القاهرة ـ «القدس العربي» : يُقام على مسرح الغد ـ التابع للبيت الفني للمسرح ـ في القاهرة العرض المسرحي «بلاي»، تأليف سامح مهران ـ يشغل منصب رئيس مهرجان المسرح التجريبي ـ ويقدم ما يمكن أن يُطلق عليه نصاً مسرحياً، ليتم إنتاجه من ميزانية الدولة! ناهيك عن الدعاية في المواقع والصحف، وكذا مقالات تحمل عناوين متهافتة لا معنى لها من قبيل (الأسئلة الشائكة) أو (التجربة الفنية المُبتكرة) وكأننا أمام عرض مسرحي غير مسبوق.
العرض أداء.. جلال عثمان، علي كمالو، عبير الطوخي، نائل علي، أحمد نبيل، إيمان مسامح، ووليد الزرقاني. ديكور وأزياء دينا زهير. إضاءة عز حلمي. دعاية ومادة فيلمية محمد فاضل. مساعدا الإخراج مها مصطفى وطارق صلاح. مخرج منفذ سيادة نايل. إخراج محمد عبد الرحمن الشافعي.

الفكرة المعجزة
مجموعة ممثلين يستعدون لتأدية بروفات عرض مسرحي نظراً لاقتراب الموسم الجديد، ولكن مخرج ومؤلف الفرقة سافرا للخارج بحثاً عن دولارات الخليج ـ تمت الإشارة إلى موسم الرياض ـ ومن هنا نلمح الحِس السياسي الناقد، ليبدو أن السيد المؤلف ينتوي القفز من السفينة، إلا أنه تراجع في الوقت المناسب حفاظاً على منصبه. يتفق الممثلون على القيام بأنفسهم بالتأليف والإخراج وأداء الأدوار، ولكن ماذا عن الموضوع؟ هنا يستعرض المؤلف ثقافته الرفيعة، فيستشهد بأعمال شكسبير، ولكن يتم الاتفاق على حكاية من الحياة ومما يعيشه الناس. فما هي الحكاية؟
الحكاية العبقرية
ووفق الشكل اللافت الذي اختاره صناع العمل، وكما هو مكتوب عنه بأنه يتجاوز الأزمنة، ويتداخل من خلاله الواقع مع الخيال، وبالتالي محو الحدود، لا بد من اختيار حكاية عبقرية تليق بالشكل الفني الفذ، ليصبح هناك رجل عائد من دولة خليجية شهيرة بطقسها الديني (العربية السعودية)، وهو رب لأسرة مكونة من زوجة وولدين في سن الشباب، وبالطبع هناك فارق بين حياته وحياتهم، إضافة إلى كونه بخيلاً، وهي سمة غالبة على العائدين من الخليج، لأنه يرى أن نقوده بديلاً عن عمره الضائع. أين المشكلة أو (العُقدة) بما أننا أمام عمل درامي؟ الزوجة تريد من زوجها أن يشترك لولديها الشابين في أحد الأندية الشهيرة، حتى لا تضيع حياتهما، حيث الفراغ والبطالة، وحتى لا ينجرفا للموبقات والضياع، مع ملاحظة أن أحد الأولاد يتحايل على البطالة باستكمال دراساته العليا، والذي يتم استحضاره من خلال الحوار فقط. أما الولد الآخر فلا يجد نفسه سوى في محاولة الرحيل عن البلد، وحتى تطول الدلالة كل شيء، فهو يحمل اسماً يدل على شخصيته ووجوده (منسي)، ليس هذا فقط، ولكن كان لا بد من استعراض قضايا آنية راهنة مُلحة تعبّر عن الوضع، فيكون الرحيل من خلال الهجرة غير الشرعية.
حتى الآن فالحكاية مُستَهْلَكَة، ولا تليق بمقام الشكل العبقري و(المسرحية داخل مسرحية) و(الارتجال) و(الكوميديا ديلارتي)، وصولاً إلى (مشاركة الجمهور في العملية الإبداعية) مع ملاحظة أن المصطلحات والمسميات الأخيرة جاءت على لسان دعاية الصحف والمتثاقفين مسوّدي المقالات. ليأتي الحل السحري.. فرب الأسرة البخيل يتزوج من جارته الشابة الحسناء، فقط لأنها مشتركة في أحد النوادي، وبزواجه منها سيشترك هو الآخر وأسرته بالتبعية، ويدفع للمرأة مبلغاً لا يُقارن بالطبع مع مبلغ الاشتراك ـ تشعر وكأنه اشتراك الشيوعيين زمان في خلاياهم ومنظماتهم السرّية ـ ثم يطلقها بعدها! والله ده اللي حصل!
مش كده وبس، لا فنحن أمام تجربة لافتة قائمة على الارتجال سيقف التاريخ أمامها طويلاً بالفحص والدرس، ليموت الزوج في مُصادفة كوميدية ـ ديلارتي بقى ـ بأن تسقط فوق رأسه لافتة المأذون قبل تطليقه الجارة الحسناء، ليموت وهي زوجته وبالتالي تشترك مع أسرته في الميراث. لنخرج مما حدث بالسؤال الجوهري الوجودي، بما أننا كمتلقين قد اشتركنا في العرض.. مش كان دفع الاشتراك أحسن؟
إضافة إلى ذلك وفي قصة فرعية هناك والد الزوجة (الجد) الذي توفت زوجته، وهو لا يزال يعيش معها وعلى ذكراها، فيتم تصوير لقطة للبحر ـ أصله من إسكندرية ـ وصورة لامرأة تعلو شاشة سينما، كأنها في استديو من التسعينيات، تحادثه بصوتها الذي يسمعه في كل مكان، يعاني الوحدة بدونها، وينتظر موته واللحاق بها. فقط هذه هي وظيفة شاشة سينما في العرض الذي من المفترض أن يكون مسرحياً، متجاوزاً قيود الكلاسيكية والحداثة وما بعدها، ومبشراً بمسرح جديد سيأتي من بعده سيطلق عليه خبراء النقد.. (المسرح المراوغ).
الممثلون
حاول الممثلون قدر طاقتهم بعث الحياة في الحكاية، سالفة الذكر، خاصة الفنانة عبير الطوخي والفنان جلال عثمان في دور الزوجة والزوج، أما باقي الممثلين فتباين أداء كل منهم ما بين الجديّة المصطنعة والاستخفاف، أو الاستظراف، دون منطق أو مبرر درامي، وهو ما يعود إلى ما يمكن تسميته مجازاً بالنص المسرحي، ولكن.. يعمل إيه التمثيل في نص ضايع؟!
