فيلسوف بدرجة «ميغا ستار» ظلمته شهرته: هنري برغسون

عند ذكر لفظ فيلسوف يتبادر للأذهان صورة رجل يتحدَّث بمصطلحات عويصة، ويجتذب جمهوراً محدوداً من مجموعة على درجة عالية من العلم والثقافة، ولا تخرج مناقشاته الفلسفية من قاعات الدرس، وتصبح رهينة جدارن الكتب، ولا يُخْرجها من محبسها إلَّا بعض المتحمِّسين الذين قد يذكرونها في مقالة أكاديمية أو بحث علمي. وقد ينطبق هذا المنطق على جميع الفلاسفة بلا استثناء، ما خلا فيلسوفاً واحداً فقط، ألا وهو هنري برغسون»
والفيلسوف الفرنسي «أونري-لوي بيرجسون» Henri-Louis Bergson (1859-1941) يعد الفيلسوف الوحيد الذي حقق نجاحًا جماهيريًا عالميًا منقطع النظير؛ فلقد كان يقبل العامة قبل المتخصصين على محاضراته. يكفي القول إنه كان أوَّل فيلسوف لا تسع قاعات المحاضرات للجمهور الرَّاغب في سماعه. وتضاعفت شهرته بعد نشره لكتابه الرَّابع «التطوُّر الإبداعي» Creative Evolution (1907) الذي قدَّم تفسيرًا فلسفيًا للتطوُّر البيولوجي، بل وأصبح الكتاب الأكثر مبيعًا على مستوى العالم بأسره. وعندما كان يحاضر في الجامعة الفرنسية «كولج دو فرانس» College de France فإن قاعة الدرس التي تسع نحو 375 طالباً على أقصى حد، كان يتراص بها ما يربو على السبعمائة (700) فرد، بخلاف من لم يتمكنوا من الدخول. ولقد جعل هذا الوضع الجامعة تقرر نقل محاضراته إلى واحد من أكبر المسارح في فرنسا وهو مسرح «الأمفيتيياتر» “Amphitheatre” الموجود بجامعة السوربون.
وأمَّا الغريب حقًا، أنه كان أوَّل فيلسوف يجتذب جمهورًا أكثر من جماهير المسارح ودور الترفيه. وبالإضافة إلى هذا، أنه أوَّل فيلسوف أصبح الدخول لمحاضراته من خلال تذاكر يشتريها جمهور المريدين والصحافيين المتلهفين لسماع المزيد والكتابة بناء على ما يذكره. وذلك بالتأكيد، بالإضافة إلى تلهف الصحافة لكتابة تقارير عن رصد أعمال الشغب الأسبوعية التي تحدث كلما يلقي «اونري بيرجسون» إحدى محاضراته في الجامعة في باريس، ما أجبره على نقل فصوله الدراسية إلى مسرح جامعة السوربون وكذلك إلى قصر جارنييه؛ لكنهما لم يكونا كافيين بكل الحشود الضخمة التي تقف خارج القاعة لتسترق السمع.
وعند استضافته في لندن عام 1911، عجَّت قاعة المحاضرات بالحضور، وتذكر المصادر أن قاعة المحاضرات اكتظَّت بالحضور الذين أجبروا القاعة أن تحمل أقصى عدد لها على الإطلاق، وتذكر المصادر أن صوت عبارات الترحيب و»الهتاف باسمه بأعلى صوت» كانت تعمل على تمجيد إسهامه العلمي، ما أثار استغراباً عظيماً في جميع الأوساط العلمية. وأمَّا الطريف حقَّا أنه بعد تلك الواقعة بعامين، سافر إلى مدينة نيويورك بالولايات المتَّحدة الأمريكية من أجل إلقاء إحدى محاضراته الشيِّقة. وكانت زيارته بمثابة زلزال غير متوقِّع؛ حيث أنه حالما علم مُعجبوه بوجوده حدث ارتباك مروري، وكانت تلك أوَّل واقعة ازدحام مروري خانق يصيب حي برودواي. وعلى شاكلة كبار النجوم في العصر الحديث، كانت معجبات الفيلسوف « هنري برغسون» يحاولن نيل قطعة من ملابسه أو خصلة من شعره؛ للتفاخر بها ولتكون دليلاً على أنهن حظين بحضور إحدى محاضراته، وسمعن أفكاره التقدُّمية.
ومحاضرات « هنري برغسون» التي كانت تجتذب قطاعاً كبيراً من عامة الشعب، وعلى رأسهم جمهور عريض من النساء، كان ينتقدها المتخصصون وخريجو الكلِّيات بأنها تفوح منها رائحة أغلى العطور لدرجة تجعل القاعة خانقة، وقد تطرد المتخصصين من الرجال بسبب تلك الروائح. وبالإضافة إلى ذلك، كانت تتحوَّل قاعة المحاضرات إلى عرض أزياء تتنافس فيه النساء لعرض أحدث صيحات الموضة. ولقد ضجّ الرجال والمتخصصون من تواجد النساء الكثيف، لدرجة أنه في بعض الأحيان كان ينبري البعض إلى سؤال تلك النسوة عن خلفيتهم العلمية، وما إذا كن قد حصلن على درجة علمية.
وأثار الفيلسوف الفرنسي « هنري برغسون» شغف النساء بمحاضراته عن التقدُّم والإبداع بسبب أنها كانت بالأساس تناقش قضايا لم يطرحها أحد بجرأة كما استطاع أن يفعل. فلقد تحدَّث عن موضوعات مثل حرِّية المرأة وحقَّها في الاقتراع والتصويت، علمًا بأن المرأة في ذاك الوقت كانت محرومة من ممارسة الحياة السياسية، وبالتالي لم يكن لها حقّ التصويت. وبالإضافة إلى ذلك، عندما ناقش «بيرجسون» قضايا مثل الحرِّية والإرادة الحرَّة، فإنه شمل بتلك المفاهيم المرأة أيضًا التي كان يُعلي من قدرها وينادي بأن تتمتّع بنفس الحقوق التي هي حقّ مكتسب للرجال.
ولقد أقبل الجمهور أيضًا على محاضراته بسبب أسلوبه الأدبي الشيِّق، الشعري النهج، الذي يعج بالاستعارات والتشبيهات والصور، بالإضافة إلى قدرته الفريدة على تبسيط أعقد النظريات لتخرج بأسلوب سهل وبسيط يفهمه جميع المستويات. وأصبح في عصره ليس فقط أكثر الفلاسفة الذي يقتبس العامة ووسائل الإعلام أقواله ونشرها في كل مكان، بل إنه أيضًا بسببه قد فقد الجمهور الشغف بأي فيلسوف آخر، مثل أرسطو وأفلاطون، ولم يعد يتواتر على الألسنة إلَّا اسمه فقط، والسبب أنه كان يناقش قضايا حيوية، ولا يجنح إلى طرح مفاهيم تجريدية.
وتجدر الإشارة إلى أن « هنري برغسون» قد عاصر الثورة الصناعية الأولى والثانية، وكلتاهما عمدتا إلى تغيير جميع أشكال الحياة والمفاهيم السائدة، بشكل جذري. وفضلاً عن ذلك، فإن خلفيته العائلية والاجتماعية جعلته أكثر انفتاحًا على العالم. فوالده البولندي الأصل والذي يعمل عازفًا ومؤلِّفًا موسيقيًا ترك وطنه ليستقر في إنجلترا، لكنه لم يستقر بها؛ فقد غادرها بعد أن بلغ تسع سنوات، ليستقر في فرنسا للأبد، وبذلك حصل «أونري» على الجنسية الفرنسية. وتعلَّم «أونري» اللغة الإنكليزية من والدته التي كانت تحظى بتعليم جيِّد، بالإضافة إلى إتقانه اللغة الفرنسية. وكل تلك الخبرات العملية التي حظي بها منذ الطفولة ومصدرها الانتقال بين الحضارات المختلفة ومخالطة فئات متعددة من البشر، ولَّدت لديه القدرة على سهولة التعامل مع أطياف البشر المختلفة وكيفية اجتذابهم.
وأمَّا الأفكار التراثية الجامدة التي كان يمجِّدها جميع الفلاسفة لاعتقادهم أنها أسس راسخة، استطاع هنري برغسون أن ينسفها من جذورها مع تقديم أدلَّة دامغة. فلقد خالف وجهة النظر السائدة في الفكر الغربي، التي تصرّ على أن القوالب غير القابلة للتغيير، مثل القوالب والأسس الأفلاطونية، هي الأكثر واقعية التي يجب التشبُّث بها، وذلك لأن القوالب القابلة للتغيير قابلة للعبث بها وبمدلولاتها. وأمَّا «بيرجسون» فلقد أصّر على أن «الواقع أساسه التنقُّل»، والتغيير هو السِّمة الأساسية للتجربة الإنسانية الواعية؛ لأن ذلك هو الشرط الذي تُبنى عليه الإرادة الحرَّة. ويؤكِّد «بيرجسون» على هذا بقوله: «إن الوجود هو التغيير، والتغيير هو النضج، والنضج هو التغيير». ويستطرد قائلًا: «النضج هو أن يستمر المرء في خلق نفسه إلى ما لا نهاية». وعمل «بيرجسون» على تطبيق تلك الأفكار في كتابه «التطور الإبداعي» واختار لذلك إحدى القضايا الملحَّة والشائكة إلى يومنا هذا، وهي التطوُّر البيولوجي التي عمل على تعميقها في محاضراته، بالإضافة إلى تعميقها من خلال استخراج الدليل من تاريخ الفكر الفلسفي. وبسبب أنه متحدث شديد اللباقة، ومفكِّر واع، فبالإضافة إلى منصبه كرئيس قسم الفلسفة لجامعته، وقع الاختيار عليه من قبل السُّلطة الحاكمة لأن يعمل بالسلك الدبلوماسي، وبعدها خدم كممثل لفرنسا في عصبة الأمم المتحدة، آنذاك. ونال أيضًا جائزة نوبل عن إسهاماته الفكرية الجليلة التي ترسي قواعد التطوُّر والازدهار.
لكنه وبالرغم من كل هذا، هاجمه تقريبًا جميع الفلاسفة، واتهموه بأن أفكاره مغلوطة وغير دقيقة، بما في ذلك الفيلسوف الرصين «برتراند راسل» الذي صرح بأن إعجابه بالفيلسوف لا يتخطى الإعجاب بأسلوبه الأدبي عند عرض الأفكار فقط. ويعزى سبب ذلك أن أفكار «بيرجسون» كانت شديدة التقدمية وسبقت عصرها، وأن جمهوره العريض من العامة، وخاصة من النساء، لم يترك مجالًا للباحثين المتخصصين من خريجي الجامعات لأن يحضروا محاضراته التي اشتملت على تعميق أفكاره وشرحها، أو بالأحرى جعلتهم ينفرون منها بسبب عشق النساء لأفكاره. والدليل على ذلك، أن الفيلسوفة الفرنسية «سيمون ديبفوار» Simone de Beauvoir (1908-1986) التي قرأت أفكاره عن تحرير وحقوق المرأة التي طرحها في مستهل القرن العشرين، قامت بإعادة طرحها في أربعينيات القرن؛ أي بعد أربعة عقود. أمَّا بالنسبة لجمهور النساء، فلم تكن أغلبهن من محبي التباهي والتظاهر بأنهن على قدر واسع من الثقافة، والدليل على هذا أن نفس كم الجمهور هذا لم يجتذبه فيلسوف آخر، وأنه كان يوجد فئات أخرى. فلقد استطاع «بيرجسون» تقريب الفكر الفلسفي لأذهان العامة، لدرجة جعلتهم يعشقونه ويشعرون أنه فيلسوف الجمهور الواسع.

لقد انتقم الفلاسفة من «بيرجسون» أعتى انتقام، لدرجة أنه عزل نفسه عن العامة طواعية شيئًا فشيئًا إلى أن تقوقع على نفسه بإرادته الحرَّة، لكن النتيجة أن اسمه تم محوه من الأذهان ولم يعد يناقش ولو فرد واحد أياً من مفاهيمه التقدُّمية. وحاليًا، لا يقبع إلَّا في ذاكرة النسيان، ولا يتذكَّره سوى من ينقِّب في خبايا الفلسفة، وبالفعل يتعجّب من كون هذا الفيلسوف تم محو إسهاماته وتشويه صورته بهذا الشكل. وكان من أكبر المنصفين له الفيلسوف الفرنسي «جيل ديلوز» Gilles Deleuze (1925-1995) الذي ألف كتابًا يشير لإنجازاته، تحت عنوان «البرغسونية» Le Bergsonisme.
الشهرة الواسعة والصيت الذائع والإقبال الجماهيري جميعها شروط تجعل من أي فرد نجماً من نجوم المجتمع، وإذا استمرَّت تجعل منه «ميغا ستار». لكن الذكرى تخلِّدها الكتب، والتي يفرض خطوطها العريضة المعاصرون، الذين لديهم كل السيطرة على مسارات الذَّاكرة الثابتة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية