بين الليل والنهار… سيرة مغنٍ في الجزائر

حجم الخط
3

صادفت لغطاً في مواقع التواصل الاجتماعي، وطالعت تغريدات تقطر غضباً، على غير العادة. تنطوي على نبرة وكلمات يتعسر إعادة نشرها في هذا المقال، كلمات مستقاة من قواميس الشارع، في النيل والإساءة إلى قناة تلفزيونية محلية. طالب معلقون بغلقها أو بمحاسبة القائمين عليها، أو بتعليق نشاطها إلى حين، بل هناك من تجرأ للدعوة إلى محاكمة صاحبها، وآخر وصفه بعديم الأخلاق.
لوهلة أولى ظننت أن تلك القناة قد عرضت تقريراً يمس بالأخلاق العامة، مع أننا لا نعرف تعريفاً لكلمة أخلاق، أو أنها سرّبت صوراً من شأنها أن تمس بالحرية الشخصية، أو أنها ازدرت بالمعلوم من الدين، انشغلت في مطالعة التعليقات، قصد فهم ما يجري، وأدركت أن الأمر يتعلق بمغنٍ.
أين المشكلة في أن تستضيف قناة مغنياً وتفرد له برنامجاً، في ساعة ليلية، تتضاعف فيها مشاهدة التلفزيون؟ المشكلة حسب المعلقين، أن ذلك المغني اشتهر بالغناء في الملاهي، إلى غاية هذه اللحظة لا يزال الأمر غير واضح، فالملهى إنما مكان يتناوب عليه مغنون، أم يجب على المغني أن يؤدي أغانيه في مدرسة أو سوق؟ شعرت بأنني لم أفهم الغضب العارم، الذي استولى على السوشيال ميديا، قبل أن أواصل التنقيب في الأمر، وأبلغ الأسباب في بؤرة الغضب. فالناس شعروا بالإهانة أن يطل عليهم مغني ملاهٍ ـ كما وصفوه ـ في بيوتهم، مستغلاً دعوته في تلك القناة التلفزيونية. شعروا بإهانة لهم أن يشاهدوه وهم يجالسون عائلاتهم في البيوت، خلف أبواب موصدة.
وهنا سؤال آخر يطرح: كيف عرفوا أنه يغني في ملاهٍ؟ إما أنهم يرتادونها أو يتابعون فيديوهات المغني في السوشيال ميديا؟ ومهما كانت الإجابة، سوف نجد أنفسنا إزاء متلازمة جزائرية؛ فالناس يفضلون ارتياد الملهى في الخفاء، ويتأففون من سماع حديث عنه في العلن. يعيشون حياتين، واحدة في السر، لا يعلمها سوى الله، والثانية في العلن يجتهدون فيها في طاعة الله. ومع أن الأمر لا يبدو مناقضاً لا للواقع ولا للمنطق، أن يرتاد مغنٍ ملهى، فقد شاعت حساسية إزاء هذا الموضوع. هل يوجد مغنٍ واحد في الجزائر (نقصد من مشاهير الغناء) لم يقضِ شطراً من حياته في ملهى؟ ألم تبدأ وردة الجزائرية حياتها الفنية، من ملهى (تام تام)، الذي امتلكه والدها في باريس، ثم تنقلت بين ملاهٍ أخرى تؤمها جاليات عربية في فرنسا، قبل أن تسطع نجوميتها في القاهرة؟ بما أن نجمة البلاد الأولى وردة قد صنعت موهبتها في الملاهي، فلماذا يتضايق الناس من رؤية آخرين يسيرون على نهجها؟

بحثا عن مدرسة موسيقية
من أين يأتي المغنون؟ في بلدان أخرى، يتخرج المغني في مدرسة الموسيقى، من معهد فني، من مركز يعنى بالفنون، من مؤسسة تساعد الشباب في تطوير مواهبهم، ولكن في الجزائر لا توجد مدارس موسيقى، وما يتوافر عليه البلد من معاهد فنية عجزت عن تطوير نفسها، وعن مواكبة التطورات التي يعرفها الفن، كما إنها معاهد محصورة في مدن دون غيرها، وبالتالي لم يعد متاحاً مكان يقصده الشاب، الذي ينوي الغناء، سوى الملهى. ففي الملهى سوف يتعرف إلى مغنين آخرين، إلى ملحنين، سوف يحتك بهم في تطوير ذاته وقدراته وأدائه. في الملهى كذلك سوف يتعلم الوقوف أمام الجمهور. في ذلك المكان دائماً سوف يتعرف إلى منتجين، ثم سوف يدخل أستديو تسجيل، للمرة الأولى في حياته، سوف يسجل أول اغنية ثم أول ألبوم. بالتالي، هل الذنب يقع على عاتق المغني؟ في ظل التصحر الفني، وغياب مدارس موسيقية، ماذا يفعل شاب يتمتع بخامة صوتية، لكنه يقيم في بلدة بعيدة؟ إن غياب استراتيجية من شأنها خدمة الموسيقى، يعجل بلجوء هؤلاء إلى الملاهي، ولولا الملاهي لم نكن قد سمعنا أغانيهم، التي تملأ الأسماع، وتخفف من عزلة وشجن الناس، وتبعث فيهم الفرح والإقبال على الحياة. فمن حق مغنٍ شاب أن يبحث عن مكان يتيح له فرصة في التعبير عن نفسه، في الإدلاء بما يود قوله، في تجريب حظه في الغناء، ثم الجمهور يحكم بالإيجاب أو الرفض على أدائه. هذا المغني يحاسب على الأغنية التي يؤديها، وليس على المكان الذي جاء منه. لأننا إذا قررنا محاكمة المغنين بناء على علاقاتهم بالملاهي، فسوف نلغي جل التراث الفني في البلاد.

الملهى من الداخل
من يتابع موجة الغضب، التي عمت جمهور السوشيال ميديا في الجزائر، يخيل إليه أن البلاد تعج بالملاهي، بينما في الواقع الأمور تسير على النقيض من ذلك. فقد ولدت فكرة معاداة الملاهي من منطق أنها تقدم مشروبات كحولية لمرتاديها، ونعلم أن الجزائر واحدة من أكثر الدول العربية صعوبة في إتاحة تراخيص بيع الكحول، بل إن تجارة هذه المشروبات تكاد تصير منعدمة، في مدن البلاد الداخلية، ما فسح المجال إزاء سوق سوداء، تتاجر في هذه المشروبات، في الخفاء. بالتالي فإن الملهى كما يتصوره الناس ليس كما يرونه في الأفلام، أو في الفيديوهات على اليوتيوب. كما إن الملاهي في تناقص، من عام لآخر، نظراً إلى قلة التراخيص التي يحصل عليها رجال أعمال في فتح هذا النوع من الأمكنة. كما إنها تكاد أن تصير حكراً على مدن ساحلية، ولا تنشط سوى في الصيف، حيث يندر أن نصادف ملهى في مدن الداخل، مهما بلغت كثافة سكانها. إزاء هذا الوضع الذي يضيق من حرية من يود امتهان الغناء، تصير حياة مغنٍ في الجزائر عسيرة. حياة انفصامية. لا بد أن يساير أهواء العامة في النهار، وفي الليل يضطر إلى البحث عن ملهى يسمح له بالغناء وكسب قوته، نظراً إلى ندرة المهرجانات الفنية كذلك، والتي تنشط في الصيف حصراً. كيف يمكن لهذا المغني إذن أن يكسب قوت يومه عدا الغناء في ملهى؟ إن السؤال الأهم الذين يستحق أن يطرحه الغاضبون في السوشيال ميديا: لماذا لا توجد مساحات بديلة يتطور فيها المغنون، ويواصلون فيها مسيرتهم؟ ثم عندما تأتي سيرة ملهى، في نقاش عام، ننسى أن أشهر المغنين في السنين الأخيرة تخرجوا في ملاهٍ، من الشاب حسني إلى الشاب خالد، وكذلك الأمر بالنسبة للمغنيات. فهل نوجه الغضب إلى فشلنا في إتاحة فضاءات للمغنين؟ أم نواصل الإساءة إليهم والإساءة إلى القنوات التي تستضيفهم؟

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية