب حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، الأمر عن كثب. وتغذي خطوة إدارة بايدن قناعة متزايدة بأن الولايات المتحدة تعطي الأولوية لأمنها الاقتصادي فوق مصالح شركائها. وقد يؤدي هذا إلى تدهور قوة التحالفات، ودفع دول مثل اليابان، فضلا عن أعضاء الاتحاد الأوروبي، إلى السعي لإقامة علاقات اقتصادية أوثق مع دول أخرى. الخاسر الأكبر في هذه الحالة هو الولايات المتحدة، التي تستحوذ على ما يقرب من ربع تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في العالم حسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» لعام 2023.
في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي 2024 بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الولايات المتحدة 231.9 مليار دولار، منها 101 إلى قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 43.5 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية. وكانت قيمة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الولايات المتحدة في عام 2023 قد وصلت إلى 289 مليار دولار. الرقم القياسي المسجل لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة بلغ 484 مليار دولار في عام 2015، بينما أقل رقم في السنوات الأخيرة بلغ 112 مليار دولار في عام 2020 طبقا لبيانات المكتب الأمريكي للتحليل الاقتصادي. أهم الدول المصدرة لرؤوس الأموال في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي كانت المملكة المتحدة واليابان وكندا وهولندا وألمانيا. ويعتبر الاستثمار الأجنبي المباشر، المالي والعيني، واحدا من أهم محركات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. وفي حال تزايد الشكوك المحيطة بسياستها الاقتصادية، والاتجاه إلى تسييس الموقف من الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد تتحول الاستثمارات الأجنبية إلى دول أخرى، خصوصا الدول سريعة النمو في شرق وجنوب شرق آسيا.

رد الفعل الياباني

مع تضرر صناعات الصلب المحلية في الدول الصناعية والنامية من توسع الصادرات الصينية، تتجه شركة «نيبون ستيل» نحو التوسع تجاريا وصناعيا في الأسواق الخارجية، حيث ينمو الطلب بسرعة على منتجات الصلب اللازمة لتصنيع السيارات والقطارات والأسلحة والأجهزة المنزلية. ومن خلال العمل على سد احتياجات صناعة السيارات الكهربائية إلى الفولاذ المتخصص في الولايات المتحدة، والاستفادة من توقعات النمو القوية في الهند، فإن «نيبون ستيل» لا تعمل فقط على تنويع أنشطتها الإنتاجية والتوسع الخارجي، بل إنها تعمل أيضا على تعزيز نفوذها في السوق العالمي كلاعب رئيسي وسط التحديات الراهنة.
وبعد فشل عملية الاستحواذ، تتجه شركة «نيبون ستيل» نحو النمو الاستراتيجي في السوقين الواعدين: الولايات المتحدة والهند. ويعاني قطاع الصلب العالمي من ضغوط بسبب فيضان الصادرات الصينية، نتيجة للطلب الضعيف داخل قطاع العقارات المهتز، الذي يحفز منتجي الصلب الصينيين إلى التوسع بجرأة في الأسواق الخارجية. وترى «نيبون ستيل» في السوق الأمريكية فرصة رئيسية، مدعومة بالحاجة المستمرة للصلب المتقدم في صناعات مثل السيارات الكهربائية. أما في الهند، فإنه من المقرر أن يعزز مشروع مشترك بين «نيبون» وشركة «أرسيلور ميتال» توسيع القدرة الإنتاجية بشكل كبير بحلول عام 2026، بما يتماشى مع نمو الطلب المحلي المتوقع على الصلب في البلاد بنسبة 8.5 في المئة. وعلى نطاق أوسع، تستفيد شركة «نيبون ستيل» من الأسواق الناشئة في منطقة رابطة دول جنوب شرق آسيا، مدعومة ببراعتها التكنولوجية لمواكبة الطلب المتزايد. وتشير الخطط الاستراتيجية لشركة «نيبون ستيل» إلى السعي للعب دور أوسع في صناعة الصلب العالمية، حيث أن عملية إعادة تنظيم السوق، بسبب تراجع الطلب الداخلي في الصين وسياسات التصدير تسهم في تشكيل المشهد المستقبلي. وقد تؤدي تفاعلات إعادة تنظيم السوق على المستوى العالمي إلى حدوث تحولات في ديناميكيات العرض العالمية، مما يشجع الشركات في جميع أنحاء العالم على التحوط ضد التقلبات، من خلال التوسع في الأسواق الناشئة وتأمين المواد الخام الأساسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية